كتابة النص السردي: ثابت أم مراوغ؟
كتابة النص السردي: ثابت أم مراوغ؟
محمد سعيد ملاّ سعيد
يبدو لي من تجربة ذاتية، ومن خلال المراجعة لبعض النصوص الإبداعية للقريبين مني واستجلاء رأيهم في طريقة الكتابة، أن النص ينزع إلى السير إلى أفق آخر مغاير حين كتابته، بحيث يغير وجهته إلى وجهة غير التي حددها سلفاً. وهذا ينطبق على كل الأجناس الأدبية على نحو ما، فما إن يبدأ الكاتب الحرفي العمل، حتى يرى جدِّياً كيف يغير السرد من طريقته في طرح الأفكار وتصارع الشخصيات وفرض نهايات غير مخطط لها أصلاً.
فالنص الإبداعي مراوغ مترجرج في أكثر الأحيان، يكتب نفسه، ثم في الاستطراد يغير وجهته وينحو إلى مرتفع آخر. وليس على الكاتب في هذه الحالة إلا أن يسير خلفه لاهثاً منقاداً محموماً وإلا فسيفقد أثره، وعليه أن يلجم متن النص أثناء الكتابة مهما سار وفي أي اتجاه كان.
في البداية هذا مزعج ومربك حين يحس الكاتب بتسرب فكرة مخططه من بين يديه، يجزع على نصه ويحتار، ولكنه أخيراً يتعجب من هذه الطفرة التي ترسو على سوية رائعة. فالكتابة الإبداعية قطار يسير ولكنَّ سكة طريقه تبدو كمفاصل متشعبة، كما نرى في المحطات الكبرى المتعددة.
وليس يدري المرء كيف يسير على أحدها، ويخاف أن تتدهور به العربات المقطرة بها. هذا القول ينطبق مئة بالمئة على القصة والرواية والمسرحية، فرغم التخطيط المسبق ووضوح الفكرة أو تجلي الحدث والموقف الذي يراد اقتناص لحظته وتسجيل تفاصيله. في بدء الأمر يسير هيناً، ولكن في الوسط يتململ قليلاً، وبالأخير يغير وجهته الحرفية حتى لو كانت بكلمة قفلة أو جملة أو موقف شخصية أو حوارها.. إلخ.
وهكذا يتعجب المرء الكاتب (الأب والرب) لتلك الحالة، لهذا المولود المشاكس، فأما أن يتوافق مع المخطط الأولي ويتوالف مع وجهته الجديدة وينحو إلى بعد أفضل، أو يتقاطع على محوره إلى أفق آخر غير سوي.
لقد كان الروائي والمسرحي الأمريكي جوليان جرين حين يؤلف كتاباً فإنه لا يعلم مقدماً موضوعه الحقيقي ولا عقده، بل إن ذلك يأتي مع سياق التأليف. وذكر في حديثه عن كتابة مسرحيته (الجنوب) قائلاً: لقد كتبت هذه المسرحية بصورة غريبة، إذ اكتشفت موضوعها الحقيقي عند نهايتها، كما حدث لي مراراً مع كثير من مؤلفاتي الأخرى. إن أشخاص رواياتي كثيراً ما تتجاوزني، ذلك أنهم مراؤون ماكرون (يوميات ج 6 ص 145).
أي إن جدية المواقف المستجدة وتسلسلها المنطقي تفرض وضعاً لا فكاك منه، بأن تسلك طريقها، فبدلاً من انسياق الشخصيات والمواقف لقلم الكاتب، نرى المؤلف ينصاع إلى أوامر وحركة الشخصيات داخل النص السردي والمتن التابع له أفكاراً كانت أم مواقف أم حواراً.
حتى إن البعض حين يحاول أن يقتبس من نص سابق ويؤسس عليه أعداداً، يصعب عليه ذلك لأن النص السردي يمارس هوايته المشاغبة ولا أقول غوايته، ويأخذ بيد الكاتب بعيدا عما ارتآه من وجهته الأولى، فيخلص على نص آخر ينسب إليه بفخر، وإن أخفق الكاتب السباحة في خضم مياهه والوصول برفقته إلى بره، ترى البحر تمور أمواجه وتياراته وتعصف بالكاتب وبقلمه، وترمي به على صخور الشاطئ متكسراً مفجوعاً دون غايته.
هذا النمط من الكتابة ـ السرد القصصي والروائي والمسرحي ـ صعب لأنه يحتوي على شخصيات، وهذه لها رغبات وسطوات، وذلك لأن تلك الشخصيات تريد أن تخرج من إهابها وتمارس مشاكستها وجبروتها، شخصيات كالأطفال تريد هذا وذاك، هي شخصيات أشبه بفتاة لعوب تمارس غنجها ودلالها على الكاتب، لذا يجب أن يكون الربان مقتدراً للحد من أنوائها، مسيطراً على أهوائها قدر الإمكان.
ولأن الشخصيات مترجرجة وهلامية الشكل في البدء، يجمع خيوطها الفكر، وهو أيضاً يتأرجح على حبال سيرك السرد وشخصياته، فهذه شخصيات تدخل إلى الأبواب وتخرج إلى الطرقات وتسير بجانب النار والأنهار، بحيث تذهب إلى أماكن، وعلينا أن نرجعها بهدوء إلى سيرة السرد المخطط له، خوفاً من التيه والضياع، خوفاً من الحرق وخوفاً من الغرق، على الكاتب أن يحرس شخصياته ليصلا معاً إلى بر الأمان، وإتمام النص السردي على أكمل وجه.
ولأن الكاتب أسلس قلمه لذلك، فهنا تبرز معرفة الخصال والطباع لديه، ودراسة الأفعال وردودها وسلوكياتها، بما يتوافق ومعرفة واقع الحال إن جارت المواقف والشخصيات، الذي يعرفه حتماً أو هو مهيأ لمعرفته، حتى يتم مجاراتهم فيما هم يسيرون فيه.
نعم، قد تكون له معرفة واقعية بخطوط الشخصية العريضة ويبني عليها، ولكنها تدخل إلى حرملكات وحدود لا يعرف عنها شيئاً بكامل شعبه وتفاصيله، حينئذ يرتجل بعض الحركات ليخرج من تلك الورطة، وهنا تبرز مقدرة الكاتب الإبداعية والتخييلية، وتتجلى الموهبة والحنكة في رصد التغييرات المستجدة ورصد الحالة، للجم جموح الحصان وعودته إلى جر عربته بسلاسة إلى آخر الشوط.
هذا هو نسيج القماش الأولي، ومن بعد يزدان بشراشيب وبهارات وإضافات أخرى مكملة، كلمة من هنا وجملة من هناك، لأن المرء حينئذ يكتب محموماً حتى لا تشطح الأفكار وتفر المواقف من أثيماتها الأولية، ومن بعد يقرأ قراءة متأنية لما كتب لمراجعة مترابطة الأوار، فيبدأ مشوار الإضافة والحشو بما هو ناقص، التقليم والتكثيف لما هو زائد.. وهكذا.
وحيث تكثر الشخصيات فالعمل الفكري التجريدي مجهد مؤلم وجالب للصداع كما هو معروف، لفك الخيوط البيضاء عن السوداء، تبدو كأنها أفاع تخرج رؤوسها وهي تريد سيراً منطقياً: فنياً وجمالياً لحسن الخاتمة وهو المأمول. ففي القسم الأول يسير العمل هيناً حسب المخطط له، وفي الوسط يبدأ بالتباطؤ ويتكاسل فتتشتت المواقف والشخصيات بل وتتشعب المصائر، وأعتقد أن أعقد المراحل هي هنا في الكتابة السردية، لأن بدء تشكل وتشابك الصراعات يتجلى هنا، وفي القسم الأخير يسير على هدى ما خطط له أولاً، أو نتيجة الصراعات في القسم الذي تلاه.
وأخيراً حين يسير العمل على رتمه، ثمة مواقف ودواخل تستجد فيتألف معها الكاتب بجد فيحد من جموحها للعودة إلى الطريق السوي، يتعجب الكاتب من مقدرة بلا غته، فيبدأ يصلي لخياله المرسوم على الجدار وظله الطويل في عصر النهار.