بـعـض مـن الـهَـذَيـان الـواعـي - كلامٌ في ذكرى الأربعين لرحيل المحامي العبلّينيّ حبيب إبراهيم نشاشيبي

حنا نور الحاج قرأها 765
  

بـعـض مـن الـهَـذَيـان الـواعـي

كلامٌ في ذكرى الأربعين لرحيل المحامي العبلّينيّ

حبيب إبراهيم نشاشيبي

حنا نور الحاج

نعرف أنّه لولا الموت ما كانت الحياة. نعرف أنّ الموت هو الوجه الآخر للحياة. نعرف أنّه إن لم نرحل نحن فلن يأتي ضيوف جدد إلى هٰـذا الوجود يشاركون في تعمير الكون (في تعميره، أو في تدميره -في بعض الأحيان، ولشديد الأسف)، وأنّه لو لم يرحل السابقون لـَما كان لنا نحن أن نأتي إلى هٰـذا الوجود. نعرف أنّ الموت مصير كلّ حيّ، وأنّ الزائر لا ريب زائلٌ. نعرف أنّ الولادة نفسها تحمل في طيّاتها بذورَ الهلاك. نعرف، ورغم هٰـذا وذٰاك، كلّما رحل عزيزٌ كـَ "حبيب" قبل أوانه (وهل ثمّة مَن يعرف هذا "الأوان"؟!)، ألفَيْنا أنفسنا نخاطب ونعاتب... نخاطب أنفسنا ونعاتب الأقدار؛ فقسوة الموت وطغيان الأقدار يوقظان فينا هذيانًا يداني الوعي... أليس من الأرأف والألطف لو يشيِّع الصغارُ الكبارَ -لا العكس؟!

يا حبيب، لستُ أنسى تساؤلاتي التي شغلتني وأنا قرب نعشك في موكب التشييع، أشاركُ في رفع النعش -بين الفينة والأخرى- أصحابَك وأقرباءَك وأحبّاءَك ومعارفَك من شبّان قريتك المُحِبّة. غزيرةً مُلِحّةً كانت تلك التساؤلات، ومعظمها يمكن اختزالها بـِ "لماذا...؟!" وَ "أيُعقَل...؟!". أتدري؟ حين كان نعشك فوق أكتافنا، وموكب التشييع يمرّ بالقرب من منزل أهلي ومنزل أهل والدك المرحوم، زارتني دفعة من الذكريات، أقربُها تعود إلى ما بين عَقد وعَقدين، وبعضها يعود إلى ما يقارب الأربعين من الأعوام...

 آنذاك، في مستهَـلّ سبعينيّات القرن المنصرم، كانت عبلّين -كمعظم قرانا- ما زالت غير موصولة بالتيّار الكهربائيّ، لكن لدى جيراننا، في بيت جدّك الذي حملتَ أنتَ اسمه، كان هنالك مولِّد كهربائيّ. كان واحدًا من بين بضعة مولّدات في القرية الوادعة إذّاك. وكان هناك، في بيت جارنا أبي إبراهيم النشاشيبي، جهازٌ ساحرٌ آسِرٌ نادرٌ: التلڤزيون. كان نصيبنا منه -نحن صغار الحيّ- ما يقارب الساعتين كلّ أسبوع لمشاهدة الفيلم العربيّ عصر كلّ جمعة. هل أنسى كيف كان أهل المنزل يملأون الصالون الرحب (رحابة قلوبهم) بالكراسي للكبار، والحُصُر للصغار، ليُمضي أولٰـئك وهٰـؤلاء معًا ساعتين ممتعتين في حضرة الوهم الجميل، مع فيلم عربيّ طويل؟! سقى الله أيّامًا كان فيها الجار جارًا، والبيوت بيوتًا!

آنذاك، كنتَ أنت لا تزال حلمًا قريب التحقّق يراود المنتظِـرين من والد ووالدة وجدّ وجدّة، وكنّا نحن أطفالاً تجاوزوا الخامسة بسنة أو باثنتين. لست أنسى مقادير الفرح التي غمرت جيراننا بولادتك (ومن هنا كان الحزن الشديد الشديد لدى رحيلك). ولست أنسى مقادير الابتهاج والاعتزاز التي غمرتهم إثر نجاحاتك. أفراحهم تلك كانت تفرحنا جميعًا حقًّا. فرحة جيراننا فرحة لنا؛ فحين يكون جارنا في خير، فنحن كذلك في خير. ربّما كان ذاك من أصدق وأعمق وأبقى وأنقى ما علّمتنا إيّاه مأثوراتُ الآباء والأجداد.

يا حبيب، أعرف أنّي -في ما أكتب الآن- قد أخيّبُ ظنّ بعض الأخوات والإخوة الذين يتوقّعون أن أكتب كلامًا حاصرًا نفسه في دائرة الرثاء الشخصيّ الفرديّ. لـٰـكنْ لَيْـتهم يعذرون حين يلحظون أنّي أبدلتُ الرثاء الفرديّ الشخصيّ برثاءٍ آخَرَ يُرثَى فيه عمرٌ بهيٌّ تَـقَضَّى في بلدة كانت من أجمل ما كان (وأحلم في يقظتي أن تكون من أجمل ما يكون)، وزمنٌ ماضٍ عصيٌُّ على النسيان! برحيلك رَحلْنا إلى زمنٍ يُستعاد ولا يعود، يُستحضَر فلا يَحضر...

يا حبيب، رغم كلّ الحزن الذي برحيلك غمرَنا ولا يزال يغمر، أجدني أردّد ما يفرضه عليّ -في كلّ وداعٍ تأبينيٍّ- عشقُ الحياة:

تباركت الحياة...

حـنـّا نـور الـحـاجّ

عبلّين - كانون الثاني 2010