الحروفيون العرب... الريادة والهوية - استلهام الحرف في حداثية الفن التشكيلي
في نهاية الاربعينيات من القرن الماضي، ظهرت تيارات جديدة في الادب والفن تحمل سمات التجديد والبحث عن هوية تميزها ومثل ما حدث للشعر العربي الحديث (الشعر الحر) كان للوحة التشكيلية الحروفية في تبوء سمة الريادة. وبقى جدل الريادة ومازال قائماً، فمن هو الشاعر الرائد في قطع حبال بحور الخليل أهو السياب في (هل كان حباً) أم نازك الملائكة وقصيدة (الكوليرا)؟
وهكذا يعاد الجدل، فمن هو الحروفي الاول.؟؟. الفنانة العراقية مديحة عمر؟ ام الفنان جميل حمودي؟ مديحة عمر الحائزة على درجة الشرف من كلية (ماريا غري) بلندن 1933 ثم الدراسة في جامعة جورج واشنطن 1943 والمنسبة الى كلية الكوركوران للفنون حتى 1950، تعرض اول عمل لها تستلهم في الكتابة العربية عام 1949 وذلك في المعرض الدوري لمتحف الكوركوران بواشنطن بلوحتها (صور تجريدية للحروف العربية) ثم تعرض في المعرض الشامل لأعمالها المقام على قاعة الرواق ببغداد 1981عددا من أعمالها الحروفية الأولى مؤرخه بعام 1946، أهي رائدة الحروفية الأولى ام ما يؤكده الفنان جميل حمودي من مواليد 1924 من انه الرائد الأول في استلهام الحرف العربي كما يؤرخ له الفنان شاكر حسن آل سعيد في كتابه البعد الواحد "كان جميل حمودي منذعام 1947 قد اتخذ من الكلمة المكتوبة ضمن عالم اللوحة المرسومة عنصراً جديداً في البناء الفني". لكن مديحة عمر تعطينا بعداً آخر أكثر وضوحاً للصورة بكونها الرائد بوعي ومعرفة في استلهام الحروف والكتابة العربية لكونها أول من نظَّر وكتب عن ماهية العلاقة بين الفن والحروف العربية. ففي واشنطن كانت قد نشرت بياناً فنياً عام 1949 تحت عنوان (الخط العربي عنصر استلهام في الفن) درست فيه إمكانية الاستفاده من الخواص المطاوعه للحروف العربية وإمكانية استخدام القيم التجريدية في بناء اللوحة الفنية الحديثة وهي بذلك سبقت كل المهتمين بالفن التشكيلي من فنانين ونقاد في هذا المجال. لكننا قبل الحكم على هذه الريادة العراقية للحروفية لابد من النظر الى التجارب العربية الاخرى في هذا المضمار والتي تؤكد ريادتها ايضا، فالفنانة اللبنانية سلوى روضة شقير من مواليد 1931 تقدم لوحتها الحروفية باسم (يا ليل) والمنفذه بتاريخ 1947 كذلك الفنان اللبناني وجيه نحلة يؤرخ لوحته (المحارب) بتاريخ 1954 مستغلاً إمكانية الخطوط العربية ومطاوعتها التشكيلية في بنائه الفني. ثم هناك تجربة الفنان سعيد عقل وأعماله بالحبر الصيني التي اعتمد فيها تشكيل الحرف بنظرة جديدة وأطلق عليها (كتابه) في معرضه الاول 1954. كذلك لابد من الوقوف عند التجربة السودانية ودور مدرسة الخرطوم التشكيلية وريادة البروفسور أحمد محمد شبرين 1930 ورفاقة عثمان وقيع الله وابراهيم الصلحي اذ حاولوا إدخال إيقاعات ورؤى جديدة للفنون الحرفية وأعطوها مذاقاً خاصاً ثم تجربة أدهم اسماعيل وامتدادها الى محمود حماد اذ استخدما النسيجرالكتابي بأشكال لونية مموّهة لصورة الحرف والكتابة باتجاه تجريدي واضح. اما فنانو المغرب العربي فانهم تأثروا بشكل واضح باستلهام الحرف من الإطار التاريخي لصفحات المخطوطات العربية والزخرفة ليتجاوزوا الشكل الصريح للحروف. ففي أعمال الفنان التونسي نجيب بلخوجة تبرز قدرة التعاطي مع الحرف بإيقاعات هندسية مميزه. وكذلك في أعمال المغربي محمد المويلحي الذي اقتبس انسيابية الحرف ومطاوعته لخلق أشكال تجريدية متفردة. وفي الجزائر تجربة الاخوان محمد وعمر راسم والفنان سيد علي الذين قربهم الخط من الفن التجريدي وان لم يدّعوا الانتماء اليه.
وفي مصر كان الفنان الرائد حامد عبد الله (المتوفي عام 1986) من أوائل رواد الحروفية في الخمسينات من القرن الماضي. وكذلك الفنان عمر النجدي في بحثه عن البيئة الشعبية واستخدام جمالية الحروف العربية في نسق روحي. كما استفاد الفنان الرائد صلاح طاهر من طواعية الحرف. وتبقى تجربة الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد عبر أعماله المستمده من تنظيره لجماعة (البعد الواحد) وتأويلاته الصوفية في نسج العمل الفني من أبرز ما قدمته للحروفيين العرب في وضع الأسس الـولى لمدرسة فنية معاصرة تعتمد استلهام الحرف العربي.
وتتسع التجربة في أعمال العديد من رواد التشكيل لعربي فالفنان الفلسطيني كمال بلاطه والسوري عبد القادر الارناؤؤط ومروان قصاب باشي والمصري احمد فؤاد سليم وسعيد وائلي وعصمت داوستاشي ومن لبنان يسار صفي الدين وحسين ماضي والمغربي أحمد الشرقاوي وغيرهم الكثير لتمتد الى الجيل اللاحق ليضيفوا الكثير كتجربة الفنان ضياء العزاوي والذي يعد من اكبر الملونيين. وكرافييكية نجى المهداوي وجراره المؤشاة بحروف ورموز ممطوطة. ونقوش فريد بلكاهية على الجلود. واختام رشيد القريشي الصينية فوق الخط الكوفي المغربي. وتجربة الفنان محمد سعيد الصكار وتجديداته في الخط العربي التقليدي.
وتتسع الرؤية في استلهام الحروف بالعديد من الأساليب لتشمل أغلب الفنانين العرب حتى لتكاد لا تجد فنانا إلا واستقى من هذا النبع الجميل. ليس في انجاز اللوحة فحسب بل امتدت الى النحت كما فعل الفنان الرائد جواد سليم في إدخال الكتابة في أعماله وكذلك فعل الفنان النحات محمد غني حكمت عبرمنحوتاته والخزّاف المصري الرائد كمال عبيد.
muhsinaldahabi@yahoo.com