شخصيات ثنائية... غوار وحسني أنموذجاً
للحديث عن الثنائي الكوميدي غوار الطوشة وحسني البورظان، وما جسّداه في مسلسلات عدة أكسبهما شعبية لا مثيل لها، فخلدا في ذاكرة الناس حتى الآن، بما يحملان من مفارقات فكاهية، وبما حفلا به من ثنائية لوجه واحد من الطباع والنوازع البشرية، فيهما من الفعل وردة الفعل الكثير.

كما تمثلا في المقالب المحبوكة البريئة أو الخبيثة، التي تظهر من خلالها النوازع الإنسانية على حقيقتها دون رتوش أو تجميل. شخصيتان حفلتا بصراعات وجودية. وكانت المفارقة الأبرز بين الشخصيتين اللتين تخالفان المنطق والمعايشة في الشكل بين النحافة والسمنة، بين الطيبة والمكر، بين البرود والهياج، شخصيتان متناقضتان في الاتجاه والآفاق.. إلخ، تُعِدُّ الأولى المقالب بخبث ومكر حيناً، وببلاهة حيناً آخر، لتتجرعها الثانية بغيظ أو برضا وسذاجة.
ظهرت هاتان الشخصيتان في بداية البث التلفزيوني السوري، في أوائل ستينيات القرن الماضي،. وكان كاتبهما الفنان نهاد قلعي (توفي في 19 أكتوبر 1993) الذي كان يمثل أو يتبنى شخصية حسني البورظان، الشخصية الممتلئة الجسد ذات القلب الطيب والطوية البيضاء. كما جاءتا في مسلسل (حمام الهنا) و(صح النوم) وما تلاهما من أعمال في إطارهما. كما عكس شخصية غوار الطوشة النحيفة الجسد الفنان دريد لحام، تلك الشخصية (الله يسامحها) معدة المقالب والمشكلات.
أما من أين استمدا شخصيتهما، فهل هما مبتكران أم أن لهما وجود سابق، وما مدى التشابه أو التماثل بينهما، تلك الثنائية وصفة المفارقات والمقالب الفكاهية في المضمون، وتلك الهيئة في الشكل؟ فهي تشير من كل بد إلى شخصيتي لوريل وهاردي، على الأقل، فقد سبقتا أنموذج غوار والبورظان بآماد كثيرة. والفن عامة لا يمكن تجزئته فهو في مجمله محاكاة وتناص وتمثل.. إلخ.
أول ظهور للوريل وهاردي كان في عمل باسم (هل يفكر المخبرون؟) في العام 1927 حين جمعت أستوديوهات هال روش بينهما، وكانا قبلئذٍ يعملان كل منهما مستقل عن زميله. وقد مثلا معاً ما يقارب الثلاثين فلماً قصيراً ومتوسط الطول، وذلك في الفترة الذهبية للفلم الصامت، غير الناطق، حتى نهاية العام 1929. وهكذا بدأت أعمالهما الكوميدية الثنائية، فقد كان لوريل الاسم الفني لـ ستان لوريل (1890 ـ 1965)، وهاردي هو الاسم الفني لأوليفر هاردي (1892 ـ 1957) أول ثنائي كوميدي في عصر الكوميديا الذهبي للفلم الصامت. فهما على عكس مشاهير تلك الفترة من أمثال شارلي شابلن وهاري لانجدون وباستر كيتون، الذين جسدوا شخصيات أحادية خاصة بهم. ويقول مؤرخو السينما إن هذين الثنائيين اعتليا خلال هذه الفترة قمة الفكاهة وبلغا أوج مجدهما، وكأنما خلقا خصيصاً للسينما الصامتة، أو أن السينما خلقت لفنهما، أي كوميديا الحركة المرئية والمفارقية والمقالبية وإيماءاتها الصامتة، التي تزخر بمشاهد ولقطات مبتكرة من الحياة، بأسلوب فني مشوق، عبر ذلك التنامي الدرامي التدريجي في الحبكة البسيطة وتلك المواقف المتصاعدة حبكة على حبكة، وموقفاً على موقف التي تجر أذيال بعضها إلى حد الإفراط والإنهاك.

وللمقارنة بين الشخصيات الثنائية هذه وتلك، بين أنموذج لوريل وهاردي، وبين غوار وحسني، نقول إنهما متشابهان في الشكل ـ النحافة مع السمنة، فالشخصية الأولى تعد المقالب على الثانية، أي النحيف على السمين. وهما متشابهان في المضمون ـ الفكاهة مع المقالب. أما اختلافهما فقد كان طبيعياً لما بينهما من السنوات أي ما يقارب الأربعين حولاً. لذا كان دور الثنائي الأول في التمثيل صامتاً، أما الأخرى فكانت ناطقة. وجدير بالذكر أنه كان هناك أيضاً (زمن لوريل وهاردي) ثنائي آخر في تلك الفترة هما (أبوت وكوستيلو)، مع فارق أن الأول كان سميناً والآخر نحيفاً.
وشيء ثانٍ نذكره على مستوى التمثيل والاختلاف بين الفنانين، فقد كان ستان لوريل يتولى كتابة السيناريو ويقوم بابتكار المواقف والمقالب الكوميدية، ويبدي اهتماماً بالتكتيك الدرامي، فهو كان الرأس المفكر للثنائي، وعلى ذلك فقد نال شهرة أوسع من زميله، رغم أنه تأخر عنه في التمثيل، أي أن هاردي سبقه بالاشتغال في السينما بأربع سنوات. وفي الأنموذج السوري دريد لحام ونهاد قلعي نرى العكس، فقد كان نهاد قلعي يكتب السناريو ويقوم بابتكار المواقف والمقالب الكوميدية على الأغلب، وكان قد سبق زميله دريد لحام بالتمثيل في المسرح مع الرواد الأوائل من أمثال عبد اللطيف فتحي ورفيق سبيعي وآخرين، وقد شكلا معاً ثنائياً موازياً مشابهاً حتى سميا اختصاراً بـ (دريد ونهاد) تماماً على وزن لوريل وهاردي فقط. واشتهر دريد لحام (نتمنى له الصحة وطول العمر) أكثر لما لشخصيته من قوة، وما امتاز به من عمر طويل استمر عملاً وعطاء. رغم هذا وذاك، فلكل تجربة عمادها ومقوماتها، وإن تشابهت الخطوط العامة في مسارهما، وقولنا هذا لا يعني شيئاً غير توارد الأفكار.