القصة القصيرة جداً تعريفاً وممارسة

محمد سعيد ملا سعيد قرأها 5
 

القصة القصيرة جداً تعريفاً وممارسة

محمد سعيد ملا سعيد

سؤال يطرح نفسه! لماذا القصة القصيرة جداً؟ من ناحية: هي لا تشبع نهم القارئ المطالع، ولا هي تفي شروطها الأدبية (أي شروط القصة) وهي تتجاهل مقومات القصة القصيرة المعروفة وأنماطها وأشكالها المعهودة، أي هي بعيدة عن القصّ وشخوصه، والسرد ومنولوجه، والحبكة والبعد الدرامي له، والفنية بمفاصلها وتقاطيعها.

فالقصة مبدئياً تحتوي على "الحدّوتة" المركَّبة المعبّرة، التي تؤول كعبرة وحكمة معادة وموعظة حسنة. وتحتوي في مفاصلها على الحالات النفسية من مشاعر وأحاسيس تسير بها إلى بعد آخر، وتتجول في مسارب الروح وغياهب النفس وخفايا القلب وما يروم. وتحتوي ـ وهذا المهم ـ على الأفعال وردّاتها، كذات إنسانية حية متفاعلة مع الأحداث والوقائع، وذات نفس ووضعية مؤثرة ومتأثرة في المجتمع خاصة، بما تتضمنه من فلسفة وجودية وروحانية خفيّة دفينة من الحياة والوجود وتعقيداتها، ولتظهر السر الكامن بين الشك واليقين، بين الرزيلة والفضيلة، بين الشر والخير، من العدالة الإنسانية ببعديها الإنساني والإلهي، وتأثيرها على الطبائع البشرية ببعديها الأخلاقي والروحي. كما تعتمد على المفارقة والمواقف الساخرة المتباينة، وترسم الأفراد والمجتمعات كمرآة لهما.

قد يدعي متبنّوها: بأن هذا النوع من القص الأدبي الذي أخذ شكله المتطور خلال السنين العشر الأخيرة، وتبلورت مفاهيمه ومقوماته كابن شرعي للقصة القصيرة، هو أيضاً يعتمد في محتواه على عنصر الحكاية والشخصية الأحادية، والبداية والنهاية. ويتميز بقفلته المفاجئة والتكييف والإدهاش والمفارقة. وحيث يكتب بمعدل نصف صفحة، ولكنه وهذا ما يُصار له، بأنه بهذا يلجأ إلى الاختزال والانزياح اللغوي بأن يكتب في بضعة أسطر، أو حتى ببضع كلمات، معدودة ويستغني عن الفائض السردي، وبعض عناصر أخرى مكملة للقصيرة القصيرة، بادعاء أنه نتاج طبيعي يوازي تطور إيقاع الحياة، وعلى الكتاب الاعتماد على ما قلّ ودلّ، وعلى الاختصار واحترام وقت القارئ وتطور ثقافته.

وكثير من دعاته يتباهون قائلين: (حقيقة تبنَّى الأدب بوجه عام هذا الجنس الأدبي كتجربة شفافة، وتكرس حضوره كما نرى في هذا الكمّ من النصوص ومن المهتمين، ويعوّلون كثيراً ـ كما يدعى ـ بما شفع للشعر الحديث، وتحرّره من إسار كلاسيكية الشعر وقيود الخليلي، وفك أسره من البحور والقوافي وعروض الفراهيدي، بعدما كان الشعر ديوان العرب. وفي هذا التمرد ساهم كثيرون في ركوب موجة (الشعر الحر أو النثر، أو شعر التفعيلة)، والذي، بفضل المثابرة والزمن وثبات موقفه، استمر ـ أي الشعر الحديث ـ وبقي يطاول آفاقه ومستقبله.

والسؤال الآخر، كما يُدّعى أنه جنس أدبي مستقل له أسلوبه المغاير، حسناً.. فلماذا تتّكئ (اسمياً على الأقل) على القصة القصيرة. وكما هو معروف بأن اللغة العربية زاخرة بألفاظ وكلمات تستطيع أن تحول إلى مصطلحات مناسبة، ويؤسّس متبنّيه تسمية مقبولة لهذا النوع الأدبي المستجد. نعم، هذا جنس أدبي خالص ولا شك، ولكن ليس قصة قصيرة. أليس هناك الخبر والسمر والخرافة؟ أليس هناك مقامة ومقالة؟ فلْتسمَّ بما يلائمها، أو أقرب إلى هذه التجربة المستحدثة ـ الرائدة، بل القائمون عليها أولى منا بتلك التسمية المقترحة. أمثولة وأحدوثة.

إن كل هذه الأسماء مرشحة للتداول بدلاً عن "ق ق ج" كتسمية أكثر ملاءمة، وهي كالتالي:

الحديث والخبر والحكي والروي والمشاهدة، أو الطرفة والنكتة والمقامة والسمر والنادرة والدعابة، أو المكتوبة أو المعلومة أو المدونة أو الرقيم أو القصاصة ـ أو مشهدة وموقفة و.. أو خاطرة الحديث وقول السيرة، أو ما جرى إلخ، نعم كل هذه وأخريات.. فهناك مسمّيات كثيرة مرشّحة لغنى اللغة العربية، إلا القصة القصيرةجداً= ق ق ج، لماذا، بكل بساطة لأنها تفتقد مقومات القصة وبضمنها ما أعددناه أعلاه. فما دامت هي جنساً أدبياً مغايراً ونوعاً آخر، فلماذا تتكئ على اسم جنس آخر معرّف وله خصوصيته، ولا تستقلّ كما هي مستقلة بأوارها، بين الطابع الذهني والإحساس الواقعي في تشخيص وتحليل عالمها الداخلي العام؟

إن هذا الأسلوب الجديد في القول كطرفة أو نادرة تقال وتروى ببضعة أسطر أو كلمات، (وليتها كانت لأن صياغتها يلزمها الكثير من قوة الملاحظة وروح المفارقة.. إلخ)، بالتأكيد لا تشبع نهم القارئ المطالع والمثقف المهتم مهما ادّعوا وتحابوا، بتوفير الوقت واحترام هدره. لأن القارئ مهما تعددت الأزمان والمحل يبقى التواق إلى المعرفة والموعظة والحكمة والتسلية من مطالعة القصص وقراءة الأدبيات، تواقاً إلى المشاعر والأحاسيس، تواقاً إلى الأفكار والشطحات، تواقاً إلى الحواس والملكات وتفاعلاتها مع الشخصيات ومع الأحداث، تواقاً إلى البيئات الاجتماعية والأعراف والعادات، والسلوك فيهما، تواقاً إلى المواقف والمفارقات والصراعات النفسية والسيكولوجية في دخيلة الذات البشرية، تواقاً وتواقاً للقراءة والمطالعة الحقة! وإلا فإن أحداً لا يضرب على يد أحد إن لم يقرأ ولم يتثقف، فللقارئ كامل الوقت المفتوح. فلو كانت العملية الثقافية إجباراً وإكراهاً لكان الحق مع متبني هذا النمط، فإن العملية القرائية لها متعتها الخاصة ولها طقسها، وبالتالي لها آفاقها المتمثلة باكتساب المعرفة والمعلومة. إن الثقافة في محصلتها فعل ذاتي محمّلة على ذات المتلقي، وليست مرتهنة بالوقت واختزاله.

وإذا كان صحيحاً ما يقال عن الإيجاز وعدم هدر وقت القارئ، ويستشهد بعبارة النفري: (كلما اتّسعت الرؤية ضاقالكلام!) إذن فلماذا هذا الهدر بإصدار المجموعات بكامل صفحاتها (أي بـ 100 ـ 120 صفحة أقل أو أكثر. وإصدار المجموعة تلو المجموعة.

نعم، إن نقد الـ ق ق ج يأتي لمصلحة تكريسه أصلاً، ونحن لا ندحض ذلك بوصفه جنساً أدبياً يفرض حضوره الطارئ على المشهد الأدبي ـ الثقافي، ليتمتع باستقلاليته وخصوصيته من بعد.

ولكن، يبقى السؤال على غاربه، لن يقبل أحد أبداً أن نحكي له ما لا يعرفه، ذاك الذي ندريه جيداً! وهو السمج أن نحكي له ما نعرفه، ذاك الذي لا يدريه.

النور