قزحيا ساسين ينقصه ملاك

جوزف ابي ضاهر قرأها 6
  

قزحيا ساسين ينقصه ملاك

جوزف ابي ضاهر

يأتي وبيده وردات ثلاث، حطّها بلطافة النسمة على سرير ملاكه (ايلي)، وانحنى مقبلاً قدميه الزنبقتين، وعلى شفتيه اللهفة مختصرة بكلمات:

(يابني

ما بعرف ليش الله بعتلي ياك  

يمكن كتر ما خطيت...

ناقصني ملاك...).


* * *

هكذا وصل إلينا قزحيا ساسين، راسمًا وجهه وصوته وبصمات أصابعه فوق سهل من الورق سمّاه كتابًا، وأعطى للكتاب اسمًا: (جرح الحفا) *، وأهداه لـ (ملاكه)، تاركًا لنا نسخًا منه، نضمها الى القلب، فيتغيّر ايقاعه، ويتحوّل النغم المسكوب في القوافي الى شلالاٍ من ضوء.

* * *

وقف الشاعر في الريح، ومسح الضباب. زمن الصحو أبهى، وشجر البال يُزهر ويُثمر. فلش غيمته على كفّه، وعينه على (تراب السما الأزرق)، ولم ينسَ قنديل البرج العالي، وزيته صوت الشهيد:

(شفتن بيمشو...

وبعدن محلّن

وبعاد ما في صوت يوصلّن

لا بيقربو... ولا بتوصل مراسيل ...

علّقت دّمي عالدروب قنديل

ما بينطفي... تا يمرقو كلّن).

 
... ويكمل، تلوّح قصائده شمس الحريّة، ترتفع الجيال، وهو فوقها، يلمح الوطن، الذي زرعه قمحًا وحبّا وأملاً، وسقاه الندى، وقطرات شرايين القلب.

يلمحه، ويلمح المساحة والنّاس. يقول له:

(... وقلال نحنا، بس منحبك

ل آخر المشوار

منحبك، ومنغار

ويمكن لأنّو كتير منحبك  

مبينين كتار).

 
* * *

العاصفه في أعماق قزحيا ساسين، لا تختبئ في وادٍ، ولا تمشور في البساتين غواية خادعة، إنها الصرخة التي تطلع من طرف السكين، قاسيّة مرّة، ومرّات وجعًا أعطاه الشاعر مداه، وتركه يُلبس الكلمات عباءة مطرّزة بالحروف. وانحنى الى قصائده سائلاً:

(صحابي ل عم يضوو ب بدمّي مطارحن

قلّي أنا يا رب كيف بسامحن؟  

وفزعان لو بوّست سيفن إجرحن).

* * *

تلحّ قصائد الكتاب علينا لنقرأها غير مرّة، فنقرأ، وننسى (عدد) المرّات. يباغتنا الوقت، فنعتذر منه لنكمل... ويُفتح دفتر التراب. هاجس العمر ليس حلمًا، ولا غفوة في عيني الزمن. إنه العلامة التي نأمل أن نحلّ رموزها، أسرارها، خفاياها، يشدّنا نهر الأيام إليه، نلحق به، نتعثر، نسقط، وننهض زهرًا وعطرًا. يهزّنا الخوف كلما لمحنا ترابًا يشبهنا، أو كلما رأينا وجهنا في الماء ترابًا.

نهرب من النهر والتراب والمرآة لنقرأ (الحكي ناطر ع باب السما). وأبواب السما مفتوحة للأطفال، وللشعراء الأطفال، لنساء سقين دمعهن للعابرين من حياة التراب الى حياة الروح، والجلجلة قبر الصبر الذي يوصل الى النور.

المناخ الايماني في (جرح الحفا) يعبق بخورًا مقدسًا، ولهفة الى أعماق الذات. هو رجع صوت الجرس في صلاة العشايا، وتواضع عقد قناطر المناسك، وقد غطاها السكون الأزلي.

قزحيا ساسين يقول جديدًا، ويقول دهشة، ويستمر تواضعًا ونبلاً في شعره.

 

نقلاً عن صحيفة الأنوار اللبنانية


* جرح الحفا ـ الكتاب الشعري السادس لقزحيا ساسين

(144 صفحة من القطع الصغير).

غلافه لوحة بريشة الشاعر مالك طوق.