لقد كنا معاً ضيوفه على مائدة النّعمة الأعظم!

نزيه أبوعفش قرأها 5
 

لقد كنا معاً ضيوفه على مائدة النعمة الأعظم

نزيه أبو عفش

قدّم الشاعر السوري نزيه أبو عفش ضيف سوريا الشاعر محمود درويش في أمسية أقيمت في الملعب الرياضي بمدينة حمص السورية في 19 آذار 2007.

بهذه المناسبة خصّ الشاعر نزيه موقع "جماليا" بنص التقديم لنشره في غياب محمود درويش – استذكاراً والجرح طريّ

Nazeeh%20AbuAfash01.jpg

عيدٌ كبيرٌ للجمال أن نكون ضيوفاً على مائدته.

شاعرٌ مصنوعٌ من مادةِ "فوق"، ونحن – في ضيافة قلبه- مدعوون إلى فوق.

ليس هو من يقدَّم بل نحن. لذلك لن أبدأ بالحديث عنه بل عنّا، ولأقلْ: عن نفسي.

منذ سنوات وأنا أقرأه وأعيد قراءته. وفي كل مرة أشعر أنني- بعاطفتي وعقلي- لامستُ سقفَ العظمة الأخيرة.

علّمني شعره كيف أكون قارئ شعر، تماماً كما علّمني شخصه كيف أكون قارئ بشر. وشيئاً فشيئاً، بدأتُ أشعرُ أنّ طموحي في أن أكون شاعراً طموحٌ يلزمه الكثير، وينقصهُ من أدوات صناعة الجمال الكثير الكثير. على أنني لا أزال أعزّي نفسي: أن تكون قارئاً لمحمود درويش ليس بالفوز الهيِّن تماماً كأن تكون – في الموسيقى- قارئاً لسونيتات باخ ورباعيات هايدن وبيتهوفن، أو أن تكون – في الفلك- قادراً على تقصّي أسرار كوكب جديد بدون أن تكون قادراً على بلوغه.

مع شعر محمود درويش، ومع شخصه أيضاً، يصبح لكلمة الشكر معنى. كلمة الشكر هنا هي هديّة القلب.. هديتهُ إلى نفس صاحبه. لأن في قولك "إني أحب محمود درويش" من هناءة الفوز بهذه الهِبة ما يجعلك قادرً على القول:

"أحب محمود درويش، وأنا كبيرٌ ومُغْتَنٍ بهذا الحبّ".

شاعرٌ، وأيُّ شاعر! كأنه، في سعيه إلى الجمال، لا يكتب عنه بل يخترعه لأجل سعادتنا.. كي لا أعيد ما قاله آخرون: "لأجل أن نكون تعساء بشكلٍ أفضل".

لقمةُ الجمال لديه سهلةٌ ومبذولةٌ على المائدة، معجونة بعرق القلب وشجاعة الضمير، لكن بدون أن نشمّ رائحةَ العرقِ وعذابَ الصانع.

يكتب حياتنا كمن يتنفّس في طريق ربيع لا تصعد ولا تنزل، فلا ينتبه أحدٌ إلى جهد العقل وشقاءِ الروحِ وعنادِ القلب المثلومِ، المهدَّدِ، المدمنِ على مطاردةِ الحياةِ في الأحلام.

ربّما لهذا تمرّد قلبه عليه لأنه، من لحم هذا القلبِ ومن ذكاء أحلامه جاءت تلك البساطةُ المهلكةُ، التي تُذكّرنا على الدوام بقولة إبسن: إن كتابة القصيدة أشبه بإقامة جلسات تعذيب للروح.

جعلَ اللغة بحد ذاتها شعراً، والبساطة إعجازاً.

من يقرأ محمود درويش سيكتشف بأيّ روحٍ إعجازية استطاع هذا الشاعر الذي هو "الشاعر" لا أن يستنبط الذهب من التراب فحسب، بل أن يعيد الذهب – ذهب الكلمات والأفكار وقيم الجمال، إلى نَسَبه الأوليّ: التراب، فإذا به- وكأنه يباركه- يجعل التراب مقدساً.

لا أعتقد أن أحداً من شعراء جيلنا يجرؤ على القول: أنا بريءٌ من بصمات محمود درويش. لم يترك "فوقاً" إلاّ وروّضه بمشيئة الشعر. حتى لكأن المتنبي، في امتداحه الصقرَ – كان يعنيه إذ قال:

أفي كلّ شيءً بلغتَ المرادا وفي كلّ شأوٍ شأوتَ العبادا

كأنّ السّمـانى إذا ما رأتكَ تَصَيَّدُها.. تشتهي أن تصادا

لهذا نغبطه، نحن المتورّطين في ضائقة الشعر، نغبطه ونخشاه، لأنه لم يترك لنا ما نفعله أو نحلمه. ومع ذلك، بل لأجل ذلك، نحبه.. ونحبه.

بشعره يستعان على وعورة الحياة. بشعره يُستعان على الموت.

في التدرُّب على قراءته وفاء ومتعة. وفاء لقلب الشاعر الذي استُهْلِكَ في تعبيد طريق الجمال، ومتعةٌ في مغامرة السعي خلف هذا الجمال الظالم المتمنّع والعصيّ على القطف، ذلك لأنه في الشعر – في الشعر الشعر – ما من باب ينفتح على يقين، بل على باب مغلق آخر، أو على أبواب مغلقة أخرى، تاركاً لنا نحن – لكي نبلغ القلب – متعة البحث عن مفاتيح الأبواب وتَلَمُّسِ ما خلفها من نِعَمِ العبقرية ومسرّات الجمال.

واحدٌ من سلالة كبار: هوميروس، دانتي، المتنبي، باخ، بيتهوفن، ميكل أنجلو (نعم، أعرف بغضه للإطراء). ولأن الكمال مهنته وعذابه، يشتغل على الكمال، مقتدياً بأسلافه العظام كمن يشتغل على حياكة تويجة ورد. وفي سعيه إلى هذا الكمال الضنّي، يبدو وكأنّه يتّكئ على السماء وينظر إلى أعلى: حتى تغدو السماءُ نفسها واطئة بمقايس أحلامه.

من حقّه علينا – من حقّ عذاب الجمال- إذا كنا عاجزين عن بلوغ سماواته العليا، أن نجعل أعيننا إلى فوق، علّ أحلامنا تتلامس في فضاء الصداقة، مثلما – في جدارية ميكل أنجلو العظيم- تلامست، أو كادت، أصابع الله وأصابع حفيده الحالم: الإنسان.

فإذاً: أعيُنُنا وقلوبنا إلى فوق، لأن الشاعر ينتسب إلى فوق. ولأن حياتنا بدون هذا الذي فوقُ سترتدّ إلى باديتها وتتحوّلُ إلى حظيرةِ وحش.

أما أنت، أيها الشاعر المضياف، فليطمئن "ما بقي من قلبكَ" على مائدة الجمال؛ إذ الآن، إلى هذه المائدة، لم يجئ الشاعر المبغض، ولا القاتلُ المتنكِّر، ولا القارئ العميّ؛ فلا خوف إذاً على يوسف من كيد عصبة الإخوةِ وعصبة الشعراء...؛ إنما فقط، إلى هذه الوليمة الأسخى، جاء الصاحب والمحبّ والجائع إلى لقمة النور.

لهذا، صديقي ومعلمي، لا أقدّمك إلى أحد، بل إليك أقدّمنا جميعاً، بالأوصاف والأنساب وشهوات الجمال: نحن أصدقاؤك ومحبّوك. جئنا ساعين إلى النبع، شاكرين للحياة التي نحن من نزلائها أنها أهدتنا أنبلَ هِباتِ عمرنا وأثمن بركاتِ خبزه الجوهري: أنت...

أيها الصديق، أيها المعلم، أيها اليوسف الأكرم والأجمل والأحبّ:

بقدر ما باركتَ حياتنا.. بوركتَ وبوركتْ حياتُكَ.

وغداً – أمام أبنائنا وأحفادنا- سيكون بوسعنا أن نرفع الرأس والقلب ونقول:

نعم، لقد عرفناه. ونعم لقد كنا معاً ضيوفه على مائدة النعمة الأعظم

النعمةِ التي سيظل اسمها محمـــود درويـش.

نزيه أبو عفش

 

mahmoud-darweesh%20&%20Nazeeh.JPG

الشاعر محمود درويش والشاعر نزيه أبوعفش

تتوسطهما السيدة ناديا صايغ أبوعفش

اقرأوا أيضاً في جماليا

من قال إن الشعر مات؟

بثينة شعبان

بمناسبة أمسية الشاعر الكبير

محمود درويش

في مدينة حمص

19 آذار 2007

Homs01.jpg