الأصحــاب

نزيه أبوعفش قرأها 5
 

الأصحــاب

"إثنا عشر، عشرون، ثلاثون... وأكثر..."

نزيه أبوعفش

من حقِّ مريضِ أحلامٍ مثلي أنْ يتذكّرَ أسلافَهُ بين حينٍ وحينْ:

إثنا عشرَ تلميذاً (أو ربما أكثر، فأنا أُخفقُ‏ دائماً في عَدِّ مبرّراتِ اليأسْ..)

إثنا عشرَ صاحباً، إثنا عشرَ صعلوكاً،

إثنا عشرَ‏ جنرالاً وتابعاً وعبداً،

إثنا عشر غراباً حالماً بميراثِ الدمْ..

مُنْكَبّون، بأزهار في الأيدي‏

وخناجر تحت الأثوابْ،

على مائدةِ نبيذٍ وبهتانٍ وبعضِ مسيحْ.‏

.. .. ..

إثنا عشر قاتلاً في حاجةٍ إلى جثةْ.‏

إثنا عشر خائناً في حاجةٍ إلى أوسمةِ مجدْ.‏

.. .. ..

إثنا عشر صاحباً!..‏

إثنا عشر مَدّاحَ شجاعةْ، ينفخون الموتَ في قلبِ عَجيٍّ‏ أعزلَ،

ما يلبث أن يصيرَ جثمانَ مسيحٍ مهدَّدٍ بالخلودْ.‏

.. .. ..

أحدهم (أَصدقُهم وأشجعُهم.. وأَوَدُّهم بطبيعة بالحال) خانَهُ علانيةً.

وإذْ لم يحتملْ فداحةَ ما تفعلهُ‏ الندامةُ في قلوبِ الخطّائينْ، مضى إلى أقربِ شجرةٍ وشنقَ نفسهْ.‏

أما الأحد عشر الآخرون‏ فقد تفرّقوا، كما يفعل الرسلُ الصالحون، في عشرِ جهاتِ الأرض، مبشِّرين بحقيقة أنّ‏

يسوع “الحزين،‏

الماسوشيّ، المصاب بالميلانكوليا”..

كان يحبّ أن يُصلبْ‏

من أجل أنْ يصيرَ محبوباً.‏

.. .. ..

ببساطةْ: قتلوهْ.‏

قتلوهُ لكي يدَّعوا: كان رفيقنا.. وأحببناهْ.‏

قتلوهُ بأنْ قالوا له:‏

يا يسوعْ‏

أنتَ جميلٌ إلى درجةِ أنكَ،‏

ساعةَ تُرفَعُ على الصليبْ،‏

ستغدو أكثرَ جمالاً من المسيحِ نفسهْ.‏

قتلوهُ بأنْ ظلّوا يقولون له:‏

لماذا أنتَ يائسٌ وحزينٌ وغامضٌ إلى هذا الحدّْ؟!.‏

قتلوه بأنْ ظلّوا، في الرسائلِ والمشافهات وبرقياتِ‏

الـS.M.S، يقولون له: ما الذي يُحَبّبك بالصَّلب يا عيسى؟!..‏

قتلوه بأنْ جعلوهُ يُصَدّق أنّ الموتَ هيّنٌ وجميلْ‏

وأنّ الصليبَ أقربُ سُبلِ الهواةْ لبلوغِ الأبديةْ.‏

قتلوهُ بأنْ “قتلوهْ”...لا أكثر.‏

.. .. ..

.. .. ..

إذْ كان يُكثر من هجاء الألمْ.. سَمّوهُ غراباً.‏

ولأنّهُ كانَ يُبَغِّضُ الناسَ بالشرّ.. سمّوهُ كهنوتياً.‏

وحين قال: “يمكنني أنْ.....”‏

تركوهُ يمشي على ماء البحر‏

على أملِ أنْ يغرقْ.‏

سمّوهُ ربّاً لأنهُ أضاءَ قلبَ الأعمى.‏

وسمّوهُ بشراً لأنهُ قال:‏

يا أبتاهْ‏

لو تَعبرُ عني هذه الكأس!‏

وسمّوهُ ملحداً.. لأنهُ جَرؤَ على الصراخْ:‏

إلهي، إلهي، لماذا تخلّيتَ عني!..‏

وإذْ قتلوه.. صَيَّروهُ مسيحاً‏

فصاروا جميعهم رُسُلاً وحَمَلَةَ بشاراتْ.

.. .. ..

“أَحَبّوهْ”؟.. طبعاً أحَبّوهْ. لا أحدَ يجرؤ على إنكار هذه البديهيّةْ.‏

أحبّوه أكثر ممّا تتصوّرون، بل وأكثرَ ممّا كان يتصوّرُ هو‏ شخصياً.

أحبّوه كما لم يسبقْ لأحدٍ أنْ أَحبَّ أحداً أو شيئاً.‏

أحبّوه كثيراً وكثيراً ...‏

لكنْ ليس لأنهم أحَبّوه‏

بل ليقينِهم مِنْ أنهم – عشيّةَ موتهِ الـ“ما بعد‏ حداثيّ” –

سيُطوَّبون جميعاً‏ أصحابَ قداسةٍ “ما بعد حداثيينْ”.‏

أحبّوه لأنه جعل نفسَهُ ميْتاً‏

لا يَصلحُ لما هو أكثر من الحبّ.‏

أحبّوه لأنهم قتلوهْ.

.. .. .. ..

من حقِّ مريضِ أحلامٍ مثلي‏

أنْ يتذكّرَ أصحابَهُ بين حينٍ وحينْ.‏

ذاتَ مرّة، سأله الوفيُّ الخجولُ الحنون يهوذا:‏

لماذا تتعجَّلُ الموتَ يا معلِّمْ؟!..‏

قال: “يا أحبَّ الناسْ‏

لأنّهُ، في الموت فقطْ،‏

يَشعر الإنسانُ أنهُ في مأمنْ..”.

.. .. ..

أسألُ نفسي الآن، بعد فوات الوقت:‏

ماذا لو أنهُ،

في لحظةِ فطنةٍ مباغتةْ،

فكّرَ في الآلامِ التي يُسبِّبُها انغراس المسامير في اللحم..

وقرّرَ ألا‏ يموتْ!

ماذا لو أمكنهُ، للحظةٍ صغيرةٍ واحدةْ،‏

تَخَيُّلُ عذابِ إنسانٍ‏ ظامئٍ مطعونٍ بحربةٍ في الخاصرةْ!..‏

وماذا لو قال:‏

“رجاءً أيها الأصدقاء‏

أنا في حاجةٍ إلى المزيد من الخمرْ..”!‏

ماذا لو..........؟!‏

طبعاً، سيلعنونهُ.. كانوا.‏

طبعاً، سيُبغضون وضاعةَ أفكارهِ الأرضيةِ.. كانوا.‏

وطبعاً، كانوا سيقولون:‏

“أيُّ مسيحٍ عديم الكفاءةِ هذا!..‏

لا يجرؤ على الصمودْ، لساعةٍ واحدةٍ لا أكثر،‏

على قطعةِ خشبٍ مُدَعَّمةٍ بالصلوات‏

والمساميرْ! ”..

وطبعاً (الجبان الذي خان أحلامهم)

سيَنْفَضّونَ‏ عن مائدةِ هلاكه،

ويعودون جميعاً إلى صيد الأسماكْ،‏

وترقيعِ مخطّطات المجدْ، والبحثِ عن مِهَنٍ أقلّ شاعريةً،‏

تُداوي خيبةَ القدّيسينْ

بعائداتٍ أرضيّةٍ أوفرْ وريعٍ‏ سماويٍّ أقلّ.

فقط: ماذا لو أنهُ لم.........؟‏

.. .. ..‏

لكنْ..

(سامحوني على إفشاء هذا السرّ.‏ واعذروني على الآلام التي قد تتسبّبُ بها المصارحةُ بالحقيقة):‏

ما حدثَ حقيقةً هو: أنهم.. قتلوهْ.‏

.. .. .. .. .. من حقّ حالمٍ مثلي أن يتذكّر.‏

من حقّ عصابيٍّ مثلي أنْ ينسى.

مرمريتا-12 نيسان 2008 - من كتاب “الراعي الهمجيّ” الذي يصدر قريباً.‏

عن الملحق الثقافي لصحيفة "الثورة" السورية