تداعيات خبر...
|
تـداعـيـاتُ خَـبَـرٍ... | |
|
داء... الـمصابون بهذا الداء لا يتجاوز عددهم المئة والعشرين، في كلّ أنحاء المعمورة ("المعمورة"؟! يا لَتفاؤل التسميات!). ومن مثيرات العجب أنّ من بينهم خمسة وأربعين (يشكّلون نسبة تقارب الأربعين في المئة) هم من عرب الجزء الجنوبيّ من وطننا -النقب العزيز. |
|
|
تلك إحصائـيّة طبّـيّة تسترعي الانتباه والاهتمام، نقلتها لنا بعض وسائل الإعلام منذ أسابيع. لا تُسعفني ذاكرتي في تذكّر الاسم الطبّيّ الذي يُطلَق على هذا الداء، بيد أنّ المهمّ في حالتنا هو المسمَّى لا التسمية. تفصيل... مئة وعشرون امرَأً في دنيانا الكبيرة الصغيرة ليس لديهم "المقدرة" على الإحساس بالألم. لا يعتريهم أيّ إحساس بالألم الجسديّ مهما تعرّضوا له من جَرح، وسحبٍ للأظافر، وشجٍّ للرأس، وبَـتْرٍ لليد أو للرجْل، وجَدْعٍ للأنف، وفَقْءٍ للعين، وقلعٍ للسنّ، وجذبٍ لشعر الرأس أو قلْعِهِ. كلّ هذا وذاك وغيره لا يثير فيهم أيَّ إحساس بالألم. هؤلاء لا يحسّون بآلام الجوع والعطش؛ ولذا فقد يَلقَوْن حتفهم دون سابق إنذار (وفي هذه الحالة، الإنذار هو الألم ذاته). ومن المثيرات في تفاصيل الخبر أنّ الأطبّاء أحيانًا يُضطَرّون إلى قلع ثنايا أفواه الأطفال المصابين بهذا الداء، خشية أن يؤدّي عَضُّهم لأنفسهم إلى إيذاء وتشويه أفواههم ومَواضع أخرى في أجسادهم وإسالة الدم منها. هكذا، بالتشويه، تتأتّى الوقاية من التشويه! قبل الخبر... عرفتُ بهذا الداء النادر، أوّلَ ما عرفتُ، بفضل أحد الكتب الأثيرة لديّ. كتاب قرأته قراءتين كاملتين اثنتين في حياتي، تُضاف إليهما إطلالاتٌ عديدة عليه وبضعُ "زيارات" مطوَّلة لبعض صفحاته، وأخرى خاطفة. كانت قراءتي الأولى له قبل بضعة وعشرين عامًا. ليس كتابًا طبّـيًّا أو علميًّا؛ بل هو نخبة من مجموعة من "الخواطر" الوجيزة غير التهويميّة التي كتبها -هي والكثير سواها ممّا لم يُنشَر في الكتاب- الأديبُ اللبنانيّ توفيق يوسف عوّاد (1911 - 1989)، ضمن زوايا صحفيّة أُفرِدتْ ليـراعته الحاذقة الرشيقة في صفحاتِ أكثرَ من صحيفة لبنانيّة واحدة، على فترات متقطّعة امتدّت على ما ينيف على العقود الأربعة ببضعة أعوام. ذاك هو كتابه الظريف السلِس الثريّ الـمُثري المثير المؤثّر "غبار الأيّام" (المتعة مؤكَّدة. "على ضمانتي"!). تساؤلات واحتمالات تُرى لِـمَ لـمْ ينشر عوّاد في "غبار الأيّام" كلّ تلك الخواطر (وهي آلاف -كما يشير هو بذاته) التي نشرها في الصحف؟ لِـمَ لـمْ ينشرها كلّها في أكثر من كتاب واحد؟ يُخيَّل إليّ -وبعضُ التخيّل واقعٌ وصواب- أنّه امتنع عن هذا بعد أن أعملَ مِعولَ الرفض والإقصاء في الخواطر التي لم تكن ترضيه بمقدارِ ما يكفي لاقتناعه بضرورة نشرها ضمن كتاب أدبيّ. يبدو أنّه كتب بعضها في عجالة ودون تروٍّ (أو هكذا خُيّل إليه)، ملبّيًا بذلك مقتضيات الالتزام بالكتابة في زاوية صحفيّة ثابتة. هكذا، قبل أيّ ناقد، يمارس الأديبُ المُجيد المتأنـّي نقْدَ ما يكتبه وينشره. يجدر بالذكر أنّ هذا الكتاب اللطيف، الذي يصنّفه مؤلّفُه ضمن ما يسمّيه هو نفسه "أدب الصحافة"، ما كان ليصدر لولا إلحاح أصدقائه. نِعْمَ الإلحاح ذاك! شكرًا للمُلِحّين! ليت كلّ إلحاح يُـفْـضي إلى جَنًى شهيّ كجنى العوّاد! استدراك واستطراد وللمناسبة، تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الأديب، الذي غادرَ الدنيا في حادثٍ غادرٍ تفجيريّ خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة (1975 - 1990)، وهو على مشارف نهاية عَقده الثامن، هذا الأديب لم يؤلّف سوى اثني عشر كتابًا (أجل! هي اثنا عشر كتابًا فقط، لا غير!)، كلٌّ منها روضٌ مِعْطار ومتنـزَّه أفكار. لا زلتُ، حتّى اليوم، أستغرب أنّ روايته المهمّة "الرغيف" (وهي التي يعتبرها بعضهم البدايةَ الحقيقيّةَ للرواية العربيّة) صدرت في العام 1939 حين كان مؤلّفها في الثامنة والعشرين. أمّا مجموعته القصصيّة الأولى، "الصبيّ الأعرج"، فقد صدرت عام 1936 وهو في الخامسة والعشرين. ورغم هذه السنّ المبكّرة، ورغم كون الكِتاب باكورةَ أعماله المنشورة، كانت قصص هذه المجموعة ناضجةً أصيلة ومُغْرِية بقراءتها. طَوال ثلاثة وخمسين من الأعوام (1936 – 1989)، أصدر دزّينةً من الكتب، اثنان منها روايتاه الوحيدتان، المعتبَرتان من أهمّ الأهمّ بين الروايات العربيّة: "الرغيف" وَ "طواحين بيروت". هذه الأخيرة كتبها بعد انقطاع عن الكتابة استغرق ستّة أعوام، وذلك في طوكيو عام 1969 حين كان سفيرًا للبنان هناك، ونشرها عام 1973. هذه "الطواحين" لا أنسى أنّها ألْهَـتْني ساعاتٍ عن الاستعداد لأحد الامتحانات، إبّان العام الدراسيّ الثاني من أعوام دراستي الجامعيّة في "زهرة المدائن". آنذاك، لم "أهنأ" بالاستعداد للامتحان كما ينبغي، وذلك أنّ "طواحين" عوّاد دارت بي في دُنًى من الجَمال استولت عليَّ وأكّدت لي مجدَّدًا أنّ هذا العوّاد لا يخذل قارئه، إذ يغمره بالفكر الجميل النيّر الرائي والنائي عن التوجّه الوعظيّ، ويَشُدُّه إليه بخيوط سرديّة وحِـواريّة متينة، بلغة قصصيّة مدهشة في رشاقتها ومتانتها وعفويّتها (أو ربّما إيهامها بالعفويّة). ألْـهَتْـني "طواحينه" الأدبيّة، حتّى إنّي أمضيت الساعتين الأخيرتين قبل النوم ليلة الامتحان مشدودًا إلى كلمات العوّاد وأسلوبه الآسِر. عباراته لا تعرف الترهّل. سرده لا يعرف الزوائد الكلاميّة ولا الحَدَثـيّة، ووصفه موجز وغير مجّانيّ. هو من تلك الفئة القليلة العدد -إلى حدّ الندرة- التي لا تعرف الثرثرةُ إلى أقلامها سبيلاً. ترى، لو لم تلتهم "طواحين" عوّاد ساعاتي القرائيّةَ تلك، فهل كنت سأحظى بنتيجة أفضل في ذاك الامتحان؟ لست أدري. ما أعرفه يقينًا أمران اثنان: أنّني لا أذكر مادّة الامتحان الآن ولا موضوعه؛ وأنّني كنت في تلك الساعات رهينَ جَمالٍ آسرٍ. سامحه الله، وطيّبَ ثراه! طيّبَ الله ثرى هذا العظيم الذي كان المحرِّضَ الأهمَّ لعظيم راحل آخر، هو عبد الرحمن منيف (1933 – 2004)، كي يخوض هذا الأخيرُ تجربة الكتابة الروائيّة وهو في سنّ الأربعين، في بداية سبعينيّات القرن الماضي. طيّبَ الله ثرى هذا الذي "اعترف" أنّه تعلّم الفنّ القصصيّ، أوّلَ ما تعلّمَه، من جَدّته التي جادت عليه بأقاصيص ممتعة خلال فترة طفولته. من البداية... في "غبار الأيّام"، في خاطرة تحمل العنوان "تَبارَكَ الألمُ" كتبها عوّاد في شباط العام 1960، أورَدَ تلك الحكايةَ التي تناقلتها إذّاكَ بعض وسائل الإعلام، حكاية الفتاة الإنكليزيّة "أنـجلا"، ابنة الأربعة عشر ربيعًا، التي لم تكن تحسّ بالألم. وعلّق على حكايتها بكلام ظريف وعميق جعلني أنتبه إلى أنّ الألم هو صاحب الفضل في اكتشاف العلل. ألا يوجّه الطبيب، في المعتاد في مستهَلّ الفحص، إلى مريضه سؤالاً حول مَكْمن الوجع؟! الألم مرشد الأطبّاء، مُعالِجُ الداء. لولاه ما عرفنا بوجود أسقامنا. لولاه لغادرْنا الفانيةَ قبل أن تفنى أعمارنا. الألم؟! هو الموت العَرَضيُّ الذي يَـقِي الحياةَ. بعيدًا عن الجسد... أمّا النفوس، فإنّ ألـَمَها هو سرُّ رقّتها ورقيّها ونقائها وبقائها نفوسًا إنسانيّة. أنا أتألّم، إذًا أنا إنسان... ليس من باب تجميل القبيح... ما ابتغيتُ، في ما سُقتُه، أن أُجَـمّل الألمَ، أو أن أتمنّاه لي أو لغيري. قبيحٌ هو رغم أهمّـيّته، كريهٌ رغم دَوْره المصيريّ. كالموت هو؛ لست أتمنّاه، بَيْدَ أنّي أدرك أهمّـيّته. لولا الموت، لَما كان أيٌّ منّا (نحن المليارات الستّة مالئي المعمورة المغمورة بالجميل وبالقبيح) قد أتى إلى هذه الدنيا. لولا الموت، ما كانت الحياة. اقتباس ختاميّ أختم بما وردَ في الثلث الأخير من خاطرة العوّاد تلك "تَبارَكَ الألمُ". جاء هناك: "قل معي: الحمد لله! الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروهٍ سواه. مكروهِ الألم والتعب، والجوع والعطش، والحزن والهمّ. وعلى أنّنا نحسّ هذه المكاره بملء جوارحنا. وإلاّ فكيف نشعر بأضدادها غبطةً وراحةً، وشبعًا ورَيًّا، وكسلاً وتثاؤبًا؟... مع هذا التحفّظ، طبعًا، أن تكون عطاياك يا ألله بميزان. يعني لا أيّوب التوراة، مثلاً، ولا أنـجـلا الإنكليزيّة. ولكن بين بين... وبعد ذلك، إذا شكَوْنا لا تسمعْ لنا. فنحن أولادٌ مدلَّلون!". hajhanna@gmail.com عـبـلّـيـن- الجـلـيـل 27/9/2007 إقرأوا أيضاً | |
