تمثال متحف الخراب - قصة قصيرة

محسن الذهبي قرأها 686

 تمثال متحف الخراب - قصة قصيرة

استيقظت في ليلة تموزية ملتهبة.. لأجد نفسي قد أمسيت تمثالا لشاعر بعيد كل البعد عن ذنوبه.. عن حماقته الكبرى بالاحتفال وحيدا مع (تخوت) المقاهي، بانتهاء قصيدته المؤجلة منذ عرف آخر الضحايا الصعاليك (للمثال) الأعرج الذي أركنني في صالة عرض بائسة منسية وفي ركن منعزل من أزقة مدينة رسمت ملامحها بصمت بارد قاتل للاعصاب مخدّر بترويض الأسد الرابض في ذاته وجعله خروفا لا فروة له.

       مركوناً أستقبل الصباح في الساعة الثامنة وهو يطرد الذباب عن وجوه النساء الجميلات. وفي العاشرة يصل العالم إلى نهايته ويموت السبت بلا تاريخ ليدفن في مدافن المجوس الممحوّة من خارطة المدن المعلقة على جدران دائرة البلدية المحلية. مدن أزقّتُها لا تعرف اسم المحلة أو ضابط أمنها من ضابط إيقاع حياتها المغلقة على كل جهات العالم، تحيط بها أسواراً ترتديها درعاً لا يقي من رصاص لعب الأطفال.. هذا ما أرّخته الحروب فيها وفينا وهذا ما كتمته أصابع (المثال) الأعرج الذي عانى ما عانى في رسم خريطة وجهها العابس بحب وهو سكرانا حدّ الجنون، حتى إنه نسي أن يرتدي سرواله القصير المثقوب من الخلف بفعل احتكاكه بأرض الأسفلت الصلب المفروش على أرض المكان والممتدّ من جنوب النهر حتى جنوب القمر الغائب منذ عشرات السنين ونيف، لحظة أكمل يدي المقطوعه أجلسها على الكرسي الفارغ، فتطاولت لتمتد إلى مفتاح الضوء تغلقه كي يكمل صديقي عمله على أضواء نجوم غاربه، يصرخ بي – المثال- ويده على قلبه المصاب :-

- لن تضئ المدينة نجمه، سرقوا كل النجوم!!!.

بتمهُّل تمتدُّ اليد المقطوعة تسرق نجمة صغيرة مخبّأة تحت حجر قديم ثم تضئ المصباح.. فنكتشف، ويا هول ما اكتشفنا.. أربعين عاما وعشرين هاوية وحبيبة واحده...

نتذكر الخميس فنغطي وجه المدينة بالحيرة، أهمس مع نفسي خوف أن أسمع نفسي فلغتي ما عادت أليفة، أهذه ساحة للحب أم للقتل؟ وهل جسدي ساحة للأحلام المقتوله؟. يسقط الظل فوق صورة الجسر فيعرف وقتها أن الجسر الذي عاشرته عمرا وخبِرْتُه لم يعد قادرا على إيصالي الى الضفة الاخرى.. إلى الدروب الضيقه والمنازل المتلاصقة حدّ الاحتضان. تزداد المسافة التي تفصلني عن المدينة فتكبر مع الورم الذي يكبر بين الأضلاع كل لحظة ليولد من مخاض الألم تمثالٌ آخرُ يسرق بريق بقائه من هندسة الشوارع التي تدوس كل أحلامنا، أزقتها سرير من الدروع البشرية المضحّى بها على أبواب مدن لا يعرف الجنود أسماء شوارعها.

لحظتها ولد هذا التمثال الصغير المنشطر من خاصرة عند جيب سترتي الذي ملأها – الفراش المتكاسل- ببقايا أعقاب السجائر والاوساخ عاجزا من أن يلقي بها في سلة المهملات التي لا تبعد إلا خطوات من كرسيه المهترئ، فأودعها جيبي الأيمن القريب إلى يده اليسرى والتي اعتاد استعمالها في اطلاق النار عند حروب لم يعرف بالضبط بدايتها لكنه ظلَّ يحلم وهو في فراش الزوجية بانتهائها. والعيش أياما فقط بلا حروب في مدن لا تعرف لغة الصواريخ ولا تخترق بكارةَ سمائها طائراتُ عند الهزيع الأول للفجر.

لحظة ولد فعلا هذا التمثال وهبّ واقفا قربي، كان صغيرا غير مرئي أحيانا للذين لا يلبسون النظارات الطبية المكبرة للأشياء الواضحة، ليقف لصيقا بي، يكبر سريعا وفي برهة من الوقت الضائع والمضيع في الأشياء المهمة واللاشئ. أحس بالقرف من مجاورته.. فأنظر صوب تعملقه المدهش لأدرك مقلوبا صغري امام حجمه الفأري، انظر مع ذاتي فتتلاشى عندي لغة القياس ومدياتها.. فأتلاشى معها.. أذوب.. لأنتهي إلى أصغر الاشياء إلى ما يشبه ما يسمى – بلا شئ – فعلا.

      ذلك ما أرادوا لخلق نهاية لي.. ولمكاني في متحف المدينة المهجورة ساعة فرَّ أبناؤها إلى الخلاص المموّه بالطين... الطين الذي يغطي الوجوه ونوافذ السيارات والبيوت ذلك الزمن الراجع رغم أنفه إلى الطين. تلك نهايتي التي رسموا وبلا فضائح – على ما ظنوا – وبأحدث وسائل التدمير أو حتى بدونها فأمروا – الفراش المتكاسل – أن يؤدي هذه المهمة القذره.

       على القاعدة المرمرية كان اسمي مكتوبا بخط سيئ، والمسافة الممتدة بين اسمي واسم (المثال) فراغ هائل، يصلح لاحتضان مئات الآلاف من الأسماء الأخرى كتماثيل مركونه في متحف الجفاف والهجران. مع الفجر تنشط يد – الفراش – المهمل في عمله في (جلف) إسمي بالماء الساخن والاسلاك المعدنية، عشرات المرات في محاولة يائسة لمحو معالم الاسم، كان امله أن يمحى ليضع مكانه علامة بأحدث مكائن الطبع والحفر على الحجر تعلن بأن التمثال قد ذاب في زمن الضروره وأن التماثيل التي تذوب لا تدوم ولا تقاوم عوامل التكيف مع ما حولها تاركة مكانها لتماثيل القادة العظام مجتمعين بقائد واحد للبقاء إلى الابد تربض بكل فخر مضحك على مداخل كل القاعات والصالات وحتى البيوت وغرف النوم والمراحيض ضاحكة بعبوس وجه سجان لم يغسل وجهه ندى الصباح.

مانشستر