"جبران الخالد" في محاضرة لسهيل بشروئي في لندن: الإنسانية كانت دينه وملهمته شاعراً وإنساناً

النهار قرأها 281
 

"جبران الخالد" في محاضرة لسهيل بشروئي في لندن:

الإنسانية كانت دينهوملهمته شاعراً وإنساناً

النهار

محاضرة "جبران الخالد" التي ألقاها، باسم الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية، مؤسسه ورئيسه العالمي البروفسور سهيل بشروئي في لندن – بدعوة من مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن (قاعة خليلي في الجامعة) اشتراكاً مع اتحاد المدارس العربية في بريطانيا، لمناسبة الذكرى 125 لولادة جبران – جاءت بجديد عن جبران، بعدما كان في بعض السائد ان لم يعد من جديد يقال في العبقري اللبناني العالمي. وأصدرتها قبل أيام في كتيّب دار الساقي (بيروت/ لندن).

استهل الدكتور بشروئي محاضرته بإهدائها "الى الشاعر هنري زغيب، الأصيل في شعره، النابغ في فكره،النافع في عمله، واعترافاً بفضله على الجبرانيين في العالم". ثم قسّم محاضرته تسع فقرات، مهّد لها بأن قلة من الشعراء "يخاطبون أهل عصرهم بمستوى الصراحة والأمانة كجبران، وقليلهم يتمتعون بالحسّ الإنساني المتعاطف مع الوجود كلّه مثلما كان إيمانجبران بوحدة العالم الإنساني وأخوة البشر أجمعين متخطياً فوارق العرق والدين واللونواللغة والجنس بدون استثناء، فجاءت رسالته في الدين تلبي احتياجات عالم أثخنته جراحالحروب والنزاعات السياسية والطائفية، وفي من تفاقمت فيه الصراعات القائمة بينالأديان السماوية الرئيسة وبين عالمي الشرق والغرب".

ولذا "ذاعت شهرة كتاب "النبي" وأصبح أكثر الكتب مبيعاً في أميركا بعد "الكتاب المقدس"، وأضحت كلمات جبران تبعثالحياة في جيل أميركي أضاع صلته بالمقدسات الروحية للأديان السماوية بعد ما عاناهمن أزمة ضمير خلقتها ظروف الحرب الفيتنامية".

غير ان رسالة جبران "لم تبق حكراً علىالأميركيين، بل عمّت العالم الإنساني كله، موجة الى الإنسان في كل مكان بصفتهالإنسانية الشاملة، واتّسع نفوذ آرائه وأفكاره، فجاءت رسالته تملأ فراغاً روحياًهائلاً، وتؤكد بأسلوب جديد المبادئ الأخلاقية الأصيلة والقيم الإنسانيةالخالدة".

وركّز بشروئي على تنبّه جبران "منذ وقت مُبكر من حياته الكتابية، الىان أهم ما يحتاجه عصرنا الحاضر هو خلق وعي كامل بوحدة العالم الإنساني، وبأنالأديان جميعها ذات أصل واحد. ومن هنا يصبح موضوع الوحدة والاتحاد الإنساني والدينيجوهر الفكر الجبراني وهدف رسالته التي عبر عنها بكل بساطة وبلاغة وبكامل الوضوحوالإخلاص".

وشدد المحاضر على ان جبران "تأثر بما قرأه من الأدب العربي وبما أوحىاليه شعراء التصوّف أمثال ابن العربي وابن الفارض والغزالي، فساعدوه في ترسيخ مبدأ "وحدة الوجود" ركناً رئيساً من أركان "ثقافة السلام" التي نادى بها جبران الذي تأثر أيضاً بتراث فكري وأدبي تركه العرب في الأندلس تراثاً إنسانياً وحّد الشرقوالغرب".

ورأى المحاضر ان جبران "كان مسيحياً مارونياً واتخذ يسوع المسيح مثالاًللكمال والمحبة، لكنه فتح قلبه وعقله للتعاليم الروحية التي جاء بها الإسلام، ضمنموقفه بأن الأديان حقيقة واحدة تأتي في صور وأشكال وظروف وأحوال وأزمان ولغاتمختلفة لكن الروح فيها واحدة والجوهر واحد". من هنا ان كتاب "النبي" "يزخر بأصداءالفكر المسيحي ونفحات التصوّف الاسلامي. والمصطفى، الشخصية الرئيسة في كتابه، يشهردعوة الى الوحدة الدينية الجامعة كل الاديان والباسطة حمايتها وغايتها لكلإنسان".

وعن تأثر جبران بالتعاليم البهائية رسالة وحدة وسلام، أشار الدكتور بشروئي الى ان جبران "تابع رحلة عبد البهاء في أميركا واستمع الى بياناته وخطبه،وكان على صلة مع أتباع الدين البهائي وتجاوب مع مبادئه وتعاليمه، كما الريحانيونعيمة، وخاصة دعوته الى السلام العالمي وتأكيد وحدة العالم الإنساني، كون الأديانكلّها ديناً واحداً هدفه الإلفة والمحبة بين الناس جميعاً. ووجد ان الدينالبهائي يدعو الى نبذ التعصبات الدينية والعنصرية والسياسية والاقتصادية والوطنية،وينادي بلغة عالمية عامة بين البشر، فرأى جبران ان على الدين ان يطابق العلم والعقل، وراح ينادي بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء، ويحضّ على نزع السلاح،ويفرض التعليم الإجباري، ونادى بانشاء حكومة عالمية ومحكمة دولية".

ورأى بشروئي ان "الإنسانية كانت دين جبران وملهمته شاعراً وإنساناً. فدافع عن حقوق الإنسان وحقوقالمرأة وحقوق البيئة حتى قبل ان يبدأ العالم بالحديث عن تلك الحقوق". وهو "اتخذالطبيعة موقفاً لم يتخذه اي شاعر قبله في تاريخ الأدب العربي، موقفاً نابعاً من إيمانهبوحدة الوجود وارتباط الموجودات بعضها ببعض، فكانت الطبيعة لديه جزءاً من الكيانالإنساني بجوانبه الفكرية والروحية والعاطفية ورأى ان لا سلام في عالم الإنسان مندون سلام بين الإنسان والطبيعة". وكانت حقوق الإنسان قضية لا تقل اهمية عن قضية المحافظة على البيئة وسلامتها. واستأثرت حقوق المرأة بفكر جبران فرأى المرأة في الشرق مكبلة اليدين بلا قرار، ولم تكن شقيقتها الغربية أفضل حالاً بكثير. كانت المرأة في حياة جبران "أما" و"شقيقة" و"صديقة" اجتمعن ليغْنين حياته رمز المحبة والتضحية والوفاء، ما عمّق لديه مشاعر احترامها وتقديرها، بل تقديسها.
وعن تجاهل الأوساط الأكاديمية والتعليمية طويلاً فكر جبران ورسالته أجاب بشروئي ان "قرّاء جبران اعتبروا رسالته قضية مسلّماً بها، ما أقعدهم عن الاهتمام بها، وصدمهم صدقه وصراحته ودقة وصفه الأمور وأبعدهم عن تفحّص ما أعلنه ودافع عنه. ولكن الزمان ينصف الشعراء العظام في نهاية الأمر. فعام 1995 احتفلت منشورات بنغوين البريطانية بعيدها الستين فنشرت كتيبات لأهم الكتاب والشعراء في القرن العشرين، وبينهم جبران. وأخذ جبران يغزو المعاقل الأكاديمية لان شهرته غير العادية بين عامة الناس أدخلت الشك في نفوس الأكاديميين، فاستمر كتاب "النبي" مطلوبا، لم يتوقف نشره منذ صدوره عام 1923، ولا يزال حتى اليوم أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة بعد الكتاب المقدس، حتى بلغ ما بيع منه بين 1980 و1990 ثمانية ملايين نسخة.

وهنا أورد بشروئي عبارة كاثلينراين "اهم امرأة كتبت للشعر في الأدب الانكليزي" دفاعاً عن جبران وفكره ومساهمته في الأدب المكتوب بالانكليزية. وجاء في عبارتها سنة 1998: "اعتقدت الشيوعيةوالرأسمالية بامكان ان يعيش الإنسان "بالخبز وحده". لكن أنبياء الروح برهنوا انالقوت الحقيقي الذي يحيي الإنسان هو "كلمة الله". وقام فكر واحد جمع هذه الأفكاروتحدث بألسنة الأنبياء، صوت سمعناه لا أجمل ولا أبلغ، صوت منفرد لصاحبه اللبنانيالمسيحي العربي جبران خليل جبران".

وأشار بشروئي الى "تأسيس "الاتحاد العالميللدراسات الجبرانية" عام 2006 هيئة علمية عالمية تمثل أكثر من 35 دولة يمثلأعضاؤها باحثين ومترجمين ودارسين آثار جبران الشاعر والرسام، واحتضنت جامعة ماريلندمقر الاتحاد الذي يعقد مؤتمراته واجتماعاته في عواصم الدول الأعضاء. وللاتحادبرنامج حافل لنشر أدب جبران وفكره في العالم، إضافة الى منهج أكاديمي بيبليوغرافيلجمع الآثار الجبرانية الكتابية والفنية وتأسيس أرشيف كامل لكل ما كتب عن جبران وماترجم من آثاره".

وختم الدكتور بشروئي: "ان الكلمة هي الباقية، وكلمات جبران معنا اليوم وباقية معنا غداً، إرثا خالداً تركه شاعر لبنان العظيم الذي وهبنا قلبه ونفسه ووعدنا بقوله: "جئت كي أكون للكل وبالكل، وما أفعله اليوم في وحدتي يعيده المستقبل أمام الناس، وما اقوله بلسان واحد سيقوله الآتي بألسنة عدة".