ما قبل حكاية ( القطاع الأوسط ) واستشهاد محمود
ما قبل حكاية ( القطاع الأوسط ) واستشهاد محمود
ندره ع. يازجي
قطعنا خيط طيّارة الورق، وتركناه يتدّلى من السطح، وينسحب إلى مشارف الوادي القريب. وبدأنا نتسابق في النزول والجري باتّجاه المكان الذي قدّرنا وقوع الطائرة فيه.. كنا أربعة من الصِْْبية. حسام كان أصغرنا، بِعمرٍ دون العاشرة، وكان أكثرنا حماسة للاشتراك في مشروع الطائرة. كانت أسرته تقضي معظم أيام السنة في دمشق، وتأتي إلى الضيعة في وقت نضوج العنب والتين. وخز الأشواك وشجيرات العليّق لوجوهنا وأرجلنا وأيدينا، وقصصُ جنيّات (كرم الدهب)، ومنظر القبور في المقبرة الكائنة في طريقنا، وحتى إمكانية مفاجأة (عبد مار بطرس) المُخيف لنا في كل منحدر وفي أيّة لحظة.. كلّ ذلك لم يكنْ يُؤثِّرُ على حماسنا واندفاعنا لإنقاذ الطائرة، قبل أن ينتبه لها غيرنا من الأولاد ويستولي عليها. وكأنَ اشتراكنا معاً في صنعها، والبحث لها عن خيوط مهملات دواليب الكاوتشوك في (زاروبة بيت مصطفى) والمزبلة القريبة منها، ومن ثُمَّ اضطرارنا لخوض (مغامرة) البحث عنها في تلك الأماكن المُريعة، جعلنا أكثر توحّداً وتماسكاً ممّا كنا عليه قبل ذلك. فلم يحصل بيننا التدافع والتلاطم أثناء ذهابنا لإنقاذ الطائرة ولا في عودتنا ظافرين بها، وفرحين ببقائها سليمة سوى من بعض التمزّق في ورقها..
عند اقترابنا من آخر (حّفة) تحت الطريق العامّ، سمعنا كلاماً بين رجلين، عرفناهما من النبرة المميّزة لعبارات الأسف التي كانا ينطقان بها، من مثل (الله يعين أموّ ـ الله يساعد أبوه).. تلك العبارات أوصلت إلينا نبأ استشهاد محمود (الابن الأكبر لصادق بائع الدبس) الذي كان يمّر بضيعتنا، من وقت لآخر بوجهه البشوش وطوله المهيب. يبيع ما تيّسر له، ويحكي لنا قصصه الجميلة، تحت شجرة السنديان الكبيرة.
الرجلان أصبحا الآن على بعد خطواتٍٍ قليلة منّا بعد أن صعدنا (الحّفة) وأصبحنا على الطريق، وتبيّن لنا أنهما عرفا بالخبر من صادق نفسه، الذي كان هنا منذ بعض الوقت، ولكنه لم يتوقفْ تحت شجرة السنديان كعادته، وإنما واصل طريقه نحو الغرب..
لم يحتجْ الأمر إلى مشاورات وخلافات واتفاقات بيننا نحن الأربعة كما في كلّ مرّة. فمشاعر الفرحة انقلبت في لحظةٍ إلى مشاعرَ لم نُحْسِنْ التعبير عنها إلا بردّة الفعل التي أتذكرها الآن وكأنها حدثتْ منذ وقت قريب.. ركض (رامح) الذي كان يمسك بالطيّارة ضامّاً إيّاها إلى صدره، نحو دكّانة أبيه وأمّنَ عليها هناك، وعَدَونا جميعاً في الطريق المتّجهة نحو الغرب.. عند اقترابنا من آخر بيت في الحارة الغربيّة، أتى إلينا مرتفعاً صوت عبد الحليم حافظ ـ الذي كان نجمه بدأ يسطع في سماء الأغنية العربية آنذاك ـ وهو يغنيّ ( فوق الشوك مشّاني زماني ). فسمعنا رامح يعلو صراخه على لُهاثِه بشتيمةٍ لأصحاب البيت الذي يأتي منه الغناء.. حَبَسْنا بهمهمةٍ مشتركة، ضحكةً لم نجِدْها مناسبةً للوضع الذي نحن فيه. وأيضاً دون تشاورٍ أو اتفاق مسبق وجدنا أنفسنا نأخذ طريق (اللْتون) المُختصَرة أملاً باللحاق ببائع الدبس قبل أن تضيّعه الدروب..
قبل أن نصلَ إلى النقطة التي يتقاطعُ فيها طريق اللتون مع الطريق الرئيسية، رأينا بائع الدبس خلف حماره وهما يدبّان في المنحدر الصخري ببطءٍ وصمتٍ غير معهودين.. التفت البائع إلى الوراء على صوت تدحرجنا، وتوقف حماره، وأذناه واحدةٌ منتصبة نحو الأعلى والثانية منكسرة وتميل نحو الأسفل، أما وجهه فبقي متِّجهاً إلى الأمام.. خطا الرجل باتّجاهنا بصمت وبشفتين تحاولان الابتسام، فتفاجئهما دمعتان تسقطان فوقهما، وبهدوءٍ وجلال، يأخذ بين ذراعيه الأصغر فينا (حسام) ـ الذي كان قد ناداه ـ بصوت خفيض ومرتعش ـ: عمّي صادق، ويضعه على ظهر الحمار المتوقف، قائلاً لنا: أولادي بعد اليوم نادوني بِ ( أبو محمود )، واختنق صوته.. أدارَ وجهه عناّ ولم نعد نسمعه، وامتدّت ذراعاه ترفعان حسام، وترتسم على جبين الطفلِ، قبل أن يصبحَ إلى جانبنا على الأرض، قبلة (أبو محمود) الذي ربما كان ينظرُ إلى محمود في البعيد.. وبصوتٍ متغيِّر علينا الآن، حاملاً صدى مدافع (القطّاع الأوسط) على جبهتنا، والتي كان انتشر وقتها منذ أيام، خبرُ إجبارها الجنود الإسرائيليين، على خفض رؤوسهم في الخنادق عدّة ساعات.. نعم بصوتٍ متغيّرٍ علينا هذه المرّة، ودّعنا قائلاً: اذهبوا الآن إلى بيوتكم، فالشمس حامية، وفي المرّة القادمة سأحكي لكم قصة محمود.