جبال الصّوان
|
جبال الصـَّوَّان "وللحـُريـَّة الحمراء باب بكـُلِّ يـَدٍ مُضَرَّجَة يـُدَقُّ" أحمد شوقي مهرجانات بعلبك الدولية - 1969 ملاحم البطولة والصمود ومقاومة المحتلين ومغتصبي أراضي الغير، والتي أصبحت في حياة الأجيال حكايات تناقلتها ألسنة الأبناء والأحفاد أمثلة في الإخلاص للوطن وحمايته وفدائه، هذه الملاحم لا يمكن للأخوين عاصي ومنصور إلا أن يخُصـَّاها بعمل تخلـِّده مكتبة الأدب الوطني الثوري ويـُدرجه سجلُّ الإبداع الفني نموذجاً للرفيع المستوى من أشكال الفن الإنساني الراقي والمهذب. حتى هذا التاريخ يكون الأخوان رحباني قد قدَّما ثماني مسرحيات غنائية متميزة إضافة إلى عدد كبير من الأعمال التلفزيونية والإذاعية والألبومات. وتـُتـَوِّجُ تاسعة مسرحياتهما "جبال الصوَّان" مرحلة ارتبط الفن الراقي في أذهان الناس خلالها بالمدِّ الثوري المتصاعد وبقدرته على إيقاظ الروح الوطنية وتعبئة الجماهير للدفاع عن الأوطان والحقوق المسلوبة ولاسترداد ما احتـُل من أراض باستخدام القوة. فلقد جاءت هذه المسرحية وجراح المواطنين في البلدان العربية ما تزال ساخنة مما تركته هزيمة 1967 من آثار سلبية على مجتمعاتها ومن المعاناة الكبيرة للمـُهـَجـَّرين من منازلهم بنتيجة تلك الهزيمة ومن استمرار حالة التشرد والاضطهاد للاجئين الفلسطينيين طيلة عقدين عاشوا أيامها ولياليها حنيناً وأملاً بالعودة ووعوداً لم يكسر أحلامـَهم اكتشافُ كذبها. يضاف إلى ذلك حالات التوتر والأحداث المؤسفة التي شهدتها الساحة اللبنانية في ربيع 1969 بين اللبنانيين وأشقائهم من حركة فتح الفلسطينية والأزمة الوزارية التي نجمت عن تصاعد التوتر. والمسرحية التي لا تعتمد وقائع تاريخية محددة أو مكاناً بذاته تصل بنا عبر لغتها ورموزها ووسائلها وعناصرها إلى ما أراد الأخوان رحباني قوله في الوطن وعزته وحريته مع كل ما يؤثر في سيرورته من مؤثرات داخلية وخارجية، من خلال استعراض حياة أهل (جبال الصوان) في صراعهم مع محتل أنانيٍّ طامع دمويٍّ وحـَقود، وصمودهم واستبسالهم في مقاومته وتضحيتهم في سبيل الحرية. علماً بأنه من اليسير على من يقرأ هذا العمل تـَذكـُّرَ نضالات الشعب اللبناني في مراحل عديدة من تاريخه الطويل منذ حضاراته القديمة التي كانت هدفاً لغزوات متلاحقة من آخرين طامعين وحاقدين، إلى العصور الوسطى، إذ وقع لبنان ضحية الصراع الأوروبي مع الإمبراطورية العثمانية، فالقرن التاسع عشر الذي شهد صراعات مريرة أخذت طابعاً فكرياً وطائفياً وأسفرت عن هجرات جماعية إلى بلدان بعيدة في أوروبا والأمريكيتين وأوستراليا، يتـَّمت الوطن وأدخلته في (زمن النـِّسـْيان). فبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال العنيف وغير المتكافيء مع الغزاة الطامعين بضم (جبال الصوان) إلى أملاكهم وتطويع أهلها بالقوة العسكرية تنتهي المعارك بسقوط القوات الوطنية وقائدها (مدلج) / قـَيـْدُوم جبال الصوان، الذي عجز عن المقاومة لأكثر من سبب أتى في مقدمتها خـَوفُ الأهالي وبعض المقاتلين وهربُ مـَن تجنـَّب منهم المواجهة أو الاستسلام إلى بلدان أخرى. تبدأ حكايتنا الشـَيـِقة بعد خضوع البلد بمرتفعاتها وأمكنتها الاستراتيجية إلى حكم المحتل "فاتـِك المتسلـِّط" الذي يحاول جاهداً كسب خضوع الناس وولاءَهم دون أن يفلح بتحقيق حلمه. تأتي المسرحية في فصلين وعدد كبير من المشاهد التي لعبت فيها التقنيات والديكور والكوريوغرافيا أدواراً ملحوظة أشعرت المشاهدين بسينمائية العمل الذي عـُرض للمرة الأولى على مسرح تمَّ ترتيبه خصيصاً ليكون خشبتـَه مدرجُ (هيكل جوبيتر) في مدينة بعلبك الأثرية ضمن مهرجاناتها الدولية في صيف 1969. تقوم بدور البطولة السيدة فيروز، وهي غـُربة – إبنة بطل جبال الصوَّان، مـِدْلـِج، الذي يلعب دورَه الأستاذ منصور الرحباني .. ويقوم بالأدوار الرئيسية الفنانون نصري شمس الدين (عبدو الراوندي) وأنطوان كرباج (فاتك) وإيلي شويري (شهوان) وفيلمون وهبي (نعـُّوم) وهدى حداد (جميلة) وجورجيت صايغ (نزهة) ووليم حسواني (أبو صقر) وجوزيف ناصيف (ديبو) وغيرهم. والمسرحية من تأليف وتلحين الأخوين عاصي ومنصور بالإشتراك مع فيلمون وهبي الذي لحـَّن أغنية (صيـِّف يا صـَيـْف) ومع الياس الرحباني في التوزيع الموسيقي، وهي من إخراج صبري الشـَّريف. والجمهور الرحباني المتميـِّز بجدِّيته وأفقه الواسع وثقافاته المتنوعة التي تجمعها المعايير والقيم الوطنية والإنسانية والذوق الرفيع استقبل هذا العمل بمحبة وإعجاب واستعاد صوراً رائعة من مسرحية "أيام فخر الدين" التي شاهدها قبل ثلاث سنوات. جدير بالذكر أن الأخوين رحباني قدما في هذا العام مع فيروز ووديع الصافي والفرقة الشعبية اللبنانية العرض الفني الرائع "سهرة حبّ" وقد عرض على شاشة (تلفزيون لبنان والمشرق) وسُجِّل للشاشة الصغيرة ومازالت الأقنية العربية تعرض هذا العمل اللذيذ كاملاً أو مقتطفات منه. تتقدَّم المشهد الأول مقدمة موسيقية تحيي فيها الأوركسترا الرحبانية جمهور المشاهدين وتمهـِّد للمسرحية بمطلع تؤديه الأبواق النحاسية والدرامز موحية بالبيئة وحالها وبامتدادها الخلفي متنقلة، في حوارها مع الوتريات، بين مشاعر السـّخط على الحرب وعلى المحتل وصور الرجولة التي أبداها المدافعون عن أرضهم الغالية وما تعرَّضت إليه من رياح سوداء عتيـَّة وما أسيل فوقها من دماء نقية فداءً لها. مع المشهد الأول ندخل إلى بيئة الحرب ومقاومة جبال الصوان برجالها وحجارتها ومعاول فلاحيها وعمل النساء في حقولها ويضعنا النشيد، الذي يؤديه الأهالي، في ساحة أسـَفهم لما حلَّ بهم وهم يبغضون الحرب وسفك الدماء وقد أقحمهم الأعداء في أتونها ظـُلماً. فتيـان: بـَعـْدا جـْبــال الصوَّان عـَمْ بـِتــْقـاوِمْ عَمْ بـِتــْقاوِم عَمْ بـِتـْقـاوِم عَمْ بتـْـقاوِمْ عـَـمْ بـِتــْقـــــــــــــــــــــــــــــــــاوِمْ زَحــــَف الــزَّحـْــف عـْـلــَيـْـــهـــــا وَقــَــــــع الـْوَيـْــــــــل عــْــلـــَيــْهـا خــَـيـْــل وْعـَسـْــكــــَر وِقـْـــواس الـنـِّـشـَّـابـِة تـْـعـِنّ وْتـِـرْدِي رْجـــــــالا فتيـات: يـــا حـَـيـْـف الإيـــَّـام الـْحـِـلـْـــــــوِة يـِخـْـتـِمـْهــــــــا الــدَّم يـِـنـْـهـَـبـْـهـــا الـْمَوت الصـَّـــــــارِمْ فتيـان: طــِـلــْـعـُــو عــْلــَيـْها مـْن السـَّـهــْـل طــِلـْعـُـو بـْلا خـَـوف وْلا حــِــزْن وْلا أهــْـلْ فتيـات: طــِـلـْعـُـو عــَلى نـاس في عـِنـْــــدُن حـــزْن وُوْلاد وْ أهــْـــلْ فتيـان: وْبـَعـْدا جـْبال الصوَّان عـَمْ بـِتـْقـاوِمْ عَمْ بـِتــْقاوِم عَمْ بـِتـْقـاوِم عَمْ بتـْقاوِم عـَـمْ بـِتــْقـــــــــــــــــــــــــــــــــاوِمْ مــَرْقـِت مـِيـِّـة لـَيـْـلة وْهايـْدي آخـِـرْ لـَيـْـلـِــة يـاجـْبـال الصوَّان وْأرْض العالـْيـِـه هـــايـْــــــدي آخـِـرْ لـَيـْـــــــــــــلـِـة فتيـات: إيـْـدَيـْـن رْجـــالـِك انـْطـَـقــِّتْ عَ كـِـتـْر الضـَّرْب والـْـهــاجـِمْ بـَـعــْدُو هـــاجــــــــــــِمْ فتيـان: وْوِصـِـل الـْـهــاجـِمْ عَ الـْـبـُـوَّابــــــة الإضاءة والديكور واللوحات الخلفية تساندها الأوركسترا تأخذنا في المشهد التالي إلى حالة التوتر العسكري في حدود جبال الصوان تحاصرها القوات الزاحفة لـ (فاتك المتسلط) من عساكر مدججين بالسلاح من مختلف أنواعه إلى المدافع وقد اتجهت رؤوسها باتجاه مدخل القلعة التي مايزال (مدلج) بداخلها مع بعض المقاتلين بحالة الصمود الحرج بينما يقف خلفهم بعض الأهالي محتارين في ما يفعلون والخوف بادٍ على وجوههم وقد جمـَّد الترقـُّبُ أجفانـَهم مثلما برَّد اليأسُ الدم في عروقهم. دقيقتان من الموسيقا التصويرية الرَّائعة والبالغة القدرة التعبيرية قبل أن يخاطب فاتك بصوته الجهوري مدلجَ المحاصـَر، تجعلنا على يقين بأننا مع أوركسترا بـُنيت وفق المعايير العالمية بأحدث تجهيزاتها وموسيقا ألـِّفت بقدرة إبداعية خلاقة سنشاهد عملاً ذا خصوصية فنية ترضي توقعاتنا وتفوقها. فالأخوان رحباني اللذان أثريا حياتنا بمواضيع مسرحياتهم أخذانا معهما في رحلة التطوير والإبداع الموسيقي فصرْنا إلى تلك الدرجة التي تحوَّلنا بها إلى مستمعين ذوي مؤهلات وفق المعايير العالمية أيضاً. فاتك: مـِدْلـِجْ .. يـا قـَيـْدُوم جـْبال الصِّـوَّان يـا بـَـطـَـل جـْبال الصِّـوَّان .. ارْكـَـع .. انـْـذلّ ! جماعة فاتك: ارْكـَـع .. انـْـذلّ .. يـامـِدْلـِجْ .. يـا قـَيـْدُوم جـْبال الصِّـوَّان يـا بـَـطـَـل جـْبال الصِّـوَّان .. ارْكـَـع .. ارْكـَــع فاتك: مـِدْلـِجْ .. ما عاد فيك تـْقاوِم .. روس جـْبالـَك بـِإيـْـدَيـْنــــا افـْـتـَـح الـْبـُـوَّابـِـة بـْإيـْـــدَك .. واعـْزِمْنا نـْـفـُوتْ جماعة فاتك: ارْكـَـع .. انـْـذلّ .. يـامـِدْلـِجْ .. يـا قـَيـْدُوم جـْبال الصِّـوَّان يـا بـَـطـَـل جـْبال الصِّـوَّان .. ارْكـَـع .. ارْكـَــع يـُبدي مدلج حيرة يتلفــَّت معها وينقــِّل ناظريه بين أفراد جماعته دون أن يتحوَّل ذلك إلى خوف أو رهبة وهو يقف حامياً بصدره البوابة الموصدة وإلى يمينه مرافقه سعد فاتك يصرخ: ما بـَـــــدَّك تــِركـَـــــــع؟ بـِـسـْـمـَحـْـلـَك تـِهـْرُب جماعة فاتك: اهـْـرُبْ .. اهـْـرُبْ .. مـِتـْلِ الـْغـَزال الـْخـــايـِف مـِـتـْل الهـِدْهـُدْ وِجّ الصـِّيـَّــادِة وتستمر الموسيقا التصويرية بالتناوب في نقلنا بين الجبهتين غير المتكافئتين، هدوء المكسور الذي يرفض الاستسلام مقابل صخب المنتصر وعجرفته .. ويتلـَفـَّت مدلج مستقرئاً الخوف في عيون رجاله ثم يسأل سعد: مدلـَج: فات الخـَوف عـْـلـَـيـُن؟ سعد: فات الخـَوف وانـْسـَدِّت المـَداخــِل .. سـَقـَـطـُو رْجـالـَك مـِتـْل كـْعـاب الشـَّجـَر اليابـِس .. تَحـْت الـْجـَوز .. عَ الـِحـْـفافي سـَقـَـطـُو .. نـامـُـــــو بـِـــتــْيــــاب المـعـــارِك مدلـَج: والنـِّسـْوان؟ والأهالـي؟ والـِــولاد؟ سعد: اللـِّي مات .. مات، اللـِّي تـْخـَبــَّا تـْخـَبــَّـــا والـلـِّي هــَرَب هـَرَب وْتـَرَك بـْـوابـُو مـَفـْـتـُوحة ! مدلـَج: فإذن فات الخـَوْف سعد: والسـّلاح تـْكـَسـَّـر مدلـَج: خِلـْصـِت إيـَّــــام البُـطـُولـِة .. خـَـلـُّونـــا نـِتـْـفـَــرَّق سعد: نحنـا مـَـعـَـك !! مدلـَج: إذا بـَعـْدني القايد، طـِيـْعـُـو الأمــْر وْرُوحـو سعد: لـَوَيـْن؟ مدلـَج: حـِلــَّيـْتـْـكـُن مـِنـِّي .. خـَلـِّي كل واحد يـِخـْـتار طـَريقــُو إجــا زَمــان النـِّـسـْيــان .. ألله مـَعـْـكـُــــنالعبارات التي قالها مدلج بصوته الرخيم وبهدوئه ورقـَّته رافقتها جملٌ موسيقية توحي بمشاعر الحزن والأسف على وطن سيقع في براثن الغزاة الأنانيين القامعين المتوحشين بزعامة فاتك ومستشاره (ديبو) وسيذوق أهالي جبال الصوان مرارة الاحتلال والإلغاء والاضطهاد وسينبت الشوك في الحقول ولن تينع حبات الفاكهة في بساتين الأرض التي يحلّ فيها الظلم والاستبداد. مدلج بطلٌ لا مكان في قلبه للاستسلام، ولكي تبقى في تراب وطنه اللهفة والشوق إلى الحرية لابدَّ من ترْك وديعة فيه كحبات البذار التي ستنبت في نهار ربيعيّ متحولة إلى رجال فثورة فدحـْر للطغيان يعيد للجبال شموخـَها وللسماء صفاءَها وللأرض يناعة ثمارها وللحقول رائحة زهورها. وإذ يتردَّد سعد ورجاله في المغادرة يتوجَّه مدلج إلى عتبة بوابة الجبال ناشراً قامته على مساحتها ووجهـُه يقابل وجه فاتك الواقف بعيداً يحيط به عساكرُه الجاهزون لإطلاق النار: مدلـَج: يا فاتـِك المتسـَلـِّط .. مـِشْ رَح إتـْرُك الـْبـُوَّابـِة فاتك: بـْـــــلادَك صارِت بـِإيـْدَيـْنـا .. وْبـَدْنا نـْـفــُوت مدلـَج: فــُـوتـُو بالـْـقــُوِّة قرار مدلج نهائيٌّ لا رجعة فيه .. الاستسلام صعبٌ عند الرِّجال، يموتون إن غـَلـَبَهم الخصم ولا يقبلون الخنوع والرضوخ، خاصة عندما يكونون أصحاب حقٍّ لأنهم يعلمون أن غيابهم الجسدي وهم مرفوعو الرأس سيُبقيهم حاضرين في ذاكرة من يبقى، نموذجاً يحث الأبناء على استعادة حريتهم وأرضهم المسلوبة وكرامتهم المهدورة. أما بالنسبة للأشخاص من نوع فاتك فالأمر ليس كذلك، للصراع حسابات، ومنطق القوة والسيطرة يتحالف مع منطق المراوغة والمساومة وإن تطلـَّب الموقف تنازلاً وخضوعاً فلا مانع عند مثل هؤلاء. لذا فإن فاتك يتوقع من مدلج الخوف ويستدرجه إلى الاستسلام متقدِّماً باتجاه البوابة والأسلحة مـُشْهـَرة بوجه مدلج الصامت وعيناه محملقتان في وجه عدُوِّه ثابتتان لا تزحزحهما تكشيرة الوجوه القبيحة لحاملي الحِراب المتقدمة كـَسـِرْب الأفاعي باتجاه الفريسة فاتك غاضباً: مدلـِج .. خافْ .. اهـْـرُبْ! عـَمْ قـِلــَّــــــك خــــــــاف يقترب ديبو والعساكر من مدلج الواقف على البوابة دون أن يرفَّ له جفنٌ أو يأتي بحركة إلى أن وصل سيف ديبو إلى صدره يطعنه به طعنة قاتلة ويتراجع خطوتين انتظاراً لسقوط جثة البطل الذي قاوم السقوط فارداً ذراعيه أفقيـَّـاً على عرض البوابة ورأسه شامخٌ مازال يحمله عنقٌ يتعامد مع منكبين قويـَّين وصدر واسع يحيط بقلب تتسارع آخر نبضاته وداعاً وأسفاً .. وتعزف الأوركسترا لحناً حزيناً تؤديه الوتريات متحاورة مع النحاسيات منتقلة بنا إلى صورة فاتك السعيد بانتصاره في فتح جبال الصوان، دون أن يتردد بالاعتراف لخصمه بالشدَّة والقوة (رْجالو خافو هُوِّي ما خاف .. لـَيشْ؟!). يدفع فاتك البوابة بقوة فاتحاً إياها لمن معه ويصرخ: فاتك: جبال الصـِّوَّان مـْلِكنـــــاها .. افـْـرَحــــــــــــــــو! ويعلو صخب العساكر الذين ينتشرون في كل مكان ويحيط حراس فاتك به وهو يعتلي مفتتحاً احتفال نصر ميداني سـُكبت فيه الخمور للضباط والقادة وقـَدَّم العساكر رقصة وهم يرفعون الرماح والسيوف المجموعة: لـَـيـْـــــــل لـَـيـْـــــــل لـَـيـْــــل يا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــل أصـْـوات الـْـكــاسـات عـَمْ بـِتـْزيـْـــد ضـَـوِّ اللـَـيـْـــــــليـا غـِـنـِّـــــيـِّـــــتـْــنـا يـا وَرْدِة الـْـلـَـيـْــــــل هِـــيْ لـِ لـِّيلْ إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّـيْل إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّــــيلْيا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــل عسكري: نــــــار نــــــــار نـــــــــــــار والنــــــــــــــار تـِكـْـسـُر نــاروعـْـيــُـون عـَمْ بــِـتـــْـلـُــــوح حــَــدّ السـَّيـْف مـِتــْل النــَّـــاريا سـَـهـْرِيـِّـتـْـنا يا نِجـْمِة النـَّار المجموعة: هِـــيْ لـِ لـِّيلْ إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّـيْل إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّــــيلْيا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــلالعسكري: روح واســْــــــــــــــآل عَ حــِـلـْـوِة الـْـمـَـنـْـتـــُــــــــور روح واســْــــــــــــــآل والـْـهـَــوى عــَم يـْــــــــــــدوريـا هــَوى مـــَوِّجْ يــا هـــــَوى واعـْصـُـف ياهـَوى بالـْمـَنـْتـُوريــا لـَـيـْــــــل يـــا لـَـيـْـــــــــل يا لـَـيـْـــــــل خـَـبــِّرْ لـَـيـْــــــل المجموعة: يـا هــَوى مـــَوِّجْ يــا هـــــَوى واعـْصـُـف ياهـَوى بالـْمـَنـْتـُوريــا لـَـيـْــــــل يـــا لـَـيـْـــــــــل يا لـَـيـْـــــــل خـَـبــِّرْ لـَـيـْــــــلعسكري: نــــــار نــــــــار نـــــــــــــار والنــــــــــــــار تــِكـْـسـُر نــاروعـْـيــُـون عـَمْ بــِـتـــْـلـُــــوح حــَــدّ السـَّيـْف مـِتـــْل النــَّـــاريا سـَـهـْرِيـِّـتـْـنا يا نِجـْمِة النـَّار المجموعة: هِـــيْ لـِ لـِّيلْ إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّـيْل إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّــــيلْيا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّـرْ لـَـيـْــــــل مات (مدلج) في يوم تمـُّوزي مـَقيت. دفن أهل جبال الصوان جراحَهم وتحلـّوا بالصـَّبر وهم محكومون من فاتك المتسلط وعسكريـِّيه ولكنهم لم يطأطئوا رؤوسهم ولم يبيعوا أنفسهم للحاكم الذي حاول جماعته فرض الولاء عليهم .. يدخل إلى المجلس عددٌ من العساكر يقودون مجموعة من الأهالي بطريقة قسرية وعلى رأسهم كبيرهم عبدو الراوندي وأبو صقر وشهوان ونعـُّوم "الهبيلة" وعدد من النساء (تفاحة وجميلة ونزهة) وقد ملأت وجوهَهم علامات الغضب والسخط. عسكري: يافاتك المتسلـِّط .. هايـْدا وَفـْد مـِن الأهـالي جايين يـْرَحـّبـُو فـِيـْك نعـُّـوم: لا تـْصـَدِّق .. جـايين بالقــُوِّة شهوان معروف بروحه الانتهازية وحبه لنفسه واستعداده لفعل أيِّ شيء من شأنه وضعـُه في مكان يميزه عن الآخرين أو يسيطر عليهم .. وقطعاً لشكِّ فاتك في مدى محبة الأهالي له يطمئنه شهوان (هايـْدا نـَعـُّوم الـْهـَبيلـِة) فيسأله ديـْبـُو بغيظ (وْجايـْبين هـَبيلـِة يـْرَحـِّب فينـا؟). أما نعـُّوم البسيط الساذج فيكره فاتك وعساكره ولا يرضى بسلوك شهوان .. وهو يجدها مناسبة للإعراب عن احتقاره لهم (ليش اللي فيه عقل بـْيـِجي؟) مما أثار العساكر فاعتقلوه وأخذوه بعيداً. وتبدأ حياة شهوان المتنكرة للأهالي ولأرضه بالإعلان ادِّعاءً كاذباً لفاتك: شهوان: باسـْم الأهالي .. أهـالي جـْبال الصوَّان، يا مـَوْلانا وْحـاكـِمـْنـا بـْرَحـِّب فيـْك من الطبيعي ألا يروق لعبدو الراوندي والآخرين أن يروا ابن بلدهم شهوان وقد اشترى رضى فاتك وجماعته مقابل خيانته لأهله وتحوله إلى عميل للمحتلين يتجسـَّس على الأهالي ويُرهبهم. يقترب عبدو من شهوان فيصفعه بقوة قائلاً (إنتَ ما بـْتـِحـْكي بـْإسـِم حـَدا .. إحـْكي بـْإسـْمـَك وَحـْدَك) ماحدث كان كافياً لكي يبدأ عسكريو فاتك التنكيل بالأهالي الذين رفضوا مع عبدو الغناء له وأعربوا عن سخريتهم منه وحيـُّوا شهيدَهم بطلَ جبال الصوان رداً على ماقاله فاتك لإرهابهم وإخضاعهم عنوة: فاتك: جبال الصوَّان مـْلـِكـْنــــاهـا .. دَفـَعـْنـا حق تـْرابا رْجـال أنـا حاكـِمـْها .. أنـا سـَيـِّدْها .. أنـا الزَّمــان اللـِّي جــايي أنـا الشـِّتـي .. أنـا الـْبـَرْق .. بـِأمـْري بـِيـْزَهــِّر الـلــَّـوز ما حـَدا بـْيـِحـْكي إلا بـِأمري .. وَلا بيـْفـَكــِّر إلا بـِأمري وِاللـِّي بـَدُّو يـِتـْمـَرَّد .. بـَــدُّو يــُـوقــَع تـَحـْت الـْمـَـــوت. في هذه العبارات تعريف بشخصية فاتك ومنهجه في التعامل مع الآخرين، فهو الفرد الأناني المتعجرف الذي يميز نفسه عن غيره بالسيادة والفوقية ويدير سياسة البطش والإرهاب والتهديد والقمع عبر جماعته الذين يعشقون الحرب ويتغزَّلون بالغزو ويسعدهم بريق السيوف وصهيل الخيول في أتون المعارك وأصوات المَدافع ومناظر البيوت المدمَّرة والأهالي الهاربين أمام زحفهم. يعتقل العساكر جميع الأهالي المعترضين على الاحتلال وينشرون الرعب وهم يبسطون على الأماكن نفوذهم ضماناً لراحة بالِهم خاصة وأنهم لم يـُبقوا على أحد من أقارب المناضل العنيد وقائد جبال الصوان مدلج .. أما كروم الجبال فقد أحجمت هذا الصيف عن الإثمار وذبـُل عنبـُها حصرماً وتـَكـَتْ أغصانُ التفاح والكرز وجفـَّت أكواز التين حزناً على الإبن البار. ينتهي المشهد واضعاً إيـَّانا في الوطن المحتل وفي صور معاناة أهله وكفاحهم المرير من أجل استرداده. ويبدأ المشهد التالي في واحدة من ساحات البلد وقد خيـَّم الحزن والوجوم على زواياها المـُقفرة من الناس ماعدا العجوز (حنـِّة) التي تقف ساندة ظهرها المحني إلى جذع شجرة أصابها اليباس وتـُكلـِّم نفسَها مع تنهيدة تخبـِّيء وراءَها حزناً وألماً وحسرة على من راح وما راح: حنـِّة: سـِنـِة .. اتـْـنـَيـْن .. تـْلاتِــــة .. مـَرَقــُو عَ مـَـــوْت مِدْلـِج أرْبعة .. خمـْسِة .. سـِتّ سـْنين مـَرَقــُو عَ مـَوْت مِدْلـِج سبعة .. تمـانـي .. تـِسـْعـَة .. عشـْـــــرة وْفـاتـِك المتـْسـَلـِّط محتلّ جـْبــال الصوَّان وْأنـــا عـَمْ خـَتـْيـــــِر ســِنـِة عن ســـِنـِة والأهـالي: ناس نِسـْيـُو .. وناس عـَمْ يـِنـْسـُو .. وْناس ما نـِسـْيـُو وْصـُورِة مدْلـِج عـِتـْقـِت وْبـَعـْدا مـْعـَلــَّقـة عَ كـَم حـَيْط ببـْيوت نســـوان لابسين أسـْوَد أنا حنـِّة السـَّـاحـْلانيـِّة وْصـُورِة مـدْلـِج قاعـْدِة عنـْدي عَ الحـَيْــط أنا بـَعـْرِفـُــن كـِلــُّـــن .. العجوز رمز الأم في جبال الصوان. هي سجلُّ حكاياتها وسـِيَر أبنائها وعائلاتها في انكسارهم كما في عِـزِّهم، وهي المرجع لما غاب عن بال الأهالي والمـُرشد فيما يفعلون عند الشدَّة .. وهي قارئة فناجين القهوة بعد أن يحتسيها الحالمون والحالمات عند راحتهم تستحضر لهم مستقبلـَهم وتدغدغ عواطفهم المكبوتة، تـَعـِدُ من تـَعـِد وتنبـِّه غيرَه وتـُضحِك ثالث. وفيما يدخل إلى الساحة رجالٌ ونساءٌ من البلدة تستعرضهم حنـِّة وتذكر لنا أسماءهم: هـايـْدا عبـْدو الرَّاوَنـْدي .. هـايـْدا نعـُّوم الهبيلـِة .. هـايـْدا يــــوسف وْجميــلة وْنـَــزْهة وْأبو صـَقـــْر كـِـلـُّن كـِـلـُّن رِجـْعـُــو يجـْـتـِمـْعــو بالسـاحــَة وقبل أن يجلس الحاضرون تنظر (جميلة) إلى بعيد وتشير بيدها إلى شجرة الجوز فوق الرابية الغربية وكأنها ترى خلف الأفق شيئاً تدرك حاجة الجميع إليه: جميلة: شـُوفـُو شـُوفـُو الـْغـَيـْمـِة فـَوق الجـَوزِة .. شـُو قـَوْلـكـُن بـَدُّو يـِرْجـَع حـَدا؟ ويتوجه الجميع بأنظارهم إلى ناحية الغرب متسائلين (مين الـْ حـَدا؟) جميلة: حــَدا مِن عـَيـْلـِة مـِدْلــِج أبو صقر: مدلج مـــات وْمَرتو ماتت، مـا كــان عـِنـْدو إلا بـِنـْت عبـْدو: بـِـيـْقـُـولـُو إنـَّــا انـْـقــَـتـْـلـِت جميلة: حــَـدا شــافــا انـْـقــَـتـْـلـِــت؟ .. يمـْكـِن يالـْلـِّي هَرَبو هـَرَّبـُوهـا مـَعـْهـُن أبو صقر: بـِتـْكـُـون كـِبـْــرِت عبـْدو: بـِتـْكـُـون نـِسـْيِــِت جميلة: قـَـلـْبي بـِيـْقـِلــِّي بـَدُّو يـْصـِيـْر شـي! عبدو لا يقتنع بتخيـُّلات النساء .. ولا يجد للغيمة فوق الجوزة معنىً مع أنه يـُقـِر بقاعدة (الغريق يتعلق بقشة) وبأن الناطر يتمسك بخيط الأمل .. يغني عبدو معبـِّراً عن حاله وحال الأهالي في ظل الاحتلال والغربة: عبـْدو: إلهـــــــا ســْـنيــن الـغــَيـْمـِـــة بـْتـِجي وْبـِتــْروح الـغــَيـْمـِـــة وْ مـــا صــــــار شـــــــــــــي وْنــاطِـــرْ أنــــــا نــاطِــــــــرْ الفتيات: نــاطِــــــــر عبـْدو: مـِش عــارِف شــُو نـاطِــــــرْ الفتيات: نــاطِــــــــر عبـْدو: يُوسـَع الـظـِّـلـْم يـِكـْسُر الحَكي يـِكـْبر الخوْف وْيـِحْبـُس البكي أنـا مـا بهـْجـُـر هـالـْقــَناطِــــر وْنــاطِـــرْ نـــاطـِـرْ نــاطِـــــرْ الفتيات: نــاطِـــــر نـــاطـِـرْ نــاطِـــــرْ عبـْدو: / بـِبـْلاد الـْ لـِنـا غـَرَّبـُــــونـــا عـَـن لـَـون السـَّــما غـَرَّبـُـونـا / (2) وَرَق الذلّ زَهــَّــر عَ الشـَّجـَرْ سـَرَقـُو الليـل وْسـَرَقـُو القـَمـَرْ وِيـْقولـُولي هـاجـِر شـُو ناطـِر وْنــاطِرْ نـاطـِـرْ نـــــــاطِـــــرْ الفتيات: نــاطِـــــر نـــاطـِـرْ نــاطِـــــرْ كم من الناس المسالمين دفعهم ظلم المحتل وجـُورُ الإحتلال إلى اختيار المهاجرة حلاً؟؟ كم خسـِرَت الأوطان من سكانها الأصليين وأبناء وأحفاد صانعي حضاراتها ورونق مجدها بسبب ضغط الحكام، وخاصة أولئك القادمين من أماكن أخرى، وتغييبهم للأخرين أو إدخالهم قسراً في المتاهات المختلفة استبعاداً للنور (عـَـن لـَـون السـَّــما غـَرَّبـُـونـا) بديلاً عن تراثهم العريق؟ ويكبر في عين المهاجر أهلـُه الباقون (ناطرين) بعد أن يشدَّ قلوبـَهم الحنينُ إلى وطنهم والقلق على أخوتهم وأقاربهم وجيرانهم فتتعدد صور التعبير وأشكاله وتمتد الأيادي للتضامن والعمل من أجل الإنقاذ. شهوان يعيش بين أهله جسداً ومسلوخاً عنهم روحاً وهو المنبوذ والمكروه رغم ما بدا عليه من عزٍّ ونعيم بفضل ما منحته إياه سلطة فاتك مقابل عمله لمصلحة الاحتلال وتنفيذه لما يـُطلب منه .. وهذا الـْ (شهوان) موجودٌ في كلِّ مكان .. فحيثما طغى محتل بحث أول الأمر عن ضعفاء وجبناء من أهل البلد يستخدمهم جواسيس وعملاء ومخربين وقمعيين. وهاهو في حكايتنا يتمختر أمام أترابه بملابسه الجديدة بينما يبادلونه تعاليه بالازدراء، دون أن تـُشـْعِرَهم ملابسـُهم المتواضعة السوداء بالنـَّـقص: شهوان: ألله يـــــِبـْسـِطــــْكــُــن عبدو: خير انشالله يا شهوان؟ شهوان: مـِتـِل مانـَّـكْ شـايف: تـْيـاب جـْداد .. شـَلـْحـَة جـْديدِة وْبـَدِّي عـَمـِّـرْ عـَمْ فـَـتــِّـشْ عَ شـَغـِّــيـْـلـِة عبدو بسخرية: مِـشْ ســـــامـِع شهوان: بـِدْفـَع سـَـلـَـف! عبدو: هـَلـَّـق إنت صـار مـَعـَك مـَصاري تـْـعـَـمـِّر؟ شهوان: ألله يــْـخـَـلـِّيـْلـْنـا يــاه .. أنا مسـْتـَشـار عـِنـْدُو .. وْهـُوِّي كـَريـْم بـْحـَقــِّي عبدو: يـَعـْني بـْتـِتـْجـَسـَّسـْـلـُـو؟؟ شهوان: أبـَداً .. بـِجـْمـَعـْلـُو اخـْـبـار لـَصـالـِح الـْبـلـَد أنـا شـَغـِلـْتي التـْـوِشـْوُشْ .. وْهـُـوِّي - ألله يـْطـَوِّل عمـْرو ـ سمـِّيـْــــــع نعـُّوم: ياشهوان .. تـْـطـَّـلـَّع هـَون تـَ شـُوف .. تـْـفـُـووووو ليس عند هذا الشخص أدنى درجات الكرامة واحترام الذات. لم يعترض حتى على بصقة نعـُّوم في وجهه القبيح .. وليس في تصوير شخصية كهذه بصفات من هذا النوع تـَجَنٍّ، فكلُّ مَن يقبل التعامل مع أجهزة قمع الناس لمنفعة خاصة وعلى حساب أمْن أهله وحريتهم يصل بنفسه إلى أبعد درجات الاحتقار .. وتبقى لمثل هؤلاء مفاهيمُهم الخاصة لتبرير سلوكهم. أبو صقر: ياشهوان .. هالشـَّغـْلـِة بـَلاهــا شهوان: شـُو مـْنـَعـْمـِل؟ ما فينـا نـْعـَضـِّلـُّو إيـْدُو، مـِنـْبسـْلـُو ياها نـَزْهـة: تـْـبـُوسـَك الحـَيـِّـة انشالله صور الأدب الرحباني استغلال المتنفذين لضعف نفوس بعض الأفراد في حالات تطلبت استخدام هؤلاء لتنفيذ مآربهم الخبيثة ونشر الرعب والبلبلة بين الناس دعماً لسيطرتهم، مقابل الرشاوى والمنح. ففي مسرحية "دواليب الهوا" يأمر الإقطاعي جماعته باستخدام المال وسيلة لحشد تأييد بعض الناس والوقوف في صفه (الفلوس بتبَورِم الروس) وفي مسرحية "أيام فخر الدين" نرى شاكر وقد باع نفسه لجواسيس الباب العالي مقابل (قميص شغل اسطنبول) وتتكرر صورٌ مشابهة في مسرحيات أخرى بينما عاد بنا الأخوان رحباني في مسرحية "بترا" إلى صورة مطابقة جاءت على لسان الضابط الروماني الذي استنتج من تجارب روما مع حكام العالم أهمية المال في شراء الحلفاء. يستمر الحوار بين الأهالي آخذاً منحىً آخر يستعرضون فيه واقعهم ويتأملون في ما تخبـِّئه لهم الأيام القادمة ويتدخل شهوان محاولاً جرَّهم إلى حالة الإحباط والاستسلام والتشاؤم بينما تتذكر العجوز حنة ما نقله إليها أجدادها عن تضامن الناس منذ مئات السنين (سبع مـِاية سنة) مع أجداد مدلج وأحفادهم المندورين للدفاع عن (جبال الصوان) التي مات الكثيرون منهم عند بوابتها كما حصل لمدلج منذ سنوات. وترى العجوز بأن (سليلة مدلج منـْدُورَة للبـُوَّابـِة) ! أما (جميلة) فمازالت تنظر إلى الغيمة فوق شجرة الجوز آملة بالقادم من وراء الشمس بعد أن جفت الأرض والبيوت ممن يفعل شيئاً من أجلها. وتلبية للأمل في قلب جميلة تقدم لنا مجموعة الديكور والإضاءة مسنودة بالموسيقى التصويرية مشهد الشجرة العملاقة كالجمـَّيزة وقد تحولت الغيمة فوقها إلى ما يشبه اللهيب وبدت بلون أحمر قانٍ كالشـُّهب وسط صراخ الجميع: احـْمـَرِّت الشـَّـمـْس .. انـْكـَـسـَر الغـَيـْم .. وِلـْـعِت الجـَوْزِة .. ويحملنا المشهد التالي إلى الفتاة القادمة من (احمرار الشـَّمس) وكأنها هبطت من السماء مكلـَّلَة بالإيحاءات الأنثوية تنثرها أديال فستانها الأبيض الناعم ووجهها الطيب وخطواتها الرقيقة وهي تتقدم كالفراشة المتأكـِّدة من سعادة وريقات الزّهر وهي تحطُّ عليها، وينكشف الضوء أمام الضيفة شيئاً فشيئاً وسط ذهول الأهالي وهم يتوافدون إلى المكان وعيونهم مسمـَّرة على الدَّرج النازل من إحدى التلال .. لقد تحققت رؤيا جميلة!! هاهي الغيمة تتكسَّر عن سرٍّ ليس كالأسرار وخبر يغلب الأخبار وحدث يخطف الأبصار الجميع مذهولين: ميــن؟ الفتاة: بـِنـْتـُو أبو صقـْر: إنـْتِ غِـرْبـِة؟ الفتاة: أنـا غـِرْبـِة بـِنــْتـُو لـَـمِدْلـِج في مآزقهم لا يفقد الناس الأمل بالنجاة .. فهو آخر ما يموت فيهم. فاقد الأمل واقف عند آخر محطات الحياة. والأملُ خلاقٌ بذاته .. معه تنفتح الأبواب وتنمو القدرات وتقوى الوسائل وبدونه تتكبـَّل الأيدي ويقف الدماغ عن العمل فتصبح الحياة أولَّ الأعداء وأكثرَهم شراسة. وإن كان الأمل يتحكم بآلية ومواعيد فعلنا، بسبب شرط الصبر الذي يفرضه، فإنه في ذات الوقت يحملنا إلى الوعي الذي يجعلنا نتحكم بحجمه وبفسحته. فرح أهالي جبال الصوان الذين لم يفارقهم الأمل يوماً شابـَتـْه مسحاتٌ من الحزن على البطل الذي أذكى الأرضَ دمُه وعلى السنوات الطويلة التي عاشوها قلقين من مصير ابنته الضائعة .. تتبنى الأوركسترا صورة استقبال الأهالي لـِ غربة ممثـِّلة الذهول فالانفراج فالترحاب فالتعبير عن القلق من الغياب فالفرح بالعودة مالبث أن تحول إلى نشيد كورالي جميل تعبـِّر فيه الأصوات الأنثوية عن مدى التعاطف مع غربة والشوق للاطمئنان عليها. الكورال: / غـِـرْبـِـــــــــــــة .. غــِــــــرْبــِـــــــة يــامـا نـْـطــَــرْنــا .. يـامــا سـْـهـِرْنــــا خـِــــفـْـنـــا عـْـلـَـيـْـــــكــي قـْـلـِـقــْـنـــا عـْـلـَـيـْـــــكــي وْ مـــــــا كـِـنــــَّـــــــــــــا نـَعـْـــرِف وَيـْـــــنــِــــــــكْ وِنـْـقــُــــــــــــــــــــــــــول تـَـرى غرْبــِة عـايـْشـِــــــة وْفـايـْــــــــــــــــــــــقــَــة؟ لـَـيـْش تـأخـَّرْتي يـا غربة؟ / (2) غربة: لـمـَّــا صار الوَقـْـت جـِيـْت صـَرَّخـْـلـــي الـتــّــــــراب صـَـرَخـُـــولي النـَّـــــــاس نـَـدَهـِتـْـلـِي الـِبـْـيـُــــــــوت وْجــِـيــْــــــــــــــــــــــــتْ جــايــي خـَـلــِّص الأرْض الكورال: رِجـْعـِت غـِـــــرْبـِــــــــــة اللـِّي رِبـْيــِِت بالغـِـــرْبــِـة تـَ تـْـخـَـلـِّـصـْـنـــا مـِـن هــالــغـِـــرْبــِـة عودة غير مطمئنة بالنسبة لشهوان ومن يمثلهم ولا بد له من إثارة القلق بين الأهالي: شهوان: يا جماعـَة اسـْمَعـُو شـْوَيّ! مـِنْ وَيــن مـْـنـَعـْــرِف إنـَّـــا هـِيـِّــــي؟ ويبدأ الشك عند قسم من الأهالي يحاول عبدو الرَّاوندي استبعادَه انطلاقاً من الرغبة الصادقة لدى الأهالي بظهور (غربة) وهي (وَعـْد النـَّاس النـَّاطـْرين)، وتقطعه (حنـَّة) باليقين بعد تأكدِّها، إذ هي تعرف أفراد سلالة مدلج من علامة خاصة (التـَّاج عَ راسا والنـِّدِر بعـْيـُونا ... مـَكتـُوب عَ جـْبينـا قِصـِّة الـْبُوَّابـِة)، ولا يتردد الأهالي بإعلان اقتناعهم وأخذ الفتاة بأحضانهم وهم يغنـُّون الكورال: غِــرْبــِــــــة .. نـَـطـَـرْنــا ياغـِـــرْبــِـة نـَـطـَـرْنــــا نـَـطـَـرْنـــــــا نـَـطـَـرْنــا ياغــِـــــــرْبــِـة نـَـطـَـرْنــــا نـَـطـَـرْنـــــــا نـَـطـَــــرْنــا خـِـفـْنـــا عـْـلـَـيـْـــــــــكــي قـْـلـِـقـْنـــا عـْـلـَـيـْـــــــكــي واشـْتـَـقــْْنـــا عـْـلـَـيـْـــكــي يــــــــــــــــــــا غــِرْبـِــــة الفتيات: وَدَّيـــْــنــا المـَـراسـِيـــــــل وَدَّيـــْــــــنــا وَدَّيـــْـــــــنــا وسـَـألـْـنـا المـَـراسـِيـــــــل الفتيان: وَدَّيـــْــنــا المـَـراسـِيـــــــل وَدَّيـــْــــــنــا وَدَّيـــْـــــــنــا وسـَـألـْـنـا المـَـراسـِيـــــــل الجميع: تـْفـَـرَّقـْنــا بالسـَّـهـْــــــــــل وِبـْـعــِدْْنــا بالسـَّـهـْـــــــــل حـَصَـد المَـنـْجـَـل عــِنـْـق الســَّـبـْـلــــِة عــِنـْـق الســَّـبـْلـِة وْمـا طـَـلـــَّــيـْتـِي وْمـا طــَـلــَّـيــــْتـِـــي وْ نـَـطـَـرْنــــا نـَـطـَـرْنـــــا نـَـطـَـــرْنــا غربـِة: كـانـِـت الإيـَّــــــــــــــــــام تـِـهـْـجـُـر الإيـــــــــــــــام والـْـغـِـنـِّيـِّــــة اسـْـــــوَدِّت بـِـشـَـمـْـس الإيـــــــــــــام وْطـِـلـِع الـْـوَقـْـت مـْـن الـِبيــــــــــــارة وْرَجـَّـــع الإيــــــــــــــــام الفتيات: وَدَّيـــْــنــا المـَـراسـِيـــــــل وَدَّيـــْــــــنــا وَدَّيـــْـــــــنــا وسـَـألـْـنـا المـَـراسـِيـــــــل الجميع: تـْفـَـرَّقـْنــا بالسـَّـهـْــــــــــل وِبـْـعــِدْْنــا بالسـَّـهـْـــــــــل حـَصَـد المَـنـْجـَـل عــِنـْـق الســَّـبـْـلــــِة عــِنـْـق الســَّـبـْلـِة وْمـا طـَـلـــَّــيـْتـِي وْمـا طــَـلــَّـيــــْتـِـــي وْ نـَـطـَـرْنــــا نـَـطـَـرْنـــــا نـَـطـَـــرْنــا تبدأ علامات الفرح بتلوين وجوه الأهالي ويحضر إليهم مرافق مدلج، (سعد) الذي أمضى السنوات العشر حبيسَ بيته وشبابيكه مغلقة حزناً وخجلاً وهو ينتظر ظهور غربة (كنـْت ناطـْرِكْ طـُول هالسـّنين .. تـَ إفـْتـَح الـْباب وْ إضـْهـَر لاقيكـي). ويتابع الجميع التعبير عن اشتياقهم لغربة وسعادتهم بعودتها: الجميع: انـْـفـَتـَحـَت الـِبْواب لمـَّا رجـْعـِت غربة وتـْشـَرَّعـُّــو شــْبابيــْـكـْنـا وِانـْـفــَتــَحــِت الــِبْـــــواب وترمق غربة الناس بنظرة فيها من مشاعر عدم الرِّضى ما يغلب مشاعر الحزن .. فهي لا تريد أن يبقى اليأس مُسيطراً على النفوس، وهي لا تختصر المأساة باستشهاد والدها فينسى الناس كارثة الهزيمة أمام المحتل وحالة الاضطهاد التي يعيشونها والتي أتتـْهم من أجل السعي للخلاص منها: غربـِة: خـَـزّقـُــــــــولي هالتــّيـاب السـُّـــــــود خـَـزّقـُـــــــو هــالـْـخـَـوْف والـفـَـــرَح يــِــــرْجـــــــع وْرايــِــة العـِـــــزّ الـقــَـديـم تـْـعــُــــود رجـّعــُـــــــو إلـْـفـِــــــة هـاك الإيــَّــام إيـَّـــامـْـنــا الـْـحـــِلـْــــــوِة بـِـجـْـبــالــْنا الـسـَّمـْــــــرا وِبـْـيـُوت تــُـوعـى عَ الـْـهـَـنـا وتـْـنــام مـَـجـْــــــدْنــا يــِـنـْعــــــاد والـْهـَوى يـِـنـْـــــــــــــزاد وِنــْــــــــرِدّ الـِــعـْــــراس وِنــْـــــــــــرِدّ الـِــعـْــــياد تـْــزَلـِـغـْـطـُـــــو وْتِـرِقـْــصـُــــــو وْيـِكـْبَـرو الـِولاد إعلان صريحٌ وجريءٌ ومُبكر من غربة، صاحبة الروح الثورية ووريثة الكفاح من أجل الوطن استهلـَّت به عودتها مذكـِّرة الأهالي بالعزّ والفرح أيام السيادة والسلم. فهل يتجاوب الناس مع دعوتها؟ الجميع: / غـِــــربــِـــــــة يـا غـِــــــــربــِة يا مـَرْبى الـشـَّوْق وْقـَمـَر الغـِـربـِة يـا هـَـمّ جـْـديد انـْـوَلــَد بـْعـِيــْـــد وْإجـا عَ الـْـعـِيـْد يـْضـَوِّي الغـِرْبـِة / (2) وتبادلهم غربة مشاعر الفرَح والغبطة باللقاء الذي ستبدأ معه مرحلة جديدة سيكون لتضامن الأهالي ومحبتهم لبعضهم وللوطن الدور الكبير في تحريره وعودة الفرح والعزّ: غربة: هـَيـْـهـــــــــات يـابـُو الزِّلـُـف عـَـيـْـنــــي يـا مـُــــولــَـيــَّـــــا عـِـدْنــــا عَ أرْض الـْ لــِــنــــا وْعــــاد الـْـهــَـنـــا لـِـيــَّـــــــــا الجميع: عـِـدْنـــا عَ أرْض الـْ لــِـنـا ... غربة: ياجـْـبـــال يـــالـلـِّـي الـْهـَــوى شـِـبـَّـــــــاكـِــك الـْعــــــــالــي إنـْـتِ وْأهـْـلـِــك ســــَــــــــــوا إيـــَّـــــــــــــام عَ بــــــــالــــي وْيـــامــــــــا تـْـرَبــَّــــى الهـَوا عَ تـْـرابـِــــــــك الـغـــــالــــي وْهالـْقــَـلـــْب بـَعـْـدِ الـنـَّـــــوى بـِـبـْـيـُـــــوتـِـك تـْـفــَـيـَّــــــــــا الجميع: عـِـدْنـــا عَ أرْض الـْ لــِـنـا ... غـِربـِة: عـِـدْنـــا عَ أرْض الـْ لــِـنـا ... الموَّال الجميل الذي قدمت به السيدة فيروز أغنيتها التالية مـُسـْتقى من التراث بكلمات رحبانية جاءت من قلب الموقف لتبثَّ الفرح والتفاؤل والثقة بالنفس التي أرادتها غربة منطلـَقاً لخطة عمل تسترد بها مع أبناء بلدها السيادة على أرضهم. ولمَ لا تكون البداية من عيد العنب وقد بدأت عناقيده تطيب الفرقة: / يـــــاه يـــــاه يــــــاه يــــــاه يــــــــــاه يـــــــاه عـَـلــِّــــــي (4) غـِربـِة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي طـِـيـْر وْعـَـلـِّي عَ الـلـِّـي فـَرَسـُـو قـَمـَر التـَّلـِّة عَ الـْـعـَنـْقــُـود عـِيـْـد الـْغـَـلـِّـة أوف أوف أوف عــَــلــِّــــــي الفرقة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي طـِـيـْر ... غـِربـِة: عـَـلـــِّي عـَـلـــِّي بـَـلـَد مــْرُوج والـْهـَوا شـَجـْـرَة عَم بـِتـْمـُوج الفرقة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي بـَـلــــَد ... غـِربـِة: سـَـبـَـقـِـتــْـنـا قــِـصــِّـتــْـنــــــا وانـْـشـَـتـَّـل الـْـوَرْد بـْحارِتـْنـا وِعـْـيـُـونـَـك قــَـمـَـرِيـِّـتـــْنــــا واسـْآل اسْـآل اسْـآل عَ الـلـِّـيالفرقة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي طـِـيـْر ... غـِربـِة: ع َالـْلـِّي طـايـــِرْ بالـْمـَواويــْل والـْهـَوا شـَجـْرَة عَم بـِتـْمـِيـْـل الفرقة: عَ الـْـلــــِّي طــــايــِرْ ... غـِربـِة: غـِـنــِّـيــِّـــة مـِـنــْـسـِـيــِّــــــــة عَ دْرُوب الأرْض الـْجـَبـَلـِيـّـِة مـَـكـْـتـُــوبـِة عـَـلـَى عـَيـْنـَيـِّـي واسْـآل اسْـآل اسـْـآل عَ الـلـِّيالفرقة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي طـِـيـْر ... غـِربـِة: جايـِـي جايـِـي وْتـِكي عَ الباب يـِـحـْـكـِي عـَـتـَـبـُــو لـِلأحباب الفرقة: جايـِـي جايـِـي وْتـِكي ... غـِربـِة: حـِـنــَّـيـْــنــــا وْحـِـبــَّـيـْــــنــــا وْبـِـلـَـيالـي الشـَّوْق تـْلاقــَيـْـنـا أيــــامـَـك تــَـعـَب عـْـلــَـيـْـنـــا واسْـآل اسْـآل اسْـآل عَ الـلــِّـيالفرقة: عـَـلـِّي عـَـلـِّي طـِـيـْر وْعـَـلـِّي عَ الـلـِّـي فـَرَسـُـو قـَمـَر التـَّلـِّة عَ الـْـعـَنـْقــُـود عـِيـْـد الـْغـَـلـِّـة أوف أوف أوف عــَــلــِّـــــــي غـِربـِة: أوف أوف أوف عــَــلــِّــــــي الفرقة: أوف أوف أوف عــَــلــِّـــــــي غربة إذن تضع نفسها نـُذراً لبوابة جبالها وتتفق مع الأهالي عبر رموز أغنيتها على إعلان انطلاق الثورة مع (عـِيـْـد الـْغـَـلـِّـة) وموعده (عَ الـْـعـَنـْقــُـود) وفاءً لمن مات متـَّكئاً على البوابة عاتباً على من رماه خوفه في حفرة الاستسلام .. وهي تـُطمـْئنهم بأن الترتيبات مع الثوار قد تمـَّت (وانـْـشـَـتـَّـل الـْـوَرْد بـْحارِتـْنا). في المشهد التالي يغادر الجميع تاركين غربة وتأملاتها وذكريات طفولة مليئة بصور الفرح والسعادة خزَّقـَتـْها مِحنٌ وسـَوَّدت ألوانـَها معاركُ ومُداهماتٌ وأخمدت بريقها هواجسُ في حقِّ الأرض على أصحابها وحقِّ الوطن على أهله وأسفٌ على أمجاد تحوَّلت إلى حكايات (دَهب الزَّمان الضـَّايِع) وانهماكٌ في نسج الآمال وترقب المنتظر. ولكنَّ الوطن عند الأخوين رحباني لا تزعزعه الكبوات ولا تنال من ألقه النـَّوازل، إنه القويّ .. إنه الغنيّ .. ومن برق القصائد ينبثق حيـَّاً حيويـَّاً كطائر الفينيق فيروز: وَطـَنــي .. يا جـَبـل الغـَيْم الأزْرَق وَطـَني .. يا قـَمَر النـِّدي والزَّنـْبـَق يــا بـْـيـُوت الـْ بــِيـْحــِبـُّــــــــــونـا يـا تـْــــراب الـلــِّي سـَبـَـقــُــــــونـا يـازْغـَيـَّــــر وْوِسـْــع الـدِّنـــــــــي يــــــــــــــــــــــــــا وَطــَـنــــــــيفي محبة الوطن رومانسية تتعشق عبرها اختلاجات النفس أصدقـُها بنبضات مفرداته .. قد لا يدرك جميعنا كلَّ أسباب هذا التعشـُّق .. ولكنهم الشعراء، بغوصهم في أعماق النفس البشرية وفي التحامهم بالطبيعة وفي توحُّدهم مع الوطن وإخلاصهم له، قادرون على رسم ما يحملنا إلى هذا الإدراك. الشاعران الكبيران عاصي ومنصور يأخذاننا معهما عبر الصوت الملائكي للسيدة فيروز إلى الحالة الرومانسية إيـَّاها لندرك بأن الوطن ليس تراباً فقط، إنه ترابُ مَن سـَبـَقــَنا .. إنه التواصل عبر الأجيال والحضارات المتتابعة والمعرفة المتراكمة والحيوية المتجددة وعبر سعادة البيوت المتحابة وتراتيل حزنها وفرحها، تلك البيوت التي تتسع الدنيا وإن بدت صغيرة! فيروز: وَطـَني .. يا دَهَب الزَّمان الضـَّايِع وَطـَني مِن بَرْق القـَصايـِد طالِـــع أنـا عـَـلى بــــابـَـك قــَصـِيـْـــــــدِة كـَتـَبـِـتـْـها الرِّيـــــــح العـَـنـِـيـْــــدِة أنـــا حـَـجــَرَة أنـا سـَــوْسـَـــنـِـــة أنـا سـَوْسـَـنـِة يـــــا وَطــَـنـــــي / جـيـْراني بالقـَّنـْطـَرَة تـْذكـَّرُونـي وْبـَلابـِــل الـْقــَـمـَـرَة يــِنـْـدَهـُـونـي /(2) / شـَـجـَــــر أراضـِـيـْــــك سـَــــواعـِد أهـْلـي شـَجـَّـرو وِحـْـجـار حـْـفـافـــِيـْــــــك وْجـُـوه جـْدودي الـْ عـَمـَّـرُو /(2) وْعـاشـُو فــيـْــك مِن مـِـيـِّـة سـِـنـِة مِن ألـِـف سـِـنـِة مـِن أوَّل الـدِّنــــي وَطــَــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي وَحـْـيــاتـَــكْ وَحـْـيــاة المـَحـَبـِّـــــة شـُـو بــِنـــــــــــــــــــــــــــــــــــي عَمْ إكـْبـَر وْتـِكــْبــــــَرْ بـِقــَلــْبــــي وْإيـــَّـــام الـلـِّي جـايـي جــــــايـي فـيـْـهــا الشـَّـمـْس مـْـخـِـبـَّـــايــِــــة إنـْـت الـــقــــَـوي إنـْـت الـغـَــنــي إنـْـت الــدِّنــــي يـــا وَطــَـنــــــــي شهوان، عميل سلطة فاتك، الذي كان بين أهالي جبال الصوان عندما وصلت غربة استرق السَّمع وتمكن مما دار بينهم وهرع إلى فاتك يخبره. في المشهد الذي يلي أغنية (وطني) يصل فاتك بنفسه إلى غربة قادماً من قلعته محاطاً بالعساكر، يحاول التـَّحدث إليها بديبلوماسية: فاتـك: شــُـو راجـْعـَة تـَعـِمـْـلـي؟ غربة: راجـْعـَة خـَـلـِّص الأرض قائد مـُرافق: جـِـدِّك إسـْمـُو الـكــاسِـــر .. كــان .. ضرْبـِة سـَيفـُو تـْـقـِدّ الصـَّـخر وانـْـتـَهى عَ البــُـوَّابــــــِة ديـْبو: بَـيِّـك قــَيـْـدُوم الجـبـــــال .. كـــان .. بـإيــْـدُو يـِلـْوي الحـَديد .. وْيــِمْسَــح نـَقــْشـِـة العـِـمـْـلـِــــة وانـْـتـَهى عَ البــُـوَّابــــــِة فاتـك باستخفاف: إنـْتِ ياطـِفـْلـِة رِبـْيــِت بالـْهـَـرَبْ .. يـا زَهـْرِة الـضـَّعـْف، يـا أتـْعـَس مـِن عـِشـْب الحـَيـط! شــُو راجـْعـَة تـَعـِمـْـلي؟ غربة: راجـْعـَة خـَـلـِّص الأرض فاتك: كـِيف وْإنـْتِ وَحـْدِك؟ .. وَيـْن رْجـالـِــك؟ وَيـْــن النــَّـــاس وْخـَيــْـل الـقــُوِّة الـلـِّي شــَعـْرا أبـْـيَــض؟والسـّـيـُــــوف الـلـِّي هــِـيـِّــــي الـْحـَـــقّ؟ اللقاء الذي جمع غربة بفاتك أتى مفاجئاً لها ولكن الفتاة لم تكترث بعنجهيته وقالت ما أرادت قوله وهي تغادر الساحة بكبريائها وشجاعتها وصبرها لأن موعد المجابهة لم يحن بعد: غربة: قلـِّي بـَـيـِّـي قـَـبـِل ما يـْـمـُوت: "الحق ما بيموت" أنـا نـِـقـْطـِة الشـِّتـِي .. أنـا حـَبـِّة القـَـمـْـح .. جايي إنـْزِرِع بـِأرْضي بـِصـْدُور النـَّـاس اللـِّي هـَوْن .. وْبـُكـْـــــــرا زَرِعـْـنا بـْـيــِطـْـلــَع لم يأبَه فاتك المتسلـِّط لكلام الفتاة التي تحدَّثت بلغة الحقِّ والقمح والمطر بينما لا يعرف وجماعته إلا لغة القتال والقوات وحجمها وجاهزيتها، لذا نراه يتوجه بالحديث إلى مستشاره (ديبو) مستغرباً:فاتـك باستهتار: ديبـُـــــــــــو .. هـايْـــدي الـلــــِّي اهـْـتـَـمـَّيـْـتــُــو فـِيــَّــــا؟ ديبو: يا مَـوْلانــــا .. يالـلـِّي خـَـبـَّــــروني كــَبـَّـرولي رْجـُـــوعا قال متـْل البـِرْج كــان خـْـيالا عـْـلـَيــُّنفاتـك بعجرفة: مـَجـْنونـِة .. بــِـنـْت مـَغــْرورَة بـْـتـِحـْـلـَم .. طـَـمـِّن بـالـَك الرِّيـْح اللـِّي قـَـصـَّـفـِت كـْعـاب الجـَوز ما بتـْقاوِما الوَرَقـَة يخرج فاتك ويدخل شهوان فيسأل بفضول وتصنـُّع (شو عـْمـِلـْتـُو يا مَوْلانا ؟ ..) ديبو: يا شهوان القصـَّة أزغـَر ما تـْصـَوَّرنـاها .. مِش لازِم نـْفـَـكـِّر فـِيـَّا شهوان بخـُبْث: يا مَـوْلانــــا .. مـَـرَّات نـِـقــَط الشـــِّــتي بـْتـحـْفــُر حـَيـْط القــَلـْعـَـة ديبو: راقـْبـُـوهـا ويلتقي شهوان في المشهد التالي باثنين من رجاله هما (نخلة) و (ضوّ ) اللذان ينقلان إليه خبر تحضير أهل البلد احتفال (عيد العنب) فيستغرب ويستنتج بأن غربة وراء خطتهم للاحتفال (فإذن غربة بـِدْيـِت تـِشـْتـِغـِل وهايـْدا كلـُّو تـَحـَدِّي للسلطة) فيوعز للجاسوسـَين بالاستفادة من الحدث (الهَيْئة بدّا تـِكـْبَر والمشاكـِل تـِكـْتـَر .. وْنحنا بين المشاكل فينا نـِزْرَع .. فينا نـُقـْـطـُف .. فينا نـِكـْبـَرْ) ولا بدَّ من دغدغة أحلام الانتهازيـَّين اللذين لا يعملان دون مقابل (إذا أنا حـَكـَمت وْصـِرْت إنتو بتـْصيرو مَعي). أما جماعة غربة فقد كانوا يراقبون شهوان وقد علموا بأنه مَن وشى لفاتك بعودة فتاتهم فقرروا نصب كمين له. ويقع العميل بأيديهم فينهالوا عليه ضرباً موجعاً علـَّه يتـَّعظ. هاهو عيد العنب يصبح حقيقة .. الأهالي، الذين كبتوا ميلهم الفطري للفرح والابتهاج والاحتفال طوال السنوات التي أعقبت مقتل مدلج، أعادهم رجوع غربة إلى بيئة المَسرَّة بتشجيع منها (خـَزّقـُو هالخـَوف والـفـَـرَح يــِـرْجـع) و (عَ الـْـعـَنـْقــُود عـِيـْد الـْغـَـلـِّـة)، فـالفرح بمفهومه الرحباني قـُوَّة .. وهذه جمالية تتخطى جماليات الفن التقليدي أينما وجد! البلـَد، حيث حارات الأهالي ومحالـُّهم، ازدانت بالرموز الجميلة المرتبطة بالغلال والعنب على رأسها وتكوَّمت السلال والأطباق وتوافد الفتيان والصبايا بملابسهم الجديدة الملونة والمزركشة والفرح يملأ الوجوه والابتسامات كأزهار الربيع وربطاتُ الجدائل فراشاتٌ سعدت باستراحة على الشعر الذهبي والأسود والخصورُ النحيلة جاهزة للتعبير عن الفرح بالعيد والفرح بالعودة وبتجدد الأمل. ويقدم لنا الأخوان رحباني وفيروز والفرقة الشعبية اللبنانية احتفالاً حقيقياً متواصلاً استمرَّ لأكثر من ربع الساعة غنـَّت فيه فيروز أغنيتين جميلتين وغنـَّت الفرقة مع هدى حداد أغنية ثالثة ودارت الحوارات الغنائية الرائعة باشتراك الجميع بينما رافقت فرقة الرقص الشعبي أغنية (صيـِّف ياصيف) بأدائها دبكة رشيقة عكست روح الأهالي الحلوة في فرحهم وحبهم للكروم وللعنب وعصيره الطيب ولخير الأرض الدافق. الفرقة: يا عـِنـَبـْنـَا يـا طـَريق الرِّيـح والهـَوا مـَوَّج عـَلالينـــــــــا عنـاقـيدَك دَهـَب وْتـِلـْويــــح والجـَـنى لـَـوَّن حـَفافـيـنـــــا طــــالـِتْ لـَيـــالـينـا طــــارِتْ رَوابـيـنـا والـعـَـرايــِـش دارِتْ فيـْنــــا يا عـِنـَبـْنـَا يـا طـَريق الرِّيـح الشبان: مـَعاصـِرْنا يازمــان النـَّـــار الصبايا: والهـَـوى خمـْرِة مـَعاصـِرْنا الشبان: عـَلى قـَـمـَر الـْحبّ الـــدّوَّار الجميع: عـَتـَبـِك بـَــدُّو يـْـسـّهـِّــرْنـــا الصبايا: جيــْــنـــا وانـْـتـَـظـَرْنــــــــا وْدايـــِرْ يـا قـَـمـَرْنــــــــــــا والـلـَّـيـْل الأبـْيـَض نـاطرْنـا مـَعاصـِرْنا يازمــان النـَّـــار الشبان: يا عـِنـَبـْنـَا يـا طـَريق الرِّيـح الصبايا: والهـَوا مـَوَّج عـَلالينـــــــــا الشبان: عنـاقـيدَك دَهـَب وْتـِلـْويــــح الصبايا: والجـَـنى لـَـوَّن حـَفافـيـنـــــا الجميع: طــــالـِتْ لـَيـــالـينـا طــــارِتْ رَوابـيـنـا والـعـَـرايــِـش دارِتْ فيـْنــــا يا عـِنـَبـْنـَا يـا طـَريق الرِّيـح في موسيقا وألحان هذه الأغنية وأغان أخرى في هذه المسرحية لمساتٌ واضحة للفنان القدير الياس الرحباني الذي اشترك في التوزيع الموسيقي هنا وفي أعمال لاحقة بعد أن أنهى دراساته في الموسيقا والتأليف والتلحين الشرقي والغربي. غربة: والطـَّيـْر الحـَزِيــــــــــــــــن مـــع وَرَق الـتــِّــــــــــــــين يـْـقـــــــــول للعـــِشـَّــــــــاق خــلـَص الحـَنـِــــــــــــــيــْن مَـوْسِم انـْــتـهى وْموسـِم جايي وانشالله نِتلاقى بالموسم الجايي الجميع: أواخــِرْ أيـْـلـــــــــــــــــــول المـَـعـَــــــاصـِرْ مـِشـْـتـاقـَـة النـَّــــار نـاطـْـرِتـْنـــــــــــــا الـنـَّــواطـيـــــــر ضـِـجـْـرُو غربة: مـَـراكـِـب الـصـَّــيـْـــــــــف حـَـمـَّـلـِــــت الـْـمـَـوْســـــــِم زيــْـزان الـْـحـَصــــــــيـْــدِة اشـْـتـــَــرِت الـْـمـَـوْســـــــِم الجميع: / لــَوِّحْ لــَوِّحْ ياوَرّق الأخضـَر زَهـِّـرْ زَهـِّـرْ يا مَـوْسـِـم الحـُبّ صَرِّخْ صَرِّخْ يا تـَعـْْلب الوادي ما إلـَك عـَنـَّا لا عِنـَب وَلا حُبّ / (2) الشبان: عيـْد العـِنـَـــب عـِيـْد الـْخصْب عيـْد الخـَوابـِي عـِيـْد الـْـقـَـلـْـب عيـْد الـْمـَواسِم عـِيـْد الـْـحـُــبّ عيـْد العـِنـَـــب عـِيـْد الـْـحـُــبّ الصبايا: عيـْد العـِنـَـــب عـِيـْد الـْـحـُــبّ الشبان: عيـْد العـِنـَـــب عـِيـْد الـْـحـُــبّ القوالب اللذيذة الهادئة الذي جاءت فيه هذه المـُلـَحـَّنـات والمتنقلة بين نمط أغاني الأطفال ونمط الأنشودة الكورالية والترتيلات فيها قدرٌ عظيمٌ من الجاذبية والطـَّرب اشتركت في تكوينه العناصر المتآلفة، الأوركسترا بمكوناتها ونوتاتها الفائقة المرونة وأصوات الذكور والإناث وفي القمة صوت السيدة فيروز في مساحته اللامحدودة وطبقاته المتبدلة بإبداعية ساحرة .. وما من شكٍّ في أن القسط الأكبر من الإبداع في اختيار هذه القوالب يعود إلى الواقع الإستثنائي الذي يعيشه أهالي جبال الصوان إذ يحتفلون للمرة الأولى بعد عشر سنوات من الحزن وهم الآن على عتبة مواجهة كبيرة مع فاتك المتسلط وعساكره. لذا فقد غلب الطابع الابتهالي على قسم كبير من هذه الملحـَّنات (وانشالله نِتلاقى بالموسم الجايي) تحوَّل إلى الحماسي في مقاطع التحدي (صَرِّخْ صَرِّخْ). غربة: يـــارِعـْيــان الجـــبـال إذا طـْلِعـْـتـو عَ الجبال قــولـُو لـَ حـَبـيـبــــــي عــادِت إيـَّـام الهـَــوى يا قِـطـَّافـين الـِكـْـروم إذا قـَطـَفـْتـُو الـِكـْـروم قــولـُو لـَ حـَبـيـبــــــي رِجـِـع زَمـان الهـَـوى قـُولـولــــو الـزَّعـَـــــل راح والهـَوى عمْ يـقطـُف قـَمَـرو والـْـلـَّـوم انـْتـَهـى وِارْتـــاح هـالـْـقـَـلـْب وْقـِبـِل بْـسَهـَـرو قـُولـولــــو النـَّاطـِرْ نـاطــِر والـْمـِـشـْـتـــاق اشــْـتــــــاق وْرِجـْعـِت عَ الـْـقــَنــاطــــر نـِـجـْـمــِـة الـْـعــِشــــَّــــــاق قــولـُو لـَ حـَبـيـبــــــي قــولـُو لـَ حـَبـيـبــــــي إنــُّــــــو حـَبـيـبــــــي حـَبـيـبــي حـَبـيـبـــــي حـَبـيــــــــــــــــبـــــي الجميع: يـــارِعـْيــان الجــبـال .. غربة: عَ اصـْـواتِ العـَصــــافـيـــر عـَم بـِكـْـتـُب حُبـِّي وْعـَتـَبـي دَلـّـــُو عـْـلـَيـِّي النـَّـواطـِيـــر والـغـُـرَبــا عِرْفـُـو بـْتـَعـَبـي قـُولـولـو الـْعـُمـْر قـْـصـَـيـَّـر وْشـَـمـْس الـعـُمـْر خـْيـــــال وْقــَـصـْر الحبِّ زْغـَيـَّــــــر والسـَّـاعــات قــْــــــــــــلال وْقــولـُو لـَ حـَبـيـبــــي قــولـُو لـَ حـَبـيـبــــــي إنــُّــــــو حـَبـيـبــــــي حـَبـيـبــي حـَبـيـبـــــي حـَبـيــــــــــــــــبـــــي الجميع: / لــَوِّحْ لــَوِّحْ ياوَرّق الأخضـَر زَهـِّـرْ زَهـِّـرْ يا مَـوْسـِـم الحـُبّ صَرِّخْ صَرِّخْ يا تـَعـْْلب الوادي ما إلـَك عـَنـَّا لا عِنـَب وَلا حُبّ / (2) مع فرح المواسم وأغانيها يؤكد الناس قوَّتهم الكامنة في تضامنهم استناداً إلى الحق وفي حالتنا يجدها المحتفلون فرصة لتوجيه رسالة إلى الثعالب الشريرة بأنه ليس لها في ديارهم عنباً ولا حـُباً. ونحن هنا نتذكر التحدَّي المماثل الذي عبَّرت عنه أغنية (صـَرِّخ ياديب) في مسرحية "أيام فخر الدين". ولا ينسى الأخوان رحباني الجوانب اللذيذة والمرحة في حياة الفلاحين البسيطة وفي وسائلهم ومقتنياتهم وأساليب التعامل مع الطبيعة والغلال، يستخرجان منها القيم الجمالية بصياغات بديعة تبهج النفس .. فلا كرْم من دون (خـْـيـَال الكروم) وهو فزَّاعة الطيور، لمن لا يعرف، وهو لعبتها مع أنه وكيل صاحب الأرض في غيابه وحارس البذار وحبات الفاكهة .. إذن، فليداعب المحتفلون الفزَّاعة التي أتوا بها من البستان: عبدو: خـْـيـَـال الـِكـْروم واقـِف وَحـْـدو الجميع: مـَـرْحـَـبــا يـا خـْـيـَـال الـِكـْـروم بـْتـَـعـْرِفــْنـا ياخـْـيـَـال الـِكـْروم؟ خـْـيـَـال الـِكـْـروم مــا بـْـيــِـــرِدّ وتغني جميلة لـِ (خـْيـَال الكروم) الذي ملَّ الوحدة وقد تركه الناطور فتاق للتآنس مع الثعلب والحيـَّة اللذين لا يمكثان عنده طويلاً ويتركانه للشمس والريح تداعبان أطراف قماشه الملون تنادي الطيور حيناً وتخيفها حيناً آخر، مع أغنية هُدى والآخرين وسؤال الناس (بـْهالشـَّمِس مين ناطر؟) تحرَّكـت (مشاعر) الخيال فبدأ الغناء عن نفسه وعن الأشياء التي تحيط به، وصاحب الشخصية هو الفنان مروان محفوظ .. وهنا نستمتع باستخدام المؤلفـَين لهذه (اللعبة) لا للتسلية فقط بل للتلميح إلى ما يرصده (خـْيـَال الكروم) خلال مراقبته .. الخـْيـَال: أنـا أنـــــا خـْيـــــــــــال لاتـْـــلــُــومـُـــــــونــــي ما بـْحبّ أوقــَف هـَـوْن وْوَقــَّــفــُـــــــــونـــــــي شـــَـكــْـلـي مـْحـَـزِّنـــِّي وْقــاعـِدْ غصْبـــاً عـَنـِّي لـَــوِّحْ لـِـلـْعـَــصْـفــُــور وْهـُـوِّي بـْيـِهـْرُب مـِنـِّي بـْـقـِـلـُّـو: تـَعـا لـْـعـَنـْدي يا مـَّـا خـِدْنـي لـْـعـَنـْـدكْ أنا بـَخـْشـَشـْـتـَك الكـَرْم وْهـُـوِّي بـْيـِهـْرُب مـِنـِّي الناس: يــــا خـْيــــال الـِكـْـروم شـايـف إشـْـيـا كـْـتـِيــــر حـْـكـايـــات العــِشـَّــاق وْســـرّ النـَّـــواطـِـيـــــر الخـْيـَال: مـَـرَّة كـِـنـِـتْ قـــاعــِــد بـِـهالـْـكـَـرِم ســـــــــارِد إجــُـــو عـاشـْـقــَـيــــــن قـَـعـَــــدُو بـِخـْـيــــالـــي قــَــلاّ وْقــــــــالـِـتـْـلـُــو حـِـلـِـفـْـلا وْحـِـلـْـفـِـتـْلـُـو تاني مَرَّة إجا مع غـَيْرا وْإجـِـتْ مـَع غـَـيـْـــــرُو تـاري مـِتـْـلا مـِـتـْـلـُـــو الناس: قـــَـوْلـَــك مـيـْن أكـْـذب هـُـــوِّي وَلاّ هـِـيـِّــــــي؟ الخـْيـَال: مـَـرَّة بـْـقــُـــولْ هـُـوِّي مـَـرَّة بـْـقــُــولْ هــيــِّـي هـُـوِّي فيـــه تـَـعـْـلــَـب وْهـِـيـِّـــي فيهــا حـَـيـِّـة الناس: ويـن كــان النـَّـــاطــور مـا إجــا عـْـلـَـيـْهـُـــــن شـَمـَّطـْـلـُن دِيـْـنـَيـْهـُن؟ ويـنـُـوِّي الـنـَّــاطــور؟ الخـْيـَال: نـــاطـُـورْنـا مـْـشـارَك هـُـــــوِّي والـتـَّـعـْـلـَـب بـْيـِسـِرْقـُـــو الـِـكـْـرُوم هـُـــــوِّي والـتـَّـعـْـلـَـب الناس: وْلـَيـْـش إنـْـتَ ســاكِتْ؟ الخـْيـَال: بـْـحـَـيـْـث أنـا خـْـيـــال الناس: احـْكـِـيـْـلـَك شي كـِلـْمـِة الخـْيـَال: مَ أنــــا خـْـيـــــــــــــال قــالــُو صـَلاحـِـيـْـتــَــك تـْـخـَـوِّف الـِعـْـصافـِيـر والـتـَّعـالـِب شــِغــْـــلـُـن مـَـع النــَّــــــــــواطيــر وْلـَو بـِـيـْـضَلّ عَ سـِـنـِـة يـِـسـْـرُق العـَصـْـفـــور مـِش قـَدّ سـِرْقـة لـَيـْـلـِـة من الـْواوي والنـَّـاطور وْيـَـوْمـِيـِّــــــة بـَعـْمـِـل تــقــــْريــر لا أنـا بـِكـِتـْبـُو وَلا حـَدا بـْيـِقـْـراه وْبـِـيـْـنــام الـتـَّـقــْــريــر وْبـِـيـْـنـَــامُو النـَّـواطير غضِبَ الناس من سلوك النواطير وتواطـُئهم الذي يكرِّس مقولة "حاميها حَراميها" وتأسـَّفوا مع الخيال لتهميشهم وعجزهم عن مكافحة فساد النواطير فعادوا إلى وعيدهم للثعالب: الناس: لــَوِّحْ لــَوِّحْ يـــاوَرّق الأخضـَر زَهـِّـرْ زَهـِّـرْ يا مَـوْسـِـم الحـُبّ صَرِّخْ صَرِّخْ يا تـَعـْْلب الوادي ما إلـَك عـَنـَّا لا عِنـَب وَلا حُبّ جدير بالذكر أن الأخوين رحباني استخدما (فزَّاعة الطيور) في مسرحيات أخرى منها المحطة (خيال الصحرا) الذي يتكلم ويدخـِّن السجائر أيضاً. ولا بدَّ بعد أن استمع الناس إلى الخيال وفضيحة النواطير من قطع الوعد للكروم بحمايتها من هجمات الذئاب والثعالب ورعاية نضرتها: عبدو: عـَهـِـدْنا يـاكـْـــــرُوم نـْضـَـلّ نـِسـْـقـيـْـكــي تـِـضـْحـَكي للشــَّمس وْتِـرْقــُص دَواليــكـي وْعــَنْ عينـَيـْـن الدِّيب يـاكـْـرُوم نـِحـْميـْكي هذا العهد هو الموَّال الذي أوصلنا عبره نصري شمس الدين إلى أغنية فيروز الرائعة الطالعة من قلب عيد العنب والمنسجمة مع روح المسرحية والتي أحبَّها الجمهور الرحباني وعشاق فيروز أيـَّما حب لما تمتليء به من صور وتعابير وللعمق الذي تأخذنا إليه ألحانها وللقيم الجمالية والطربية والوطنية الثورية التي تقدمها لنا حنجرة فيروز السعيدة بجمهورها وهو يسير خطوة خطوة مع (غربة) والسيناريو الرحباني، المنسوج بأناقة ودقة ومنطقية وحـِرَفية، بانسجام أقلُّ ما يـُقال فيه أنه تـَقاطـَعَ مع الهدف النبيل للثنائي العبقري عاصي ومنصور. والأغنية الرائعة تبدؤها فيروز بموَّال يشدُّها ونحن معها إلى السلطنة للدخول في الأغنية بطبقتها العالية ومقامها الجميل (بياتي/ نوا)، وهي من تلحين الفنان الراحل فيلمون وهبي. فيروز: وِكـْـرومـْـكـُـنْ عَ كـــِلّ مــَـدّ تــْـزيـد تـِغـْزُل مـَحـَبـِّـة وْشــَـهْـد وِعـْنـاقـِـيـد والـْعـِـنـَب يـِعـْصـُر عـَوافـي وْعـُمـِر وِيـْـقــَـطـِّر السـِّـكـَّـر لـَـيـَوم الـعـِيـــد صـَيـِّف يـا صَيـْف عَ جـِبـْهـِة حبيبي لـَـوِّح يا سـَيـْـف رَجـْـعـِتــْنا قــَريبــِة الفرقة بالتناوب مع فيروز: صـَيـِّف يـا صَيـْف عَ ... (3) فيروز: مـِن حيّ لـْحـَيّ عـَمْ تـُوعى البـَشـايـر وِبـْـلاد الــْـفـَـيّ فيـْها الـفــَرَح دايـــر الفرقة: مـِن حيّ لـْحـَيّ عـَمْ ... فيروز: خـَلـِّيـْكي خـْطـَيّ ضـَوِّي عَلى الدَّايـر يا شـَمـْس الـْمـَيّ حـَلـَّفـْتـِك لا تـْغيبي الفرقة: صـَيـِّف يـا صَيـْف عَ ... فيروز: دايــِم عَ الـدَّوم عـِـتـْبانِة الصـَّبـِيـِّــــة والـعـَتـَب لـَـوْم والـزَّعـَــل غـِـنـِيـِّــة الفرقة: دايــِم عَ الـدَّوم عـِـتـْبانِة ... فيروز: وِمـْـرَقـْـت الـْيـَوم ما بْتـِسـْأل عَلـَيـِّي ياطـَير النـَّـوم أنا مـِتـْلـَك غـَريـْـبـــة الفرقة: صـَيـِّف يـا صَيـْف عَ ... القدرة التي يتفرَّد بها الخطاب الرحباني متربعاً على عرش الأدبيات الثورية في توجهها إلى الناس تسحرنا بمرونتها واتساع مداها دونما حاجة إلى اعتماد المباشرة الفجـَّة أو التكرار المـُمـِل أو محدودية المعنى. في نفس الوقت الذي تطربنا فيه (غربة) لأننا في احتفالية عيد العنب والنبيذ والمحبة (بـْـلاد الــْـفـَـيّ فيـْها الـفــَرَح دايـــر) تـُطمئننا الفتاة الثائرة بأن الوعي الوطني في تزايد وأنه ينتشر من بلدة إلى أخرى كي تعم روح الثورة فتنطلق شرارتها في كل مكان (مـِن حيّ لـْحـَيّ عـَمْ تـُوعى البـَشـايـر) .. ثمَّ يأتي الجانب الابتهالي: أن تبقى الشمسُ وَضـيـَّة (يا شـَمـْس الـْمـَيّ حـَلـَّفـْتـِك لا تـْغيبي)! .. وطالما أننا اقتربنا من نهاية الاحتفال فقليل من الحماس عبر مقطع حواريٍّ سريع قصير الجمل بسيط الكلمات قوي المعاني واعدٍ بالنصر مع القادمة (طـَلــِّت مْن جْبــــالها عَ سْهول خلفا سهـول)، ولا بدّ من تحية لذكرى شهيد تمـُّوز الحاضر بفكره وقوة تأثيره (صَوتـَك اللـِّي حاضِر قـَصَّـف نـْياب الـدِّيب): فيروز: مِيــــل مِيــــل مِيــــل ياغصن الهــوا مِيــل قــَنـاطـِر مِـضـْـوِيـِّــة وِبـْراج عـَم بـِتـْميـــل الفرقة: لـُــوح لـُـــوح لـُـــوح ياغِصن الهـوا لـُــوح شمس الـْهَـنـا جــايــي وِاللـَّـيل عـم بـيــروح فيروز: طيـــر طيـــر طيــــر ياغـاب العصــافـيـــر هـَرَبـُـــو الـتـَّعـــالـِب مـِن وِجّ الــنـَّـواطيــر الفرقة: قــُـول قــُـول قــُـــول بَلكي الحكي بـيـطـول طـَلــِّت مْن جْبــــالها عَ سْهول خلفا سهـول فيروز: غـيـب غـيب غيـــب بالمـَـلعـَب الغـريـــب صَوتـَك اللـِّي حاضِر قـَصَّـف نـْياب الـدِّيب الفرقة: عـِيــد عـِيــد عـِيـــد مـُوَّالـَـــــك الـْوَحيـــد ضِحـْكـِت الـصـَّبـِيـِّة وْحِـلـْيــِتِ الـْعـَنـاقـيـد ليس احتفال أهالي جبال الصوَّان عادياً .. إنه احتفال عودة ونهضة .. مهرجان الفرح الذي يصبح قوة وعناداً وصموداً وإصراراً على السـَّير إلى الأمام .. لقد بدا الناس في أنصع صور توقهم إلى الحرية وهم يرقصون ويشربون ويمرحون .. ونقلت لنا وجوهـُهم صوراً عن حياتهم وشغلهم ومواسمهم وتفاؤلهم بالمستقبل بعد أن كان اليأس مسيطراً عليهم. ولكن هذا لا يروق للفاتكيين.شهوان، حفيد الشيطان الختيار، الذي تسلـَّل إلى مكان جانبي يرصد منه العيد دون أن يراه أحد، أيقن مما قالته غربة وتـَحاوَر معها بشأنه الآخرون عبر أغانيهم أن أهالي جبال الصوان يُعـِدُّون لشيء ما بقيادة الفتاة العائدة كالريح وكموج البحر الهادر .. وقال في نفسه (صـَدَقْ ظـَنـَّك ياشهوان، القصـَّة أبداً مش بسيطة) وهو يتوجه مسرعاً إلى ديبو مستغلا الحدث لابتزاز فاتك وجماعته: شهوان: وِعـْيـُو .. وِعـْيـُو يا مـَولانـا .. كـانو مـْسـَكـَّـرين، فجـْـأة وِصـْلِت .. فتـَحو بـْوابـُن .. وِعـْيـُو .. وِعـْيـُو! ديبو: شـــــــو صــــار بالعــِيـــــــد؟ شهوان: صـَوْتـُن قـال غـْنـاني المواسم والحبّ .. بسّ عـْيـُونـُن قـالـِت إشـْيـا أبعَد ديبو: عيـــد .. غـْنـــاني وْرَقـْص .. مافي شي .. إصـْحى تـْكـون يا شهوان عمْ تِخـْـلــُق مـْن الحـَبـِّة قـِـبـِّــــة! شهوان: وْحـِـكـْيـُــــو عـَن الــتـَّـعـْْـلـَب ديبو: وْمـِيـْـــــــــــن الــتـَّـعـْْـلــَــب؟ شهوان: وْمـِيـْـــــــــــن الــتـَّـعـْْـلــَــب؟! مـَفـْـهــومـِـة .. يـا أنا، يـا الأكـْبـَـر مـِنـِّي ديبو: بـَعـْــدو كـَلامـَـك بالـْهـَـــوا !! شهوان: أهالي جبال الصـــوَّان أهل قـْتال .. بالماضي حارَبـُــوكـُن مـِيـِّة لـَيـْـلـِة، هـالـْـمـَرَّة مـِيـِّـة وْخـَـلـْـفـا مـِيـِّــة .. بْسـِرْعَة يا مَولانا .. قـِلـُّو لـَ مَـولانـا رِجـْـعـِت غـِرْبــِة بــِنـْت مـِدلـِــج .. وْرِجـِع البـَحـِر يـِهـْــدُر مخاوف شهوان أثارت ديبو الذي يدرك أن لعميله مآربَ نفعية من تضخيمه لما يحدث ولكنه بحاجة إلى هذا الشخص وأمثاله .. وهو ليس في حال تسمح له بالتصرُّف انطلاقاً من الشـَّك في صحة ودقة كلام شهوان الذي يقوِّي موقعـَه امتداداتٌ له بين الضعفاء من الأهالي ممن استطاع استعمالهم مقابل بعض المال. ديبو: غـِربـِة بـِنـْت مـِدْلـِج بــِتـْحـَرِّك هـَديـر البـَحِر؟ شهوان: مـادامــا غِـربة بـْهالأرض مـــا بـْتـِرْتـاحـُو .. غـِـرْبة بالنـِّسـْبِة إلـْهـُن تـاريـخ الدَّم والنـِّـدِر .. لازِمْ تـِـتـْـزَغـَّـر بـِعـْيـُـونـُن، تـِتـْهـَدَّم قـِدَّامـُن قبل ما تـِصْحُو شي يوم وْهـِنـِّي عـَم يـْنـّضـّـفـُو سـْـلاحاتـُـن ديبو: شهوان .. شـُو عـَمـِبِـِتـْقـُول؟ .. بـَعـِدْ في عـَنـْدُن سـْـلاح؟ شهوان: لـَـيـْـش الـسـّلاح وَيـْـن راح؟ مـْخِبـَّايـِيـْنـُو بالـِـقــْـبـِيـِّة، بـِمـْعاجـِن الخـِبِز وْتـَحت بـْلاطـات البـْيـُوت .. عـِنـْدُن سـْلاح .. عـِنـْدُن الـِمـْعاوِل .. فـْراريع الحـَطـَب، حديد سـْكـُورة المـَيّ إذا قامـُو القِصـَّة بْتِكـْبَر .. وِعـْيـُو .. وِعـْيـُــــــــــــــــــــو! ومادامت الطريق مفتوحة بالاتجاهين أمام شهوان ومادام يحصل على مايريد من سلطة الفاتكيين لقاء خسارة بخـْسة لم تعد تعني شيئاً بالنسبة إليه، وهي سمعته وكرامته أمام أهل بلده، فالتحريض والدسُّ والتآمر وسائلُ توفر له فرصة البقاء وتحميه من مغبـَّة ضعف الفاتكيين وهزيمتهم. العمالة للعدو منزلقٌ ذو اتجاه واحد تستحيل العودة منه .. ومصلحة العميل تقبع في المحطة التي يعمل من أجل أسيادها فيصبح من الخطر عليه التردد أو التريـُّث ومن الحنكة التصعيد والتوتير. ديبو: أنـا رَح بـَـلـــِّغ فـاتـِك وإنـْت يا شهوان فـَهـِّم جـَماعـِتـْنـا شهوان: رَح فـَـهـِّمـُن .. لَكـِن إنـْتـُو ساعـْدونـــي! قـَوُّونـي شـْوَي .. في شـَغـْلِة عم تنـْسوهـا! أما مستخدمو العملاء فلهم طرقهم في ربط العميل بمحطته، ولما يقدمونه من دعم شروط ٌ ومواعيدُ، منها أن يـُطلب الدَّعم صراحة: ديبو بتجاهل: شـُـو هـِيـِّي؟ شهوان: الـِكـْياس يامَولانا .. بـَحِبـْحـُو شويـِّه الـِكـْياس. الـِكـْياس اللـِّي بتـِبـْرُم الرَّاس .. بـِتـْوَفـّرو دمّ وِبـْتـِرْبَحُو نـاس! ويقدِّم ديبو أكياساً من النقد لشهوان وهو خارجٌ مع مرافقيه يأخذها العميل شهوان فرِحاً يتغـَزَّلُ بها محدِّثاً نفسَه والأكياس (رَنيـْنـِك بـِهاللـَّيل بيْضَوِّي اللـَّيل، يانـْجوم الكياس الصـَّفرا إنتي وَحْدِك النـّجوم) .. لحظات ويظهر مساعداه نخـْلِة وْضـَوّ يسألان (نـَدَهـْتـِلـّنـا؟)، فيضيف شهوان (وْكمان إلِك عِطِر بيـِجْذب النـَّاس!) ثم يرحب بهما (إجا وَقت الشـِّغل) مقابل المال الذي يقدمه شهوان لهذين الرجلين يطالبهما بالعمل (بدِّي همـِّتـْكـُن .. أمـَلي فيكـُن) وبـَثّ (الإشاعات) لأنها الوسيلة الناجحة لخلق (البلبلة) وإضعاف أهل جبال الصوَّان قبل أن يقوى عُودُهم ويعودوا إلى الحكم وعندها ستكون الطـَّامة الكبرى وسيتمرجح جسداهما في الهواء ولن تفلت رقبته أيضاً، ويسمي كلٌّ منهما إشاعة أو دسيسة يلتقط مقابلها كيساً من (نجوم) شهوان القذرة: (أبو صقـْر انـْضَـمّ لـْفاتك)، (بَــدُّن يعـْـتِـقـْلـُو الأهــالي)، (قـَتـَـلـُو نعـُّــوم وْعَبــدو)، (هـَرَبــِت غِربـِة). تأتي مقاطع هذا الحوارملحـَّنة تضاف فيها الموسيقا التصويرية إلى صوت الفنان إيلي شويري ذي القوة التعبيرية المتميزة بتموجات لذيذة تداعب الكلماتُ وأصواتُ المدّ على متنها المعانيَ راسمة الموقف ببراعة اعتدنا على مثلها مع هذا الفنان الشاعر والموسيقي الذي رافق الأخوين رحباني في عدد كبير من أعمالهما وكان حضوره متميزاً دوماً. ويكرِّس هذه الجمالية اللحن المرافق للمقطع التالي الذي يتحدَّث فيه شهوان إلى نفسه بعد تـَركِ نخلة وضوّ إياه وحيداً مع أكياس المال وأفكار الشر: شهوان: أنـا شـَجـْرِة الشـَّرّ .. أنـا بَيْـرَق الحـِزْن .. أنـا مـِعـْوَل التـِهـْبيـــط ، بـْـتِسْكِــرْني الدّمـُوع بَـدِّي قـَطـِّــفـْــلـُـنْ يـأس وْعـَبـِّيــْـلـُن .. عـَبـِّيـْــلـُن سْلالــُن يــــأسْ بـَدِّي يــِكــْــــتـِبْــني التــــــاريخ عَ الصـَّـفــْحات السـَّـودا جـِدِّي الشـِّيــْطان الـْخِتـْيــــار بـِيـْعــَـلــِّمـْنـي الـْحـِيـَــل الـْحِلـْــــــوِة وأنـا شـِـيـْـطـان الـْـعِلـَّـيـْــق بْجيـب الـْقِصَص الـْ مش مَوجـُـــودِة بـَدِّي يـْخـافـُو مـِنـِّـي بَـدِّي يــِبـِغـْضـُــوني وْلــَمـَّــا إحـْــــــضـَر يــِلجــِـمْهـُن سْـكـُوت بـَــــــدِّي شــُـوفــُـن خـــايـْـفـيــــن مـْعـَذبـيـــن تـَ إتـْسـَلاّ وْإضـْحـَـك وْإحـْكِمـْهـُن شي يـَوم هــَـيـْــــــــــــــــــــك بـْيــِرْضى عـْـلــَـيـِّـي بـْيـِرْضى جـِدِّي جـِدِّي .. جـِدِّي .. جـِدِّي الشـِّيــْطان الـْخِتـْيــــار جــِدِّي الشـِّيــْطـــان الـْخِتــْيــــار جـِدِّي الشـِّيـْطان الـْخِتيار إلى المشهد التالي تحملنا الأوركسترا عبر لحن سريع وجمل قصيرة متلاحقة إلى بيئة انتشار الإشاعات بين الناس وقد رعاها شهوان ونفـَّذها رجاله فخلقت حالة من البلبلة بين الناس الذين ظهروا يتهامسون حيناً ويصرخون بخبرٍ حيناً آخر وقد عمً الخوف والقلق وترك الناس أشغالهم لتبادل الأخبار الساخنة وتناقل الإشاعات ولا يخلو المشهد من لقطات كوميدية كالتي أتت من نعـُّوم نفسه وهو ينشر خبر مقتله!. وتأتي الإشاعة الأكبر على لسان شهوان الذي يصرخ بأعلى صوته (هَرَبـِت غرْبـِة) فيدبُّ الذعـْر بين الأهالي وهم يردِّدون (يا عَمِّي شو بدُّو يـْصير؟ هَرَبـِت غرْبـِة). يقطع حالة القلق والاضطراب وصول غربة بقامتها وعلامات الجدّ المشوب بالعتب بادية على وجهها وهي ترمق الأهالي الغارقين في وجـَلهم والحـَيرة. النـاس بدهْشة وخجل: غــِــــــرْبـــِة !! غربة بـِعَتب: هـَدِّتـْـكـُن الإشـاعات ؟؟ النـاس: فـاجـَئـِتــْنـا .. يا غـِرْبـِة غربة: لـَمـَّـا وَدَّعـْـتــُـو الـيــــــأس وْلــَفـَحـِتــْكـُـن ريـْح الشــَّمـْس، وْرِجـْعـِـت إيْــدَيـْـــكـُــن تـِـبـْـنــي وِتــْـعـَــمــِّــــــر، صــَــوْت عـْيــــــادْكـُـن خـَــزَّق سـَـمـَـعـْـهـُــــــــن، فــَــــرَح مـْـعـاوِلـْـكـــُن بالأرْض بـَشـَّـرْهـُن بـِهَدْم ابـْراجـُن حـَـبـُّـو يـْرِدُّوكـُـن عَ اليـأس عبدو: عـَـمْ بــِيــْـقــُولــُو بـَـدُّنْ يــِعـْـتِـقــْـلـُـو نـاس كـْـتيـْر! الموقع القيادي التي وُضِعت فيه ابنة مدلج رعاية للروح الوطنية الثورية لدى الأهالي كيما تـُبقي على تمسـُّكهم بجبلهم الأشمّ يتطلـَّب منها الفطنة والحضور الدائم والتحلـِّي بالتفاؤل والعمل على دفع اليأس عن نفوس الضعفاء. وقد مدَّها الأخوان العبقريان عاصي ومنصور بالكلام الذي يعبـِّر أقلـُّه عن رؤىً فلسفية ثبـَّتها تاريخ كفاح الشعوب المحتلـَّة والمضطـَّهدة من قبل الغـُزاة أو الحكام الحديديين: غربة: لا تــْـخــــــــــــافـُــــــو مــافي حـْـبـُوس تـْسـاع كلّ النـَّاس بـْـيـِـعـْـتـِقــْـلـُـو كـْـتـِيـْـر بـْـيـِـبــْـقى كـْـتـِيـْــــــــر وْ باللـِّي بْـيـِـبـْقــُـو رَح مـِنـْـكـَـمـّـِل غـَـمـَـر الطــُّـوفـــان الأرض وْرَجـَّـعـُوهـا اللـِّي بـِقـْـيــُو هـَدَمـِت الـِـحـْـرُوب المــُــدُن وْحَـرَّرُوهـا اللـِّي بـِقــْـيـُــو اسـْتـَعـْبـَدو الظـُّـــلاّم النـَّـاس حَـرَّرُوهــُن اللـِّي بـِقــْـيـُــو بـَـدْنــا نـْـكـَـمـِّـل الـْمـِشــْـوار قــــْــــــلال .. يـْــكـُــــــــون مـِنـْـكـَـمـِّـل باللـِّي بـِقــْـيـُــو خطابٌ مقنـِع وجـَّهته إبنة الجبل لأناس لم يمكث القلق واليأس كثيراً في قلوبهم فوقفوا على الفور وراء قائدتهم يرددون الهتاف الحماسي وقد عادت إليهم القوة والشجاعة، واضعين أنفسهم في خندق المواجهة دون خوف .. وتتبنى الأوركسترا النشيدَ الذي يؤديه الشبان والشابات بالطريقة الكورالية على لحن قويٍّ أخـَّاذ بالغ التأثير مبني وفق معايير الموسيقا العالمية وتشترك في أدائه جميع مكونات الأوركسترا الرحبانية تتقدمها آلات النفخ النحاسية تساندها الطبول ومجموعة القرع والصنوج وغيرها.الجميع: بـَدْنـا نـْكمـِّل باللـِّي بـِقــْيـُو بـَدْنـا نـْكـَمـِّل باللـِّي بـِقــْيـُو كتـار قـلال يْكـون شو هـَـمّ مـِنـْـكـَـمـِّـل مـِنـْكـَمـِّـلباللـِّي بـِقــْيـُو باللـِّي بـِقــْيـُو بــالـلـِّــــــي بـِقــْــــــيـُـــــوغربة: كــْتـــــــــــار قـــْـــــــــلال مـِنـْـكـَـمـِّـل بــالـلـِّي بـِقــْيـُوالجميع: بـَدْنـا نـْكـَمـِّـل باللـِّي بـِقــْيـُو بـَدْنـا نـْكـَمـِّل باللـِّي بـِقــْيـُوكتـار قـلال يْكـون شو هـَـمّ مـِنـْـكـَـمـِّـل مـِنـْكـَمـِّـلباللـِّي بـِقــْيـُو باللـِّي بـِقــْيـُو بــالـلـِّــــــي بـِـقــْــــــيـُـــــوغربة: كــْتـــــــــــار قـــْـــــــــلال مـِنـْـكـَـمـِّـل بــالـلـِّي بـِقــْيـُووتصمت الأصوات الكورالية الجميلة ويخفت اللـَّحن لتتحدث الفتاة الشآميـَّة لأهلها عما قاستـْه في غربتها مـُهـَجـَّرة بجسدها حاضرة بينهم بروحها ووجدانها تتفقد الأرض والنساء والأولاد وتحزن لحزن الوطن وهمومه ومعاناته تحت قبضة الفاتكيـِّين وصورة الشهيد في ذاك النهار التمـُّوزي لم تفارق أهدابـَها، والبوَّابة تناديها للعودة كي تكون قنديلاً للمُتـْعَبين التائهين في ظلمة المحتلّ: غربة: يا هـا النــَّــاس يا أهـــــْلي أنـا وْبـالأرْض الغـَريـبــِـــةهـْمـُومْكـُـن كانت تـُوصَلـِّيبـِكـي وْلادْكـُـن بالـْلــَّيـْـــــل كـــان يـْـصـَـــرِّخــْـلـــــــي أنـا وْبالأرْض الغـَريــبــِـــة حـِزِنـْـكــُـن رِبـِـي مـَـعـِـــي حـــِزِنـْـكــُـن حـَفــَـظـــْـنـي حـَـرَسـْـنـي .. كـَـبـَّـرْنـــــي وْحـِزِنـْـكــُـن رَجــَّــعـــْـنـي لــَـوَّحـْـلـــي مْـن الـغـَـيـــــم حـاكــــاني مـْن الـصـَّـيـْـف نـَـدَهـْـنـِــــي مـِـنْ تــَـمــُّــوز مـِـن ذلّ الإنـْـتـِـظـــــــــــار بالـْـَـمـُـدُن الـْغـَـريـــبـــــــــةِ وكانت أصـْواتكـُن تِنـْدَهْلي تنتهي بهذه الإعترافية المؤجلة مجموعة اللوحات التي قادتنا إليها حملة الإشاعات الشهوانية وقد تأكـَّدت غربة من وقوف الأهالي إلى جانبها، مهما كانت الظروف (بـَدْنـا نـْكـَمـِّل باللـِّي بـِقــْيـُو) ووعدهم بدعم الثورة ضد فاتك وجحافل جيشه وطرده من أراضيهم، مهما كان الثمن. وقبل أن تـُسدل ستارة الفصل الأول تبقى غربة لوحدها في ظلمة تنيرها شموع تخلق حالة ابتهالية مليئة بالخشوع تصلـِّي فيها السيدة فيروز راجية الحنان السماوي من (سَيـِّد العطـايا) نوراً للمقهورين وعَوناً للـ (حـَورة الوحيدة) للسير بالرسالة وهي (أمـــانـة) ببالها: / ســــــاعـِــدْنـــــــــي يا نـَبـْـــــع اليـَنـابيــْــع يا ســـَيـِّـد الـْعـّـطـــايـاســـــــــاعـــــدْنــــــي / (2) وَدَّيـْــتـْـــنــي جـِـيـــْت قــَطـَعــْـــت الـلـّـَيــالي عـَن حـُبـَّــك حْكــيـْـت وْكـَرَمـَــك بــِـبـــالـــي العصافير بْـتـِلـْعــَــــب وْبـِحـْقـــُـولـَك بـِتـْطيـر والـْـيَـمـامـِة بـْـتِــشْرَب مـِن نـَبـْـعـَك بـَـكـِّـيـــر الـرَّاعـْـيـِة الـسـَّـعـيــدِة غـِـنـِّـيــِّة مـِن عَيـْنـَيْـك والـْحـَـــوْرَة الـوحـيـدِة عـَم تـِـطـَّلــَع عـْـلــَيـك النـَّـاس الـْمـَوعوديـــن ضـَـيـَّعـْهـُن الضـَّـبـاب وعـْـيـون المـَقـْهورين سـِـهـْـرانِـة عَ الـِبـْواب مـِـن غـَيْـــرَك أنـــا وَحِــيـْــــــــــــــدة خـِـــــدْني بــإيـْــــــدي واجـْـعـَلـْـني أنــــــــــا قـِـصـِّة المـَوعوديــــن قـِـنـْـدِيـــل الـتـَّعبانـيـن وفـَوق الـِبـْيـُوت المـَهـْــــــــــــــدومـِة ضَوِّي فجْر النـَّاطـْرين حــِبـْـر الرِّســــالـِـــــة والـِـــع بــِـبـــــــــالـِـي حــِبـْـر الرِّســــالـِـــــة أمـانــِـة بــِـبـــــــــالـِي أمـانــِـة بــِـبـــــــــالـِي أمـانــِـة بــِـبـــــــــالـِي حــِبـْـر الرِّســــالـِـــــة يا نـَبـْـــــع اليـَنـابيــْــع يا ســـَيـِّـد الـْعـّـطـــايـا ســـــــــاعــِـدْنــــــــي تذكـِّرنا هذه الأغنية الابتهالية اللطيفة بمثيلتها في موقف مشابه من مسرحية "أيام فخر الدين" وهي (ياساكن العالي) وفي الأغنيتين إشارة بليغة من الأخوين عاصي ومنصور إلى أهمية اللجوء إلى القدير في أعاليه عند البسطاء الصادقين الطيبين الذين يرَون فيه (نبع الينابيع) و (سيد العطايا) و (حامي السلام) والملجأ عند النائبات والرَّجاء الوحيد حين تضيق فسحة الأمل. سجـَّـل الأخوان رحباني في مراحل مبكـِّرة براءة إبداع التلحين للنصوص نصف المـُقفـَّاة أو عديمة القافية وللنصوص النثرية الكاملة، وخاصة ما جاء منها في خانة الابتهال والتضرُّع .. ولا نعني بهذا أن النصوص النثرية التي اختارها أو كتبها عاصي ومنصور ليست شعرية، فالشاعرية الفائقة في نصوص كهذه، وإن هي وقعت خارج قيود الشعر العمودي والقافية وحتى الأوزان، تنقلها إلينا السيدة فيروز بأرق وأعذب صوت عرفته الموسيقا العربية وأكثر الأصوات قدرة على الدخول إلى أعمق أعماقنا وأبعد رحلات خيالنا واضعة تلك النصوص في أعلى مراتب الشاعرية، ولا بدَّ من الاعتراف للموسيقا بفضلها الرئيس. يبدأ الفصل الثاني بمقدمة موسيقية تعيدنا الأوركسترا مع جُملها الملوَّنة إلى زوايا في حياة أهالي جبال الصوَّان وقد نمت في نفوسهم روح التفاؤل والثقة بالمستقبل فأظهروا تعلـُّقـَهم بابنتهم غربة وعملوا بنصائحها فازداد حبـُّهم للشغل والبناء وتكرَّسَت روح العمل الجماعي والتعاون وانتشرت المحبة وازدادت الغلال وعادت السعادة إلى الوجوه ومعها الفرح وإحياء المناسبات دون أن ينسوا ليوم واحد أن وطنهم محتل وأن الفاتكيين يستغلـُّون قوَّتـَهم وعقلية البطش لديهم وتزايدَ عددهم في إرهاب الأهالي والتنكيل بهم وسرقة خيراتهم وإجبارهم على دفع الأتاوات، وأن حياتهم الجميلة وثقافتهم الإنسانية المسالمة اللتان لا تروقان لفاتك الأناني الدموي المتسلط، هما ذخر تراثهم ولن يتخلوا عنه. هاهي حنـَّـة، كبيرة الناس، تجالس الفتيات والنساء والرجال الذين تحلقوا حولها اتـِّكاءً أو جلوساً أو قـُرْفـُصاء أو وقوفا، في ساحة تبتسم في أغصان أشجارها المتدلية براعمُ ثمار الربيع الواعد وتداعب الأوراقَ الرَّخيصة نسائمُ قمم الجبل الشامخ ناثرة عطر أزهار الليمون وطيـُّون الحقول والرَّيحان. وبين من تحتسي القهوة ومن تتفحـَّصُ خطوط آثارها على الفنجان ومن يلفُّ سيجارة أو يتسلـَّي بحبات سـُبـَّحته أو تقليم عود في يده يقدم لنا المشهد الأول الطـَويل صوراً ممتعة ومهمة وتتخللها نـُكاتٌ ودعابات ذاتُ صلة بمحور الدراما. حنـَّة السـَّاحلانية تتقن التبصير وقراءة الفنجان التي تستهوي الفتيات وأحياناً الفتيان دون أن يعني ذلك اقتناع هؤلاء بصحة وصدق رؤى القارئين التي لا تتعدى التسلية إلا فيما ندَر. يرى البعض أن هناك علاقة بين خصوصيات شارب القهوة وما يخبـِّئه له الزمن والآثار الغرافيكية التي يتركها السائل الأسود الطيـِّب على جدران الفنجان البيضاء وحروف دائرته .. وتسعد الفتيات عندما تتشكل من هذه الخطوط أشكال ارتبطت بأذهانهن مع فرص للحظ الوفير والأخبار السعيدة مثل السمكة والطير والصرَّة والسلسال إلخ .. ولكن حنة الآن قلقة مما تتبصـَّرُه في فناجين الفتيات والذي يـُنـْبيء بحالة من التوتر الإستثنائي تتخطى فرحَ الناس وأعراسهم والهدايا. الصبايا: بــِـــالـْـفــَنـاجــــــــــــــــــيــن مـَـكـــْــتــُـــوبــِة الأســـْــــرارمـَـكـــْــتــُـــوب المـِـشــْـــــوار مـْخـَـــــــبـَّــايــــِة الـِعـــْـيـُــونعــْـيُـون اللـِّي بــِيـْــحـِـبـُّـــونـا عـْـيُون اللـِّي بـْيــِـعـْشـَـقـــونــاوالـِعـْـيـُون الـلـِّي بــــــَــــــــدَّا تــِرْشـــِـقــْـنــا بــْـنــَـبـْـلـِـــــــةبـَـصـّـريــلــْـنـــا يـا حـَـنـِّـــــة خـَـبـّــريـــنـــا يـــــا حـَـنـِّـــــةشـُـو بــِتـْـقــُول الـْـفـَـناجـِيــن؟ شـُـو بــِتــْـقــُول لـِلـْحـِـلـْـويـن؟فــَـرّحيـــنـــا .. حـَــزّنـيـــنـــا بـَسّ خـَـبـّــريـــنا خـَـبـّــريـــناحنـَّة بجدّية: بـَــــدُّو يـْـصـيـــر عـِـــــــرْس الصبايا: عـارْفـِـيــــــن بــِهـالـْعـِـــرْس أبـُو صَـقـر بـَـدُّو يـْجـَوِّز بنـْتـُوحنـَّة: لأ .. مشْ عِرْس بنت بُو صقر هــايـْــدا عـِــــرِس تــــــــــاني الصبايا: عــِـــرِس تــــــــــــــــــــاني؟ تــَــــرى عــِـــرِس مـِـيــــــن؟حنـَّة: عـِــرِس، مـِشْ مِتـْـل الـِعـْراس فـَــرَح، مــِشْ مـِتـْـل الأفــْراح وْبـَعـْـدُو بـَدُّو يـْصيـر عـْـــراس كــْـتـيـــــر بـَدُّو يـْصــيــــــــــــر عـْـــيــــاد كــْـتـيـــــر عـْـــراس وِعــْـــيــاد وْمـَواسـِم تِـــــــنـْعـاد وْكــِلــّكـُن تـِتـْجـَـوَّزو وْيـــِجـِـيـْـكــُـــن وْلاد الصبايا: شـــُــــو قــــالـِــت حـَـنــِّــــــة شـــُـــو حــِـكــْـيــِـت حـَـنــِّـــةحــِـكــْـيــِـت وْ مــا حِـكــْيــِـت وْغــَرَّبــِتــْـنـا حـَـنــــِّــــــــــــة يـا اعـْـيــــاد الـلـِّي جـــايـــــي يـا اعـْــراس الـلـِّي جـــايـــــي عـَـجــّـــلـي صــَـوبـْـنـــــــــــا طــْـلــَـعـي مـْـنِ الـِحـْـكـايـــــة وِيـْـطـِـلّ الـْخـِـيــَّــــال وْيـْـطـِـلّ الـْخـِـيــَّــــال يا للـِّي حامِـل سـَيْــفـُـو وْجـايي مـْن الـخِـيـَّـال جايـي عَ فـَرَسُو ياخُد الصَّبيـِّة وْإيـْدُو تـِلـْوي خِصْر الصـَّبـِيـِّة الشبان: بــَدْنـــــا نـَعــْــــرِف شــُــــــو قـــالـُـو الـفـَـــنـــاجـيــــــــــن؟الصبايا: لــَـيــْـــــش ؟الشبان: خــــايـْـفـــِـيـــن عـْـلــَـيـْـكــُـنالصبايا: مـِـن شــُــو خــــايـْـــفــِـيــــــنالشبان: مـَــرَّات الـفــَـــنـاجـيــــــــــــن بـْــيــــاخــْــدو الـصــَّـبـايــــــا عَ ضـِــيــــَـــع تــانــْــيــِــــــة نستمتع بالحوار اللذيذ على النغمات العذبة والألحان الطربية الجميلة فيصل بنا إلى حكايات الحب والغرام عندما تطالب الفتيات عبدو بوصف الفتاة (تفاحة) التي يحبها فيتحفـَّز الجميع للرقص الحيوي السـَّريع مع واحدة من أجمل الدبكات: الصبايا: تفــَّــاحة مـْنـَـعـْـرِفـْـها لـَكـِـن إنـْـتَ وْصـِفـْها حـَـتـَّى نــْـشــُــــــوف الـلـِّــــي بــِـيـْـحِـــــبّ كــِــيـْــف شـــايــِـفــْهـا الجميع: تفــَّاحة مـْنـَـعـْـرِفـْـها .. عبدو: بـَـيـْـضـَـا وْمـاوَرْديـِّة رِبـْيــِتْ حـَدّ المـَـيـِّـــة وْكـِـلّ يـَوم بـْقــُــــول رَح إقــْـطِفـْـها اليـــوم وْمـــــا بــِقــْـطــِـفــْهـا الجميع: تفــَّاحة مـْنـَـعـْـرِفـْـها .. عبدو: شـِفـْـتـا وْجـَـنـَّـيــْـت لـَمـَّـا مـَرْقـِــتْ بالســَّـاحة وْلـَمـَّا اسـْـتــَسـْمـَيـْـت قـالـــُو إسـْمـا تـِفــَّــاحـة الجميع بالتناوب مع عبدو: شـِفـْـتـا وْجـَـنـَّـيــْـت لـَمـَّـا .. (3) عبدو: يــانـَــوْم العـَـين يـا أحــْـلى مـْن الـِـحـْكـايــِــة ويـن كـِنــْتـي ويــن لـْـحــَدّ الـْيــَوم مـْخـَبـَّـايـِة؟ الجميع: يــانـَــوْم العـَـيـــــن الصبايا: يـا أحــْـلى مـْن الـِـحـْكـايــِــة الجميع: ويـن كـِنــْتـي ويــن الصبايا: لـْـحــَدّ الـْيــَوم مـْخـَبـَّـــــايـِة؟ عبدو: جـيـْـتـي والدِّنـيـي مِرْتـــاحـة يـا تـِفــَّــــــاحـة وْمـِـن يـَـوْمــا ماعـْـرِفــْت الـرَّاحة يا تـِفــَّاحة الجميع: شـِفـْـتـا وْجـَـنـَّـيــْـت لـَمـَّـا .. عبدو: صـَـبـُّـولـي الكـاس قـالـُـو بـَدِّك تـِنـْـخـِـطـْـبـي مـا عـِرْفـُـو النــَّاس إنـِّـك مـَحـْبـُوسة بـْقــَلـْـبي الجميع: صـَـبـُّــولـي الكـاس الصبايا: قـــالـُــو بـــَدِّك تـِنـْـخـِـطـْـبـي الجميع: مـا عـِرْفـُــو النــَّاس الصبايا: إنـِّـك مـَحـْبـُــــوسة بـْقـــَلـْـبي عبدو: يـا جـْـنـَـيـْـنـِة غـَـرْبـِـيـِّة رْيـاحـا يـا تـِفــَّــاحـة وْعـَصـْـفـُـورة عـَم يــِغـْلى جـْـناحا يا تـِفــَّاحة الجميع: شـِفـْـتـا وْجـَـنـَّـيــْـت لـَمـَّـا .. عبدو: طـِـلـِّي مـِن فـَـوق مِن حـَدّ النـَّـبـْـعـَة طـِلــِّـــي أنـا طـَيْر الشـَّوق عَ بـْـيـادِر قـَـمـْح وْغــَلــِّـــة الجميع: طـِـلـِّـي مـِن فـَــــوق الصبايا: مـِــن حـَدّ النـَّـبـْـعـَة طـِلــِّـــي الجميع: أنـا طـَيـْر الشــَّـــوق الصبايا: عَ بـْـيــادِر قـَـمـْح وْغــَلــِّــــة عبدو: شـُــوفينـي مـْسـَـطــَّـح بالسـَّاحة يـا تـِفــَّـــاحـة وْبـَـدِّي مـِــن خـَـــدِّكْ تــِفــَّـاحـة يـا تـِـفــَّـاحـة الجميع بالتناوب مع عبدو: شـِفـْـتـا وْجـَـنـَّـيــْـت لـَمـَّـا .. (3) المشهد التالي استراحة كوميدية مع نعـُّوم الهبيلـِة (فيلمون وهبي) وجميلة (هدى حداد) وحديثهما اللذيذ الذي يتضمن تلميحات عن الفاتكيين الذين يراقبون الأهالي ولا يتقبلون الحياة الطبيعية للشبيبة .. وهاهو شهوان، الذي يتذمـَّر منه الأهالي وقد بدأ معظمهم يعتبرونه وجميع من يتعامل معه من جماعة فاتك، يقترب من جميلة متسائلاً عن سبب الفرح والمرح: شهوان: شـُـو؟؟ .. قـال أبو صـَقـِر بَـدُّو يـْجـَـوِّز بـِنـْتـُو؟ جميلة: بـَعـْدَك لـَ هـَلــَّـق مش عارِف؟ شهوان: عـــارِف .. بسّ شـايف استـِعـْدادات وْهـَيـْصـَة، وْشي بيرُوح وْشي بـْيِجـي !! دَخـْـلـِك هـــايـْدا عـِــــرِس وَلاّ مـُظـــــاهـَـرَة؟ جميلة: وْلـَيـْـش زَعـْـلان؟ .. تـْجـَوَّز مـْـنـَعـْمـِلـَّك أكتـَر من هـَيـْك ! ثم يكلـِّم شهوان نفسه مغتاظاً وهو يبتعد عن المكان: بـَسيـْطـَة .. يـَــوم عـيـد يـَــوم عِـرس .. هايـْدا كِلـُّـو تـِهـْديد مـْخـَـبـَّـا والـلـِّي فـَـوق ما عـم يـِسـْمـَعـُو .. العـَمـى .. شو ما إلـْهـُن دِيـْنـَـيـْن؟! ويـأتي موعد العرس وقد تهيـَّأ الأهالي نفسياً للاحتفال بحضور فتاة جبال الصوان التي ملأت حياتهم حباً وتفاؤلاً وثقة بالمستقبل وشدَّت من عزيمتهم فولـَّى الخوف من الفاتكيين وازداد التمسك بثقافة الأجداد وعاداتهم وبحبهم للحياة والسلم والفرح. في محيط السـاحة مقاعد لكبار الضيوف أمامها طاولات صغيرة عليها ماطاب من المازاوات الجبلية والمكسَّرات وكؤوس العرق والنبيذ و في صدرها كرسيـَّان مزخرفان للعروسين بينما أفـْرِغ وسطُ الساحة للدبكة التقليدية التي سيدقُّ لحنـَها الطبلُ مرافقاً للمزمار والمُجْوز وسيغني للعروسين وللبلد شاعرُ الجبل عبدو الراوندي. بعد لحن توحي جملته الأولى بحالة الترقب يصل الموكب على نغمات مارشية هادئة متموجة كخيوط الحرير تغازلها نسماتٌ لـَعُـوب تنفرج معها أساريرُ الحاضرين وترتخي عضلات وجوههم كاشفة عن ابتسامات السعادة والهناء وهم يستقبلون العروسين بالورد والزغاريد: عبدو: طـَلّ الـْعـَريـْس وْعـَروسـُو .. وْعـــافـى اللــــــــــــه الجميع: يـــا هــُـــــــــــــــــو و و و و و ويحيي عبدو والآخرون الأشخاص القادمين تبـاعـاً بتهليلة تراثية: عبدو: لاهــْــل العريــس الأكــارِم .. وْحـَـيــَّـا اللـــــــــــــه الجميع: هـــــــــــــــــــــــــــــــــاي عبدو: وْلـَعـْـيـُـون أهــْــل العروس .. وْلــَبـــُـــــو صــَقــــر الجميع: را عِـيـْـــ هـــــــــــا عبدو: وْلـَعـْـيـُـون ســَــعـْـد الـلــِّـــــي يـَــــوم الـضـَّـــــيـْــم الجميع: حـــا مـِـيـْـــ هـــــــــــا عبدو: وْلـَعــْــيـُــــون غــِـرْبــِـــــة الجميع: غــــــــــــــِـرْبــِــة عبدو: غــِـرْبــِـــــة الجميع: غــــــــــــــِـرْبــِــة عبدو: وْلـَعــْــيـُـــون غــِـرْبــِـــــة وْنـَـبـْــع المَجـْد يسـْقيهــا وْلـَعــْــيـُــــون مــِـدْلــِـــــج الجميع: هـــــاي .. هـــــاي .. هـــــــــــــاي عبدو: وْلـَعــْــيـُــــون مــِـدْلــِـــــج الـلـِّــــي وَلــَّـــع لياليـْهــا الجميع: عـِيـْـش عـِيـْـش .. أورا أورا .. عـا فــى الــَّـله يـــــــــــــــــــــــــــــــا هـُـــــو و و و و و الزفـَّة التقليدية شرط لا يقوم العرس بدونه وهي محببة جداً ويتقبلها العروسان بغبطة ويشترك في تهليلاتها الجميع وقد يكون من المستحيل أن يتم عرسٌ دون حضور ردّاد وردّادة محترفين يرحبان بالأهالي والضيوف ويعربان عن السعادة ويباركان للعروسين ويتمنيان للفتيان والفتيات أن تكون العـُقبى لهم قريبة. وبما أن العرس لا يخلو من الراقصين بالسيف والتـِّرس فقد حضرهؤلاء ولوَّحوا بسيوفهم مع مرافقي سعد وغربة الذين حيّوا الوطن وسماءه ببنادقهم وأصوات الهلاهيل .. ويأتي دور النساء، تمثـِلهنَّ حنة: حنـِّـة: إيْ وِيـــْـــهــــا يــا نـِجـْـمـِة الصـِّبـح عَ دار الـْـ لـِنــا طـِـلـِّـــي إيْ وِيـــْـــهــــا حــَدّ العريـْس وْعـَرُوسـُـــو للصـِّبـِح ضـَـلـِّــي إيْ وِيـــْـــهــــا وْيــا غــار فـَـرْفـِط زهـُـــورَك عَ أهـالي الدار وْقــَـنـْديـْـــلـِـك الـْعـِــــــزّ يا هالــْـقــَـنــْـطــَــــرة تـْـعـَـلــِّـــــي النساء: وْ لــيــلــيــلــيــلــيــلــيــلــيــلــيــلـيــــْــــــــــشْ ويعرب شاعر وفنان الجبال عن السعادة التي غمرت الأهالي وهو يرحب بغربة ويقدمها للأهالي: عبدو: يـامـِيـــجـانـا وْ يـامـِيـــجـانـا وْ يـامـِيـــجــانـا سـَعـْـدُو الأحـِـبــَّـة طـُــــول يـالـَيــْـل الهـَـنــا المحتفلون: سـَعـــْـدُو الأحـِـــــــبــَّـة طـُـــــــــول يــــالـَيــْــــل الهـَــــــــنــا عبدو: يـا لـَيـْــــــــل الـلــِّـي أرْض الـْـوَرِد حــَــــدُّو مـَـيــِّـل عَ الـْـعـَرِيـْس وْ عَ الـلــِّـي حــَــــــدُّو وْيـا ســَـيـْف الـْ لـِـنــا مــا مـال حـــَــــــــــدُّو بـْـســـاحــــات الـْـمـَـجـــِـد إلاّ وْصــــــــــابْ يـــا ويــْلـي يـــا ويــْلـي يـــا ويـْــــــــــــلــي عبدو والمحتفلون: سـَعـــْـدُو الأحـِـــــبــَّـة طـُـــول يــــالـَيــْــــل الهـَـــنــا غربـة: لـَـلــْعـِــــــرْس المحتفلون: لـَـلــْعـِــــــرْس غربـة: لـَـلـــْحـُـــــــبّ المحتفلون: لـَـلـــْحـُـــــــبّ غربـة: لـَـلــْعـِــــــــــزْ المحتفلون: لـَـلــْعـِــــــــــزْ غربـة: لـَـلــــــــــــدَّار المحتفلون: لـَـلــــــــــــدَّار غربـة: يــــــــادار يـــادارنـــــــا حــنّ الهـَــــوى فــيـْـكـــي المحتفلون: حــنّ الهـَــــوى فــيـْـكـــي غربـة: يامـْعـَـوَّدِة عَ الـْـوَفــــــــا الله يـْـعــــــــــــا فــيـْـكــي المحتفلون: الله يـْـعــــــــــــا فــيـْـكــي غربـة: بـِطـْلـُب تـْضـَلـِّك سعيدِة مـْـعـَـــــــزَّزِة يـــــــــادار وِبـْـوابـِـــك مـْشـَرَّعـــة والـْحـُبّ راعــيــــــــــكي المحتفلون: عــــــــــا فــــــــــــــــى أروع الكلمات والمعاني تتفتق عنها قرائحُ المحتفلين بالأعراس .. خاصة عندما تندمج في صُوَرِهم آياتُ الجمال الطبيعي بآيات العشق وبمشاعر الفخر والاعتزاز بأمجاد الوطن في عليائه. والأخوان رحباني، شاعرا كافـَّةِ المواقف وجميع الأحاسيس يتغزَّلان بالأرض والدار والناس ويرسمان من خيوط الحياة الجميلة لوحات تـُطـْرِب المستمع وترحل به كما فوق بساط الريح يداعب الغيوم ويناجي الشمس وإشراقتها والليل وقمره والنجوم ويتنقل بين الوديان والبساتين والجبال والضـِّيَع وساحاتها وأسطح البيوت وأبوابها المشرعـَّة ويرصد حركات الناس وطقوسهم وأفراحهم وأحزانهم وهواجسهم، بلغة رحبانية تـَقـْطـُرُ شعراً وفناً، من كل ثناياها، وجمــالا. تسلطنت فيروز بهذا الموَّال وانتشى العروسان والحاضرون وتحفـَّزت القلوب في الصدور الواسعة وتهيـأت أطرافُ الصبايا الناعمة والشبان القوية فتشابكت الأصابع واشرأبت الأعناق وبرزت الصدور استعداداً لدبكة جميلة على أغنية الفنانة العظيمة فيروز مهداة للدار المتطلعة إلى السماء ولأي دار يبنيها أهلوها بسواعدهم ويحمونها بصدورهم: فيروز: يـــادارِة الـْـعـَــــــــــــلالــي يامـْسـَــوَّرَة بـالــْغـــَـضـــَب عَ جـَـبـْـهـــِـــة الـْـلــَّيـــــالي إسـْمـِــكْ ضـُـوِي وانـْـكـَتـَب يـــــــادارِة الـْــــــعـَـــلالــي الكورس: يـــادارِة الـْـعـَـــلالـي .. فيروز: يـا بـْـنـَـيـِّــة الـْ عَ الـْـفــَـرَس وِمـْـشـَنـْـشـَلـِة بـالــْحــِـــلـَـى يــِنـْـدَه عــَلـَيـْـكـي الـْحـَرَس لا تـِجـْـرَحيـه بـالـــــْـحـَــــلا الكورس: يا بـْـنـَـيـِّـة الـْ عَ الـْفـَـرَس .. فيروز: نــاطـُـورِنـا الـلــِّي غـِــــدي عَ الـْـكــَرْم قــَـبــْـل الـنــِّـدي قـَـلـْـبـُـو حـِـكـي عَ الـْـهـَـــدا واهــْـتــَّـزّ نـَـهـْـر الـقـَـصـَب يـــــــادارِة الـْــــــعــَـــلالــي الكورس: يـــادارِة الـْـعـَـــلالـي .. فيروز: يـا مـْـزَنــَّـرة بــالــْـخـَـطــر صـَـوب السـَّـمـــا تـْـلـَـفــَّـتي عَ بـْـيــــادِرِك والـشـَّـجـــر يــِرْبـَى هـَدِيــــر الـْ لـِـكـِـــي الكورس: يا مـْـزَنــَّـرة بــالخـَـطـر .. فيروز: أهـْـل الـْـوَفــا مـَـيـَّـلـُـــــــو عَ بـْيـُــــوتـِكِ الـلـِّـي عـِـلـُــو يا خـِـصـْـرِ دايــِب غــِـوى تـحـْـت الـْـحـَكـِي والـْعـَتـَـب يـــــــادارِة الـْــــــعـَـــلالــي الكورس: يـــادارِة الـْـعـَـــلالـي .. فيروز: مـِـن فـَـوْقِ راس الـْـجـَبــَل طـَـلــُّـو وَعـِـيــْد وْحــِـــــــدا وْشـَعـْر الصـَّـبـِيـِّة انـْجَدَل رايــِـة عَ وِجّ الـْـمـَـــــــــدى الكورس: مِن فـَوْقِ راس الـْجـَبـَل .. فيروز: طــاب الرَّنيــن وْغـِـلــــي وْصــَـوْت البـَشـايـِر عـِــلـي والـْـلـِّي انـْكـَتـَب عَ المَجـِد بــِكــِلِّ سـَيـْــف انــْـكــَـتـــَب يـــــــادارِة الـْــــــعــَـــلالـي الكورس: يـــادارِة الـْـعـَـــلالـي .. فيروز: يـــادارِة الـْـعـَـــلالـي الكورس وفيروز: يــــــــــادارِة الـْـعـَـــــــــــلالـي تنتهي الأغنية الرائعة والدبكة الجميلة ويتوجه أبو العروس مُودِّعاً ابنتـَه، مـــُوصِيـاً، وقد امتزجت مشاعر الفرح بمشاعر الحزن بسبب الفراق (يا زهرة الغـَلا .. من هالبَيـْت رايـْحَة) دون أن ينسى حال الوطن (العريـس نـاطر .. والسـّلاح نـاطر), وهو يـُصلـِّي من أجل سعادتها مع عريسها (وْيا صبح الرِّضى عَ طَريقـُن ضـَوِّي .. رَجـِّعـْلا الفـَرَح والفـَرَح قـُـوِّة) .. أما هدية العرس فهي الأرض .. الأرض الغالية التي اختلط بترابها تعبـُه وعرقـُه هو وزوجته. وأما غربة التي حرَّك الموقف مشاعرَها النبيلة فقد انتزعت من يدها الطـَّرية إسوارتها وقالت: غربة: وْمـِنـِّي أنـــــا هــْــــدِيـــِّــــة إســـْــــــوارَة فـِـضـِّـيـِّـــــــة بـَعـِـدْهـــــــا بـِـإيـْــــــــــدي مــِـنْ إيـَّــــــــام بـَـيــِّــــــــي وتضيف إلى هذه الهدية أجمل أغنية قدَّمها التراث الفني العربي لحفلات الزفاف وهي (عروستنا الحلوة) بمقامها الطربي الفرِح (سيكا / أوج عراق) وكلماتها العذبة وحوار مكونات التخت الشرقي في أوركسترا الأخوين رحباني مع بعضها من جهة وبينها وبين السيدة فيروز والكورس من جهة ثانية. بعد عام 1969 لم تـُزَفّ عروسٌ في معظم بيوت السوريين وبعض جيرانهم دون أن تكون أغنية الزَّفـَّة (عروستنا الحلوة) وقد أصبحت هذه الأغنية حـُلـُمَ كلّ صبيـَّة تتخيـَّل في إغماضة عين عرسَها وفرحها .. وقد جاءت هذه الأغنية بعد سنتين من أغنية (اطـْلـَعي يا عروسة عَ الكرم نـَقـِّي عنب)، في فيلم "بنت الحارس"، والتي أحبها الجمهور الرحباني، فكرَّست عذوبة أغنية الفرح الرحبانية وكرمها. فيروز: عَروســِــتـْـنـــا الـْحـِلـْــــــوِة يا نيـْـســــــــانـِـة يا حـِـلـْــوة يــــــــــــــا مـِشـْـــــــــــــوار مـِـن دار لـَـــــــــــــــــــــدار يـــــــــــــــــــــــا حـِلـْــــــوِة الكورس: عَروســِــتـْـنـــا الـْحـِلـْــــــوِة ... فيروز: تـتـْـبـارَك حـْـجـــار البـَيـْـت تـتـْـبـارَك الـْـعـَـتـْـبــِــــــــــة والـْـخـَوابـِي نـْـبـِـيــْد وْزَيـْت وِتـْـفـِيـْـــض الـْـمـَـحـَـبـِّــــــة الكورس: تـتـْـبـارَك حـْـجـــار .. فيروز: / كــُــوني قـَـمـْـح وْسـِـكـَّــر كــُــونـي وَرْد وْعـَـنـْـبــَــَـــر / (2) وقـَـنـْـديـْـل الــــــــــــــزُّوَّار الـلـِّــي مـْـتـَـوَّج بالنــَّــــــــار يـــــــــــــــــــــــا حـِلـْــــــوِة الكورس: عَروســِــتـْـنـــا الـْحـِلـْـــوِة .. فيروز: كـِـبـْرُو زْهـُـور الـْـبـَساتـيـن مـِتـْل الكـِّـذبــِة كـْـبــِـرْتـِــــي وِحـْلـيـْتـي بـَيـْـن الـْحِلـْـويـن وْ لـَـعـَـريـْسـِـك طــِـرْتــــــي الكورس: كـِـبـْرُو زْهـُــــــــور.. فيروز: / عَ الحـُبّ تـْــــلاقــَيـْـتــُـــو وْعـِـمـْــرِت قـِـصـِّـة بَيـْتـُـــو / (2) وْدار الـْهـَــــــــــــــــوى دار مـِـن دار لـَــــــــــــــــــــدار يـــــــــــــــــــــــا حـِلـْــــــوِة الكورس: عَروســِــتـْـنـــا الـْحـِلـْـــوِة .. فيروز مع الكورس: عَروسِتـْـنـــا الـْحـِلـْـوِة .. الكورس بالتناوب مع فيروز: يـــــــــــــــــــــــا حـِلـْــــــوِة (3) في الأغنية علاوة على الموسيقا الرائعة جملة من الصور اللطيفة والمفردات والتعابير الجميلة المرتبطة بطقوس الأعراس في بلاد الشام مثل (تـتـْبارَك حـْجار البـَيـْـت تـتـْـبـارَك الـْعـَـتـْبــِة) التي أتت من العادة التي تقوم بها العروس بلصق قطعة من العجين الطازج على وجه عتبة باب الدار قبل أن تخطو خطوتها الأولى إلى بيتها مبارِكة إياه .. صورة أخرى مرتبطة بالخير الذي تبدأ ملامحه مع اليوم الأول من الحياة الزوجية بفضل الهدايا التي يتقدم بها الأقارب والأصدقاء والجيران فتمتليء خوابيهم وأكياس المؤن (والـْخـَوابي نـْبـِيد وْزَيـْت وِتـْفـِيـْض الـْمَحَـبـِّة) ويتمنى الجميع للعروس أن تبقى مصدر الخير والنور (كوني قـَـمْح وْسـِكـَّر), و (قـَنـْديـْل الزُّوَّار) . بانتهاء الأغنية يكون موكب العروسين قد تحرك باتجاه بيتهما الجديد تاركين الأهل ومزيج الحزن والفرح. والمسألة عند أبي صقر تتعدى عرس ابنته الذي انتهى بالفرح وعلى الخير، فالقلق على العرس التالي يشغل باله (مدري كيف رح يخلص ؟!)، العرس الذي تنتظره القلوب وهي خائفة وتتوق الأرض إليه وحبات ترابها العتيق ووجدانها يتأرجح بين مشاعر الفرح بالنصر والحزن لفداحة الثمن. لم ينم أبو صقر بعد العرس في بيته .. لأكثر من سبب: فما جادت به قرائح المحتفلين بالعروسين فاقت حدود الفرح الاعتيادي وتحولت الأهازيج والكلمات والألحان إلى قوة (رَجـِّعـْلا الفـَرَح والفـَرَح قـُـوِّة) أقلقت الفاتكيين وأنذرت بقـَضِّ مضجع زعيمهم الذي يكره الفرح والعيش الهنيّ ويتوق لسيفه والحرب. وها قد أتته الفرصة من أهالي جبال الصوان الذين يلمـِّحون لأعمال تقع في خانة التمرد والعصيان وهم يسيرون خلف ابنة مدلج. ولهذا فقد بدأت حملة فاتك المتسلط بمداهمة بيت أبي صقر وسـَوقه مع زوجته إلى السجن دونما حاجة إلى تبرير. وكردٍّ على عرس ابنة أبي صقر وفرح الأهالي يعلن فاتك المتسلط موعداً للاحتفال بـ (عيد النصر) ويطالب الجميع بحضوره .. يقرر الأهالي مقاطعة الاحتفال لما يمثله من استفزاز لمشاعرهم وطعناً لهم في كرامتهم ولكن شهوان، عميل فاتك، يحذر الأهالي من المقاطعة ويَعتقل عبدو الراوندي إلى حين ينطلق الاحتفال مجبراً إياه على تأليف قصيدة والغناء لـِ (مولاه فاتك)! ويتحدّى الجميع بأن مقاطعتهم لن تؤثر لأنه يحضـِّر لاستقدام رجال من أهالي الجرد لكي (تـِعـْجـُق شـَعـْبيـَّـاً)! يحين موعد الاحتفال ويتحرك باتجاه ساحته موكب فاتك المتسلط تتقدمه ترتيبات سلطانية وحرَّاس وحَمَلـَة بيارق خضراء وصفراء وعساكر بسيوفهم ورماحهم ملأوا المكان ويظهر بعض الأهالي وقد اقتيدوا قسراً لحضور الاحتفال بينما تمختر شهوان وجماعته من العملاء وهم يتقدمون اقتراباً من منصـَّة فاتك الذي تصنـَّع المهابة بوجه قاسي الملامح وعيون جاحظة وأنف مرفوع منتظراً الترحاب (يا سيـِّد المعارك) والمديح (مَجـْدَك عـِلي بالمَشارِق) والهتاف بحياته (جـَيـْشـَك بـِيـْحـَيـِّيك) والإعراب عن الولاء (يـِعلى يعلى يعلى) رقصاً وغناءً وشعرا .. يحمل نشيدَ المعارك وبيارقـِها لحنٌ عسكري تغلب فيه أصوات الطبول والصنج والأبواق يصاحب خطوات العساكر وهم يستعرضون أسلحتهم و(بيارق الضـَّجيج القديم ، منارة اللـَّهيب العظيم الوسيعة السنـِيـِّة العليـِّة) ولما بدا كل شيء باهتاً ولم يعجب فاتك اقترب شهوان مُقدِّماً شاعر جبال الصوان في قصيدة يظنها (مديحاً) لزعيمه، يقولها عبدو مستهتراً بالمسلـَّحين المحيطين به: عبدو: قـِــــــدَّام عـَسـْـكـَرْ طــايــِفِ عـْلــَـيـِّي وْدَعـْســات تـِهـْـدُر والمـَـدافـِـــع نـــار وْقـِــــدَّام حـاكـِم بـَـيـْـرَقــُو مـْـفــَيــِّــي حــَـوْلــَو جـْـيـُـوشـُو والسـُّـيوف كـْتـار بـِعـْلـِن بـِـصـَوتـي بـْـشـَـوق عـَيـْـنـَيـِّي بـْـإيـْـدي الـْمـِشـْتـاقـَة لـَمـَحـْـو الـْعــــار حـَـيــف لـْـعـَـدُوِّي قــُـول غـِـنـِّـيــِّــــة وَحـْـدا لــَ أرْضـــي بـْـتـِـلـْـبـَـق الأشعار الأهالي: لـَعـْيـُون مدلـِج وْغـِرْبة تـِـلـْبـَق الأشعار ومن الطبيعي أن يغضب المتسلط فوراً معرباً عن ذلك بقيامه وقد احـْمرَّ وجهُه غيظاً وحنقاً فأمر ديبو عناصره بإلقاء القبض على عبدو والأهالي (امسكـُوهُن) وحيال القلق الذي ولـَّدته أبيات عبدو صرخ شهوان محاولاً تفادي الموقف بهتاف (يعيش مولانا المتسلـِّط) قابله فاتك بأمر غاضب (انـْهولي الإحتفال). بعد خروج العساكر وحملة البيارق المنكـَّسة والجميع على لحن مارش عسكري حزين وكأن الخارجين يجرون الخيبة والفشل وراءهم يتحدث فاتك إلى ديبو وشهوان اللذين بقيا معه لتفسير ما حصل. كان قلب شهوان يطرق بسرعة خوفاً من عنف فاتك الذي لم يقتنع بحجة عميله (يا مولانا أنا عملت جهدي تـَ تـِعـْجُق شعبياً، النـَّاس قاطعو .. ودَّيْنا الطـّنابِر عَ الجرْد رِجـْعـُو فاضـْيين .. كان لازِم نـْلـَبـِّسْ شـْوَيـِّة عَسكر متل الأهالي) فأمر بسوقه إلى السجن (خـُدوه). فاتك: ديـْـبُو .. جـِبـْلي غربة لـَهـَون ديبو: يا مولانا .. بلـْـكِة ما قبـْـلـِت تـِجي؟ فاتك صارخاً: جـِيــبـا بالـْـقــُـوِّة ديبو: الـْـقـُـوِّة بـِتـْـكـَلـِّف دمّ فاتك: بـِتـْـكـَلـِّف دمّ ؟؟.. صـارِت بـْهالـحـَجـِم ؟ لـَيْش؟ ديبو: يـِـمـْكـِن تـْأخـَّـرْنـا فاتك: وْشـُو رأيك ياديبـو ؟؟.. ديبو: شامِمْ رِيْحـِة الثـَّورَة ..يا بَدْنا نـْفاوِضـْها، يا بَدْنا نـِقـْتِلا فاتك: شـُو بتـْقـُول إنت ؟؟.. ديبو: لازِم نـِقـْـتُل غربة .. مـْـنِقـْـتِـلـُّن ثـَوْرِتـُن فاتك: وْبـَلـْكـِي ثـارو أكـْتـَر ؟؟.. ديبو: ساعـِتـا مـِنـْقـاتـِلـُن فاتك: قـَدّ المـاضي ؟؟.. ديبو: يمكـِن أكتـَر .. بالماضي مـِيـِّة ليلـِة .. هالمَرَّة مـِيـِّة وْخـَـلـْـفا مـِيـِّة عـَشـْر سنين عم يـِزْرَعـُو أرْضـُن غـَضـَب فاتك: حـَضـِّر حالـَك وابـْـعـَتـْلي ورا غربة .. لازِم تـْـواجـِهـْني سنوات سيطرة فاتك وتسلطه على أهل جبال الصوان لم تـُنـْه فيهم روحَ التمرد عليه والكفاح من أجل الحرية، وإن أدت شدَّة قمعه وسياسة البطش والإرهاب التي مارسها عليهم إلى خوفهم ويأس بعضهم وهجرة آخرين. ومازال أمام غربة الكثير لعمله كي تعيد إلى الأهالي الثقة بالنفس والعزيمة القوية والتضامن والسير في طريق الثورة ودحر العدو، فهي طريق صعبة وتتطلب بذلاً وشجاعة واستبسالا. ففي حين يتردد البعض بسبب خوفهم من الحرب ومن قلـَّة عددهم وعدتهم (وْيرْجع الـِقـْتال مـْن جـْديد؟!) تحذرهم غربة الواعية والكريمة النفس مما يدفعونه من ثمن. الوعي أكثر ما يقلق الفاتكيين وعملاءهم .. صرَّّح بهذا شهوان محذراً (وِعـْيـُـو وِعـْيـُـو) عندما أحسَّ بدور غربة وشاهد بعينيه وسمع بأذنيه ما فعله الأهالي وما جاء في أغاني غربة والآخرين في عيد العنب وفي عرس ابنة أبي صقر. للوعي ونشره مكانة كبيرة في الأدب الرحباني. في جميع أعمال الأخوين حِصصٌ لهذا العامل الكبير الأهمية في التحرر والتطور الاجتماعي. والوعي ثقافة .. والجهل وحَصْر انشغال العقل بتوافه الأمور، كالمال والممتلكات والنفوذ والتميز الفردي، سلاح فتاك يستخدمه أصحاب المصالح الأنانية لقمع الناس واستعبادهم. وأكثر ما سلط الأخوان رحباني الضوء عليه هو العلاقة بين الوعي وحرية الوطن والناس. فغربة، التي أدركت في سنوات غربتها العشرة في بلاد المهجر دورَ الوعي في ضمان الحرية والحفاظ عليها نقلت معرفتها إلى أهل جبال الصوان منذ وصولها (لما صار الوقت جيت) .. وفي عيد العنب طـَمْأنت الناس بأنها وآخرين ليسوا نائمين بل يحضِّرون أنفسهم للثورة على الطغيان (لـَوِّح ياسـَيْف رَجـْعِتـْنا قـَريبـِة) وأن الوعي بدأ يعمّ الوطن (من حيّ لـْحيّ عم توعى البـَشاير) وأن الحرية قادمة لامحالة (شمس الهـَنا جايي والليل عم بيروح) وأن العدو إلى الهزيمة (هَرَبو التـَّعالب من وِجّ النـَّواطير)! .. وعندما حاول الفاتكيون الذين أغاظهم بناء (بلاد الفيّ)، (قـَناطِر مضويـِّة) والفرح الدائم في أبراجها وساحاتها، عندما حاولوا إعادة الأهالي إلى حالة اليأس والإحباط عن طريق نشر الإشاعات وخلق البلبلة في صفوفهم، ظهر دور الوعي والشجاعة على لسان غربة (هدِّتـْكـُن الإشاعات؟) و (لا تـْخافـُو) مذكـِّرة الجميع بما سجـَّله تاريخ البشرية من مآس (غـَمَر الطـُّوفان الأرض - هـَدَمِت الـِحـْرُوب المُدُن - اسـْتـَعـْبـَدو الظـُّلاّم النـَّاس) وكيف تجاوزها الإنسان بنضال (اللـِّي بـِقـْـيـُو) .. نحن مع الأخوين رحباني في واحدة من أهم المزدوجات .. فلئن ظهرت القوة للسلاح الفتاك عند من يستسهل القتل وتغبطه المعارك وصليل السيوف فإن سلاح الخير والمحبة والعمل البنـَّاء أقوى، ومقابل عبارة بلهاء لفاتك استهان فيها بدور الوعي (الرِّيـْح اللـِّي قـَـصـَّـفـِت كـْعـاب الجـَوز ما بـِتـْقاوِما الوَرَقـَة) جاءت على لسان شهوان عبارة ذات دلالة (مـَـرَّات نـِـقــَط الشـــِّــتي بـْتـحـْفــُر حـَيـْط القــَلـْعـَـة). في حوارها مع بعض الأهالي ذكـَّرتهم غربة بأن شمس الذلّ حارقة أطاحت بالمجد وشرَّدت الكثيرين الذين مازالت عيونهم على من بقي في الوطن يسعى لتحريره. وهنا أيضاً يعرض الأخوان مفهومهما لمسألة الهجرة تحت الضغط وقهر المحتلين. وهي ليست المرة الأولى التي يعرب فيها أكثر شعراء وأدباء وفناني لبنان وطنية وصدقاً وطـَليعية عن رفضهما للهجرة حلاّ للمعاناة والفاقة. في "البعلبكية -1961" غنـَّت السيدة فيروز أغنية "لـْوَين رايـْحين" التي تحاور فيها مجموعة من الشبان يرحلون عن الوطن لتلك الأسباب، وعبـَّرت الأغنية عن رفض رحباني للهجرة (وهالأرض لـْمين مـْنِتـْرِكـْها؟! .. مـْنِتـْرِكـْها للدِّيب؟ .. ) حاول بثَّ الأمل وروح التفاؤل في نفوس من ضاقت بهم السبل أو أتعبهم الغبن مصـّوِّرين لبنان بالغني والقوي، تكريساً لما جاء في قفل مسرحية "موسم العز" قبل سنة من ذاك التاريخ (وِزْغـَيـَّرَة وِمـْشـّيـَّرَة عَ الغيم بـِتـْزُوغ وِبـْتِحْكي عْصافيرا شـُو بـْيـِمـْرُق عـْلَيـْها رْياح وْضـَيـْم وْبـِتـْضـَّلا تـْلاقي نـْواطيرا). فتاة: اللـِّي تــْشـَرَّدُو لـِقـْـيـُو ناس يـْآووهـُن وْصـارو ضـْيـوف غربة: اللـِّي مـَطـْرود مانـُّـو ضَيـف .. حــامـِل حـِـزْنـُــو مـَعـُـو وْحامِل الحـِزِن بـْيـِهِرْبـُو مـِنـُّو النـَّاس، بيخافـُو يعـْديهـُـن يستمر الحوار مستعرضاً الصعوبة التي تواجه غربة في توعية البسطاء الذين لا يرون ماتراه ولا يدركون ما خلف الصور .. هم ببساطة، ونتيجة ما يقاسون ينطلقون من مقولة (مطرح ما بـْتِرْزَق إلـْزَق) .. هاهو أحدهم يقول لغربة (الإنسان بيعيش وين ما كان) فتجيبه: غربة: بيعيش .. لكـِنْ كيف؟؟ بيضـَلـُّو يسـْألـُوك: إنتَ شو إسـْمَك؟ بـِـتـْـقـِلـُّـن إسـْمي فـْلان ما فـيـــك تـْكـُــون بـَــلا إسـِـــم بيضـَلـُّو يسـْألـُوك: إنتَ مِنْ وَيـْن؟ بـَـدَّك تـْـقـُـول من وَيـَن ما فـيـك تـْكون مش من مطرَح إذا فـيـْك تـْعـِيـْش بـَلا إسـِم فـيك تـْعيـْش بـَلا وَطــَن تتفق هذه الرؤية مع ما جاء في رواية (أصول) للأديب أمين معلوف في نفس الموضوع: "أنت مـُلاحَقٌ على مكان ولادَتِكَ من المهد إلى اللحد" أحَدُهم: الوطن .. البُطولـِة .. الأرض مش أغلى مـْن الحياة غربة: الوطن .. البُطولـِة .. الأرض مش أغلى مـْن الحياة .. صحيــــــح بَسّ الشـَّماتـِة أصـْعَب مـْن الـْمـَوت هو القتال إذن!!.. يقترح أحدهم الاتصال قبل البدء، بأقارب مهاجرين طلباً للعـَون فترفض غربة (اللـِّي بيحارْبو من برّا بيـْضـَلـُّو بـَرَّا) وعلى الذين يخشون من عدم التكافؤ (عـَسـْكـَرو عَ العالي .. محتلّ العـَلالي) ترد غربة محذرة من الخوف (بعد في بقـْـلـُوبـْكـُن خـَوف) ناقلة لنا الرؤيا الرحبانية الصحيحة في المواجهات: غربة: لمـَّا بـْيوقع الـِقـْتال بين اتـْنـَين .. واحد بَدُّو يـْخاف .. واللـِّي بيخاف بـْيِنـْغـلِب وتذكـِّرُهم بخوفهم يوم قـُتل والدها الذي لم يخف (والسـَّيْف قـْبال عـْيونو) مُرجـِعة السبب الرئيس في ذلك إلى خوفهم (لو ما خفـْتـُو كان فاتِك خاف) .. نجحت غربة بتجنيد الأهالي وحضـِّهم على حمل السلاح لمواجهة الفاتكيين وتحرير جبال الصوان منهم .. هاهي تتركهم ذاهبة إلى فاتك دونما جزع (هايدي آخر مرَّة مـْنِحـْكي) لأنهم (فـَتـَّحو شــْبابيكـُن .. شمْسُن ما عادت تغيب!) مُودِّعة (وإذا ما عِدْنا تـْلاقـَيـْنا، قلبي معكـُن). الموسيقا المرافقة لحوارات هذا المشهد الطويل لا تقل جمالاً عن ألحان الأغاني .. فهي تحمل الصور والمعاني على راحتين بارعتين تمثلان عقلي عاصي ومنصور وخيالهما الواسع وأنامل وقبضات عشرات العازفين المهرة مقدمين الموسيقا التصويرية الجميلة التي لا يمكن لمن شاهد المسرحية أواستمع إليها إلا أن ينتبه إلى قيمتها الفنية. يودع الأهالي غربة غناءً كورالياً يبرز فيه الصوت الذكري وآلات النفخ النحاسية والدرامز: الأهالي: محـْــــروســة يـاغـِـرْبـــِة رَحْ نـِسـْـهـَـر الـلــَّـــــــيـْل نـِحـْـنـــا والــْهـَـــدِيــــــــر هَـديـْر الـلــَّــــــيـْل جـايـي والـلــِّـي رَح يـْـكـُــــــــون لأجـْـــــــل الــْحـريــِّــــــة لـَـمـَحـْو الإهـــــــــــــانــِة لـَـغـَـسـْل الشــَّـماتــِــــــــة عـَـــن وِجّ الـِـبـْـــــــــواب وْلأجــــل الـِـبـْيـُـــــــــوت وِتــْــراب الـِـبـْيـُـــــــــوت قــَـرَّرْنـــــا نـْـمـُـــــــــوت قــَـرَّرْنـــــا نـْـمـُـــــــــوت محـْــــروســة يـاغـِـرْبـــِة يغادر الجميع وتبقى جميلة والدموع تتدفق من عينيها، ترجوغربة التريُّث في إعلان القتال خشية أن يحصل لها مكروه (صِرْتي عندي أغلى من الأرض وأغلى من البيوت) وإذ تقبل غربة محبـَّـة جميلة تـُعرِب عن أولويـَّة الجدِّ على العواطف (جميلة .. الله معك) ثم تغني لوحدها أغنية عذبة ناعمة وهي متوجـِّهة إلى حيث تلتقي بفاتك: غربة: نـَدَهـِـتـْـنــي النـَّسـْمـِـة الغـَريـــــــبــة لــَـفــَـحـِـتـْـنــي ريـــْــــــح السـَّـفـــَـر عـَمْ تـِمـْـشي الجـْبال وْتـِبـْعـَد الكـْروم والـِـبـْـيـُــــوت تـْهـــــــــــــــــاجــِـــر فــَرَح الـرَّحـيـــــل غــَمـَر الدِّنـــــــي عَ شـْـطـُــوط الـِـبـْحــُـــور الـِـبـْعـيـدِة مـَراكـِـب مـِـلـْيــــــانـِة عــِشـَّــــــــاق والإيـْدَيـْن الصَّبيِّة تِقـْطف زَهر الحبّ مـِن مـــَــــــوجِ الـِـبـْـحـُـــــــــــــــور والـْـبـَيـادِر راكـْضـِة بـْسـَنابـِل القـَمْح قـَرَّب مـَوْسِم الحصاد وْقـَرَّب مـُلتقانا وَرَق الحــَـــوْر عـَمْ بـِـيـْـلــَـــــــــوِّح أرْض الـســِّـنـْـديـان عـَمْ بـِـتـْـلــَـــوِّح عـِـيـنـَـيـْـن الأحـِـبـَّــة عـَمْ بـِـتـْـلــَـوِّح انـْطـِرْني عـَلى روس الـِجـْبال أنــا واصـْـلــِـــــــــة لـَعـِـنـْـدَك عـَـلــِّــق عـَـلـَـــى صـَــــدْرَك نـَـجـْـمـِة الحـُبِّ الغـــَـريبـِـــــة يبدأ مشهد المواجهة الكلامية بين غربة وفاتك بصرخة مليئة بالجرأة والعنفوان تطلقها غربة بعد هذه الأغنية: غربة: فـــاتـِك .. أنـا جـِـيــْــت! ويطلُّ فاتك من الأعلى محاطاً بالحراس ومعه ديبو فيسألها باستهتار(وَحـْــــــــــــــــدِكْ ؟!) غربة بقوة: وَحـْــــــــــــــــدِي .. فـاتك: بـَـلـْكي حـْبـَسـْـتـِِكْ ؟! غربة: هـِـنـِّـِي فــالــْـتـيـــــن فـاتك: بـَـلـْكي قــْـتـَلـْـتـِِـكْ ؟! غربة: هـِـنـِّـِي عــايْْـشيـــــن فـاتك: غـِرْبِة .. كـانـُو عايـْشين قـَبـِل ما جيتي .. عم يــاكلـُو وْيـِـشـْرَبـُو وْيـِمـْشـُـو ويـْشـُوفو .. لـَيـْش رْجـِعـْتي؟ غربة: نـَــدَهـُــــــــــــــولــي فـاتك: تـَ تــْـقـَـدّمــِيـْهـُــن للـْمـَـــوت ؟! غربة: حــــــــــابـِّـيــْـــن يــْـمـُـوتـُـــــو فـاتك: اتـْرِكـِيـُن وْروحـي .. بـِعـْرُض عـْلـَيـْكـي تـْروحـي، وْلا تجـْعـَـلِيـُــن خـِـبـْـز الأرض وْيــِرْجـَع شـَجـَـرْكـُن يـْزَهـِّر الطـَّرْحـــات السـُّــــود غربة: فـَـتـَـحـُـو شـْـبابـِـيـْـكـُـــــن .. شـَمـْسـُــــن ما عـــادِت تــْـغـيــب أنــا بـِـعـْرُض عـْـلـَـيـْـك تـْروح فـاتك: أنـا جـِـيـت مش تـَ روح .. والأرْض أنـا ويـَّــاهـُن سايـْعِتـْنـــــا غربة: وْ لـَـيـْـش قـَـتـَـلـْـت مِدْلـِـــــــج؟ فـاتك: لـَمـَّا بيـْكـُونو تـْنـَيـْن قـْوايا، مَصيرُن يـِتـْصارَعـُو .. أنـا لـَمـَّا جـيـْت بَيـِّـك وِقِـف بـِوِجـِّي وِتـْـقـاتـَـلـْـنـــــا لـَـو ما إقـِتـْـلـُو كـان قــَـتـَلــْـنـــي .. هـَيـْـك صــــــار وْهـَلـَّـق أنا هـَوْن .. لـَيـْش إنتي رْجـِعـْتي تـْشـَعـّـلـِيا؟ غربة: بـَـيـِّـي وِقـِـف بـِـوِجـَّـك لأن الأرض كـانـت أمــــــانـِة بـِعـِنـْقـو لـَـمـَّا سـَقـَط أنـا اسـْتـَلـَمـْت الأمانـِة فـاتك: بـَــسّ الأرض مـِـلـْـــك الـْكـِــــــلّ! غربة: الأرض مـِـلـْك الـْكـِلّ، لـَكـِن ما بتـْساع النـَّاس والظـِّلـْم ! لـَـمـَّـا بـْـيـوقــَع الظـِّــلـْـم بـِـتـْـضيـق الأرض فـاتك: عـَم تـِحـْكـي أكتـَر مـا لازِم تحـْكي لا يتخلى فاتك وأمثاله عن ثقافتهم .. شعارهم السيطرة التامَّة أو الموت دونها! .. والسيف مسلولٌ على الدَّوام وعلى الآخرين الخضوع أو القتال أو الرحيل إن أتيحت الفرصة. ما يزيد من غضب فاتك أن الشخص الذي يقف أمامه متحدياً فتاة طرية العود .. وسيكون عاراً عليه التنازل لامرأة: فـاتك غاضباً: ياهالبنت المغرورة بـِعـْطيكي فِرْصِة يـَوْم .. يا بـْتِرْحـَلي يا مـَّا أنـا بـْشـَعـِّلا وْبـِقـِتـْلـِك إنتِ آخـِر سـْليلـة مدلج وِبـْـتـِخـْلـَص هالقـِصـَّـة غربة: شـُو بـَدَّك تـِقـْـتـُـل تـَ تـِقـْـتـُـل .. مـا بـَقى رَح تـِخـْلــَص الـْقـِصـَّة ورا كـِـلّ صـَخـْرَة .. تحت كـــِلّ شـَجـْرَة .. بـْـفـَيـِّـة كــِلّ بـَيـــت عـَم يـِـخـْلـَق وَلـَد لـَ مِدْلـِج إعلان غربة صريح .. إنها ثورة .. ثورة أهالي الجبال لتحريرها من المحتلـِّين .. وتحت قيادة غربة !! وغضبٌ واضطرابٌ ممزوج بالحقد والوعيد عند فاتك المتسلط .. إنها الحرب: فـاتك يصرخ: ديبـُو حـَضـِّر حـالـَك .. اجـْمـَع الـْـعـَـسـْكــَر، رَكـِّـزُن عَ العــالي رِجـِعـْـلـي رَنين الـْحـَرْب .. لازِم نـِسـْـحـَـقــُن .. عَ آخـِـــــــــرْ واحـِد نـِسـْـحـَـقــُن وْنـِمـْحي كلّ أثـَر لمدلـِج .. ومـا نـْـخـَلـِّي مين يـْخـَـبـِّر وْخـَـلـِّي دَمـُّن يـِسـْبـَق شـَـلاّلاتــُن .. سـَمـِّعـْني هـَدير الـْمـَوت وابكي ياريــح عَ أهـل جبال الصـوان في المشهد ما قبل الأخير تكتئب السماء وتعـِّتم وتـَصفـُر الريح منذرة بمجهول .. وتخلو الساحات والطرقات من المارّة ماعداها عجوزنا حنة السـَّاحلانيـَّة تترجم نعيق الغربان: حنـَّة: رِجـِع الــْعشـْب الـبـَـــرِّي يـِـنـْــبـُت عَ الـْحـيـْطـــان رِجـِـع الـزَّهـْـر الأبـْيـَض يـِـطـْـلــَـع حـَــدّ الـْـمـَــيّ والـْبـِنـْت الصَّبيـِّة رَفـَعـِت صَوتا خـاف الـقــَوي وْجـَهـَّـــز جـَـيـْـشــُــــو والـطـّـــيـُـور الـْوَحـِـيـْـدِة ســاكـْـتـِة فـَوق الـِحـْجار والـْبـِنـْت الصَّبيـِّة رَفـَعـِت صَوتا شــُو قـــــــــال الـــدُّوري لـَـقـَرْميـْـــد الـِـبـْـيـُــوت؟ يـــاقـَـرْمـِيـْـد الـِبـْيـُــــوت عـِـتـِــقْ لـَـــــــــوْنـَـــــك وْبــَـدْنـا نـِرْجـَع نـِدْهـَنـَـك أحـْمـَرْ وْ رِجع العشـْب الـبرِّي .. تلعب دور حنة الساحلانية الفنانة نوال الكك التي مثـلت دور (لمياء) في مسرحية ناطورة المفاتيح. تنقلنا الأوركسترا في المشهد الأخير إلى ساحة الوغى مع حركات القوات المحتشدة في الأعالي تحمل بيارق فاتكية ملـَوَّنة ورماحاً وسيوفاً وغيرها يتقدمها قواد في مقدِّمتهم فاتك وديبو بينما تطل من ناحية مناطق سكن الأهالي جموعهم من النساء والفتيات بلباس ملوَّن وأعلام بيضاء وحمراء ومن الرجال حاملي بعض الأسلحة والمعاول والرفوش وفراريع الحطابين ومداري القمح. يتجه الأهالي إلى بوابة الجبال فيقفون خلفها وسواعد الرجال مشدودة إلى مايحملون ووجوههم مرفوعة وصدورهم بارزة. يعطي فاتك الأمر لقواته بتسليط الأسلحة باتجاه الأهالي فيفعلون ويخاطبهم بصوت مرتفع: فاتك: يا أهـْل جبال الصوَّان .. إذا بـَدْكـُن تـِسـْلـَم بـْيـُوتـْكـُن وولادْكـُن وْنسْوانـْكـُن بـِتـْسـَلـّمـُو غربة وِبـْتـِتـِرْكـُو سـْلاحـْكـُن بالأرض وِبـْـتِرْجـَعـُو عَ بـْيـُوتـْكـُـن ثم يتوجه إلى قواته (استـِعـْداد !! لـَمـَّـا بـْتـِنـْزَل إيـْدي بـْيـِنـْزَل مـَعـْها الـْوَيـْـــــــل) ثم يخاطب أهالي جبال الصوان بنبرة الأمر (طـِـيـْعـُـو وْروحــُـو) في اللحظة الحاسمة، والقلوب تطرق كالطبول المتعطشة لمارشات المعارك والعيون ترقب بوجل والنظرات تتنقل بين البوابة وفاتك وسعد والرجال، تطلُّ من العالي بفستان أبيض كالعروس فتاة جبال الصوان، حبـَّة البـِذار، غربة ابنة مدلج، فتتجه الرؤوس والقلوب إلى وجهها المُحَبـَّب وفمها الذي سيفصح عن موقف الأهالي ويحدد مصيرهم ومصير وطنهم وهي تمشي بخطى واثقة إلى البوابة، رمز الفداء .. فاتك: غـِربــِة .. إذا بـَدِّك يـِسـْلـَمـُو قوليلـُن يرْجـَعـُو وْإنـْتِ سـَلــّمـي غربة: أنـا غـِربــِة .. بـِنـِت مدلـِج .. مَطـْرَح ما وِقِف بـَيـِّي .. بـُوقـََف عَ البـُوَّابـِة حتى أوفي النـِّـدِر بإمكان أهل جبال الصوان إنقاذ غربة أو على الأقل قتل فاتك قبل أن يقتلها حرَّاسُه، إنما القتل ليس من شيمهم وثقافتهم حتى في لحظات المواجهة والدفاع عن النفس بل من أخلاقياتهم إعطاء الفرصة لمهاجميهم عند الهزيمة أمامهم بالانسحاب والهرب أملاً في مراجعة للذات والعدول عن السياسة العدوانية. هم لا يبادلون الكراهية بالكراهية والحقد بمثله ولا يتخلون عن المحبة معياراً للحياة الإنسانية. والأمر عند محبـِّذي القتل للتخلص من العدو انتهى بإطلاق النار على غربة ظناً منهم أن الخوف سيحول أهلها إلى عبيد عنهم فيزداد نفوذهم على جبال الصوان. ماتت غربة وهي تحضن البوابة كما فعل أبوها. وقبل أن تنطلق أبواق فاتك لإعلان النصر انطلقت أهازيج وزلاغيط أهل غربة وهم يتقدمون دون خوف من جسدها الذي مازال ملتصقاً بالبوابة وذراعاها متمسكتان بطرفيها فيما بدأ سعد والرجال يتقدمون شاهرين السلاح بوجه فاتك الجبان وجماعته، وبدت من بعيد جماهير قادمة مدججة بالسلاح دعماً لسعد والأهالي. وإذ يعطي ديبو الأمر بالاشتباك يصرخ فاتك خوفاً: فاتك: لا .. عـَبـَث كلّ اللـِّي صـار .. عـَبـَث اللـِّي بـَدُّو يصير قـَـتـَـلـْـنـا الـْـبـَـيَ .. قـَـتـَـلـْـنـا الـْـبـِـنـْت .. وْعـَبـَث، شو بَدْنا نـِقـْتـُل تـَ نقـْتـُل؟ مـا بـَقى رَح تـِخـْلـَص الـْقـِصـَّة .. اوْلاد مدلج، إخوة غربة عم يـِخـْلَقـُو كلّ يـَوم ديبــو .. خـُود العـَسْـكـَر وِاهـْرُب، ياحـِّـنـِّي جايين .. من خلف الصخور جايين من تحت الشـَّجـَر جايين .. وْجـايـيـــــن من إيـام الـْغـَضـَب!! إيـْدَيـْن عـَم تـْلـَـوِّح بالزَّمـان .. وَين بدْنا نـُوقـَف؟ جـَيـْشي تـْـياب مـْخـَزَّقـَة بين الصخور .. اهـْرُبو تـَ نـِهـْرُب قبل ما يوصَلو اللــِّي جـاييــن .. اهـْرِبـُــــو ويتراجع فاتك وديبو وضباطهم وعساكرهم والحراس يجرون أذيال الهزيمة ورؤوسهم تتلفت من الخوف وقبل أن يغيب فاتك صرخ وعيناه تتأرجحان بين بوابة الجبل وامتداد السهل البعيد: فاتك: يــاجـْـبـال غربـِة .. يــاجـْـبـال مـِدْلـِج .. يــاجـْـبـال الصـُّـوَّان .. ويسدل الستار عن الفصل الثاني والأخير من المسرحية على أهالي جبال الصوان يعودون إلى بيوتهم وأراضيهم وهم ينشدون: مجـْد العـَروس غـَمـَر الأرض والطـَّـاغي هـِـرَب من صـَوتـا تـــاجــا عـِلـي تـاجـو انـْكـَسـَر والـْـقـَـوي وَقــَع بالـْهـَزيمـِــــة / والعَروس زَرَعِـت فـَرَح المستـَقـْبـل وِعـْياد الأيـَّام اللـِّي جايـي والـْعـَروس صَارِت طـِفـْلـِة المَواسِم وِحْقـُول الزمان اللـِّي جايي / (2) لـِلـْعـَروس المـِجـْـلـِيـِّـة بالطـَّـرْحـَة الـْمـَـلـَكـِيـِّـة بالـْفـِسـْتـان الأبـْــيــَض وِزْهـُــــور الــــــــــدَّم قــــــــــولـــــــــــــــــو إي وي هـــــــــــــــــا ☼ ☼ ☼ ☼ ☼ ☼ ☼ |