من قال إن الشّعر مات؟

بثينة شعبان قرأها 6
 

من قال إن الشعر مات؟

بثينة شعبان

في أمسية أحياها الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، اجتمع في الملعب الرياضي في حمص ما يفوق الخمسة آلاف شخص، كلّهم من جيل الشباب، جاؤوا قبل ساعات، وجلسوا لساعات ينصتون بشغف ودراية واهتمام بالغ لقصائد محمود درويش، التي رفعتهم إلى سماوات الكرامة والمقاومة والنضال الأخلاقي، في زمن يغتصب الإذلال والاحتلال والعنصرية أرض الأماكن المقدسة وسماءها، ومهد الحضارات الإنسانية. وفي زمن تروِّج فيه الفضائيات العربية لبرامج التفاهة وكليبات الخلاعة، فيما تنشر صور القمع والتعذيب فقط للعرب، وتحجب نشرها على القنوات الموجهة إلى الغرب، وكأنّ الهدف هو إحباط العرب وليس إعلام الغرب، في هذا الزمن ينتصر مثل هذا الجيل اليانع من الشباب العربي لهويتهم وأصالتهم، وبالتالي لحقوقهم، ويؤكدون مواصلتهم قراءة الصفحات الناصعة من تاريخ نضالهم من أجل الحرّية. كلّ هذا يستدعي وقفة جادة مع ما يُروََّجُ عن سطحية هذا الجيل، ومن يُروِّج عنه. لقد عشتُ الأمسية بفرحين عارمين: فرحي بشعر محمود درويش المتألق في قمم القيم العربية السامية، وفرحي بهذا الجمهور المحتشد من الشباب، والذي يطلب قصائد بعينها، ويستمع برهافة حس وتوقد ضمير، وما كاد الشاعر الكبير يترجل، حتى همس في أذني: ويقولون إن الشعر مات!، فأجبته ويدعون: أن الشعب مات! إن من يروّج لمقولة أنّ الشعر مات، أو أنّ الشعب قد تعب من التضحيات، هو ذاته الذي تسلّل الموت إلى مفاصل إرادته، فماتت حميته وأصالته، فظنّ أنه يشاهد الموت في عروبة الآخرين، بينما هو يعبّر عن الموت الذي يعتريه.

وفي نظرة سريعة لما يشاهده ويعيشه شبابنا العربي، نجد أن تمسكه بعروبته، وعودته الحارة إلى جذوره وحقوقه، هي أمر منطقي جداً في غمرة عنصرية تنهال على أمته وأرضه ومقدساته من كلّ حدب وصوب، وفي غمرة ظلم صارخ ينهش بمقدرات وأرض ومياه وأمن وكرامة هؤلاء الشباب في بلدانهم المختلفة.

وبعيداً عن مواقف أصحاب المصالح في مراكز الامتياز، فإن الشعب يدرك بحسه الفطري، أنّ ما يجري في العراق من مجازر دموية، وما يُمارس على الفلسطينيين منذ قرن من وحشية، وما يُحاك ضدّ لبنان والصومال والسودان، وغيرها من فتن، تمثل فصولاًً متكاملة ومتداخلة من حرب رهيبة ضدّ الناطقين بالضاد، ربما عبّر عن جوهره رئيس وزراء إسرائيل، القابع في المشفى، لا ميت ولا حيّ، بعد كلّ الجرائم التي ارتكبها بحقّ الأبرياء حين قال: أنه «يحسد الفلسطينيين على تعلقهم بالأرض، ويحسدهم على محمود درويش«، وردّ عليه محمود درويش «إن علاج هذا الحسد سهل، وهو أن يغادر الأرض ويتركها لأصحابها الفلسطينيين «

وكم رأيت أنّ هذا الشباب المحتشد في الصالة، شديد التمسك بالأرض والشعر، ويدرك قيمتهما أيما إدراك، بينما يعيش بعض الساسة في عالمهم الخاص، قلوبهم ترتعد، وعقولهم تهرب منهم وهم مشدودون إلى كراسي جوفاء، لن يذكر التاريخ منها شيئاً، سوى تنازلاتهم عن حقوق شعبهم وتخاذلهم عن مواجهة المعتدي، ولن تترك بصمة أو أثرا على حياة الشعوب، التي يتصرفون وكأنها من المفترض أنها موجودة كي يحكموها بعكس ما سطره لهم دستورهم، فإذا هم «أشداء على أشقائهم ورحماء مع أعدائهم».

إنّ خطورة المستقبل تكمن في هذه المفارقة الصارخة، بين شموخ هذا الجيل الشاب العارم وتوقه إلى الكرامة والحريّة، وبين بيئة الإذلال القومي المسلط من قبل القوى الغربية، التي تمثلها اليوم إدارة بوش وحليفتها إسرائيل، وأعوانها على هذه الأمة، متسلحة بما يسمى «الإرادة الدولية» أو «العالم الحرّ»، لتمارس أشدّ أنواع العنصرية ضدّ العرب، من دون رادع أو وازع أو حساب.

فماذا يعني أن تعتبر المخابرات الإسرائيلية فلسطيني 1948 "خطراً استراتيجياً"، فحسب جريدة «معاريف»، فإنّ يوفال ديسكين، رئيس جهاز الشاباك، أكدّ لمرتكب جرائم حرب تموز ضدّ المدنيين في لبنان ايهود أولمرت «أنّ عرب إسرائيل يتماثلون أكثر فأكثر مع إيران وحزب الله وجهات إرهابية مختلفة، وهذه مواقف تشكل خطراً استراتيجياً على الطابع اليهودي للدولة العبرية»

إنّ قياس ما يفعله الفلسطينيون من مقاومة مشروعة للاحتلال الإسرائيلي البغيض بمقياس «الإرهاب»، الذي اخترعوا تعريفه فقط ليشمل المقاومة العربية ضدّ الاحتلال الأجنبي، وفقط كي يتمّ اتهام المقاتلين العرب من أجل الحريّة بالإرهاب، ويتمّ تبرير اغتيالهم واعتقالهم بدون محاسبة أو لوم لهو مقياس خطير جداً على الحقّ العربي، ويكاد يكون النتيجة الوحيدة التي تمّ التخطيط لها من أحداث الحادي عشر من أيلول.

ولا بدّ للعرب اليوم من وقفة جريئة مع هذا التعريف للإرهاب ورفضه جملة وتفصيلاً، ولفت نظر الرأي العام العالمي إلى الجرائم التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحقّ الشعب الفلسطيني بحجّة مقاومة الإرهاب، بينما هي تقضي على المقاومين الشرفاء للاحتلال الإسرائيلي مع أنّ المقاومة حقّ مشروع مارسته جميع شعوب الأرض إلى أن حصلت على استقلالها السياسي وحريتها من الاحتلال الأجنبي.

وبعد أن تمّ استخدام الحادي عشر من أيلول لاتّهام العرب والمسلمين جميعاً بأنّهم إرهابيون، وتم ابتزاز بعض القيادات العربية والإسلامية كي تصمت أو تدافع عن نفسها دائماً بأسلوب دفاعي، أصبحت القرارات بشأن الشرق الأوسط التي تتّخذ من قبل ما يسمّى «الأسرة الدولية»، والتي هي في الواقع الفعلي «إسرائيل والولايات المتحدة» تعبّر إلى حدّ الجريمة عن مصالح هاتين الدولتين، وتُشكل عدواناً متواصلاً على حقوق العرب الذين يتعرضون للقتل والتّعذيب والتّهجير والاحتلال والإذلال وفق «قراراتٍ دولية» تمنح مرتكبيها الحصانة ولجرائمهم «الشرعية الدولية»

ولكنّ العرب يكتنزون تقاليد تاريخية في مقاومة الاحتلال الأجنبي، ومنها اللجوء إلى بحور الشعر وعروضه كي تشحذ للشباب الهمم، وكي تُبقي قبساً من الحلم بالحرّية، وكي تمدّهم ببراعم الكرامة وتعدهم بالنّصر المُشرّف ولو بعد حين. إنّ هذا الانقسام الحادّ في المفاهيم والمشاعر والرؤى، وهذا التناقض في المواقف والقيم والقرار سيعيد العلاقة بين الشباب العربي المتطلع للمستقبل وبين واقع الصراع الطويل مع المعتدين، وهو الطريق إلى استعادة الحقوق العربية وإعادة الأمور إلى موازينها السليمة.

إنّ الاستهانة الغربية بحقوق العرب وتراجع المواقف الرسمية أمام اتهامهم بالإرهاب، والصمت «الدولي» عن جرائم قتلهم وتعذيبهم في فلسطين والعراق المحتلّين على مرأى ومسمع من «العالم الحرّ»، بينما تتشدّق وزيرة خارجية إسرائيل بأنّ «العالم الحرّ يعتبر التهديد الإيراني هو التهديد الذي يواجه المنطقة»، «وأنّ حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لا تلبي المتطلبات الدولية»، وغيرها من نتائج سياسية عنصرية رسمية ضدّ العرب لن تطالهم وحدهم بل ستطال أوروبا والعالم بأسره لأن العنصريّة الحاقدة حين تنفلت من قمقمها لن تميّز بين الأخضر واليابس، ولا بين الأبيض والأسمر، ولا بين عربي وآخر. لقد حان الوقت أن يتوقف هذا «العالم الحرّ» عن استخدام مفاهيم أنتجتها أحداث الحادي عشر من أيلول التي تقوّض في جوهرها حقاً مشروعاً للعرب في مقاومة الاحتلال وتحرير أرضهم، ولنا أن نعتز بأن جيل الشباب منعتق من هذا الإذلال ويسري في شرايين إرادته جوهر العروبة الأبية، وهو الراسخ بجذوره وهويته فتراه يغنّي مع محمود درويش، وتراه يقاوم الجبروت والطّاغوت إلى أن ينهزم الظلم والاحتلال ويعيد العيش بإباء وكرامة وحرّية.

عن صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19 آذار 2007