أولادنا والتلفزيون والكومبيتر وضياع الشخصية

فرحان بلبل قرأها 5
 

مع انتهاء العام الدراسي تبدأ هموم الأهل بأطفالهم. فالمدرسة التي كانت تضم الأطفال والفتيان في صفوفها بعض ساعات النهار، كانت تشغلهم بتحضير الوظائف وحفظ الدروس ساعات أخرى من النهار. وما تبقى من ساعات اليوم لا يكاد يكفي لنوم الأطفال والفتيان وأكلهم وملاعبة الأهل لهم. ويكون الأولاد والأهل مشتاقين إلى هذه الملاعبة والمداعبة. أما عندما يبدأ فصل الصيف بالعطلة التي تمتد عدة شهور فإن هذا البرنامج المنظم يتعطل. وبما أن إمكانية التصييف محدودة بأيام معدودة وبنفقات محسوبة بدقة، فإن الأطفال والفتيان معرضون لساعات طويلة من الفراغ. ولكن الأهل لا يضيقون ذرعاً بأولادهم وبمشاكلهم لأن في البيت جهازاً قادراً على استنـزاف وقت الأطفال والفتيان وشيطنتهم ولعبهم وهو التلفزيون. والأم المشغولة بعملها خارج المنـزل أو داخله تبدأ يومها ويوم أولادها بأن تكبس زر تشغيل التلفزيون، وإذا بالنهار يمضي دون هموم كثيرة. وبهذا الشكل السهل الظريف لا يخرج الأطفال إلى الحارة، ولا يلعب الفتيان مع فتيان الجيران. فإذا وجد في البيت جهاز كمبيوتر صارت متعة الأطفال والفتيان أكبر، وصار انشغال هؤلاء الشياطين الصغار عن أهلهم أكبر. فإذا أتيح للفتى أن يذهب إلى مقهى للإنترنت فإن الأهل يفرحون وهم يرون أولادهم الصغار يجيدون التعامل مع هذا الجهاز الخطير الذي يُعد التعامل معه منتهى الذكاء المطلوب في هذا العصر.

إن ما وصفناه هو السمة الغالبة على ما يجري في أكثر البيوت في سورية. لكن ما يجري ليس أكثر من جريمة اجتماعية. وهنا يجب أن يصرخ جميع المربين والمفكرين في وجه الأهل حتى يدركوا خطورة هذه الجريمة الاجتماعية التي يقترفونها في حق أولادهم أطفالاً وفتياناً. وهي جريمة تتحول إلى لعنة حين يصبح أولادهم شباباً.

ومن يعاشر شباب اليوم يدرك هذه الجريمة.

إن الإدمان على مشاهدة التلفزيون يصل عند الأطفال والفتيان إلى سبع ساعات أو ثماني في اليوم الواحد. أي أن الذي يربي فلذاتِ الأكباد ليس الأهل أو المدرسة أو المجتمع أو الكتاب أو غير ذلك من الأنشطة الاجتماعية والثقافية. ويكون المربي الأكبر لهم هو المسلسلات والدعايات وأفلام الأكشن وإطلاق الرصاص والعنف ومشاهدة الجريمة وتعاطي المخدرات وأفعال أبطال السينما القائمة على استكبار الأمريكي وتحويلِه للكثير من الأفعال الإجرامية إلى فعل إنساني. ويكفي أن نقف عند واحد من هؤلاء المربين لأولادنا وهو الدعاية. فهي تقدم لهم زاداً موسيقياً وكلامياً وفنياً. وهو زاد رديء وسخيف. لكن هذا الزاد يتحول إلى أناشيد وأهازيج يرددها الأطفال والفتيان طول النهار. وهذا يعني أننا نربي أولادنا على كل ما هو غير صحيح في الفعل الاجتماعي والفكري. ونحن نقترف هذه الأخطاء في حق أولادنا عمداً مع سبق الإصرار والترصد. لأن الأم هي التي تفتح جهاز التلفزيون لأبنائها منذ الصباح. والأب يرى ويوافق. فإذا أضفنا إلى ذلك أن مشاهد الحب توحي بكثير من
الجنس والشبق فإن الرغبات الجنسية تبدأ بالتحرك عند الأطفال وهم دون السادسة أو دون ذلك. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الإنترنت يقدم لمن يبحث في زواياه صوراً وأفلاماً جنسية فاضحة أدركنا الهوة التي ينـزلق إليها فتياننا وفتياتنا وهم دون الرابعة عشرة، وأدركنا أيضاً أننا نربي أولادنا أيضاً تربية جنسية فيها الكثير مما أخجل عن ذكره.

لهذا الذي تقدم، ولكثيرٍ مما لا تستطيع مقالة صغيرة أن تذكره، أتقدم إلى آباء هذا الوطن وأمهاته أن يعيدوا النظر في علاقات أولادهم بالتلفزيون والإنترنت. وأرجوهم - إكراماً لفلذات أكبادهم - أن يبحثوا لأولادهم عن وسائل أخرى للترفيه والتوجيه، كالتسجيل في دوراتٍ لتعلم الرسم والموسيقا والرياضة والقراءة وغير ذلك مما يرتقي بتربية الأطفال والفتيان وينمي عقولَهم وأجسادَهم.لكنني أتوجه إلى مؤسسات الدولة المختلفة، وخاصة وزارة التربية ووزارة الثقافة، بأن تولي هذا الموضوع أكبر أهمية لأن مستقبل جيل بكامله مرهون اليوم بإعادة النظر في تربيته. وكم أتمنى أن تتوسع المراكز الثقافية في مختلف المدن والبلدات والقرى السورية لتحتوي بين جدرانها أنشطة لأولادنا. وكم أتمنى أن تكون جميع مدارس سورية في عطلة الصيف مقرات للأنشطة الثقافية والفكرية والرياضية بما يغري الأولاد - أطفالاً وفتياناً - بالابتعاد عن التلفزيون والإنترنت أكثر ساعات النهار. ولا يعني هذا على الإطلاق أن نحرم أبناءنا من التلفزيون أو من الكمبيوتر أو أن نقطع عنهم الإنترنت وهو اتصال عظيم بالعالم، بل يعني أن نعلمهم تنظيم العلاقة بينهم وبين هذه الاتصالات الرائعة.

إنني أكتب ذلك متوجهاً إلى الأهل وإلى مؤسسات الدولة بكثير من الألم والحرقة واللهفة.

وواللـه إني غاضب مما يجري. وواللـه إن قلبي يبكي مما يجري. فالوطن كله بين أيدينا. وليس الوطن إلا أبناءه. وأبناؤنا اليوم في خطر. فهل أسمعتُ لو ناديت حياً؟ أم أنه لا حياة لمن تنادي؟