المهندس المعماري محمود زين العابدين وثلاث جوائز في عام واحد
حوار: د. محمد جمال طحان *
كتابه "عمارة المساجد العثمانية" نال ثلاث جوائز هي:
جائزة مجلس مدينة حلب
وجائزة الشيخ زايد للكتاب
وجائزة منظمة العواصم والمدن الإسلامية.
محمود زين العابدين من مواليد مدينة حلب، نشأ في أحيائها القديمة وأزقتها المتعرجة التي تحمل أسرار قصص تاريخية تتناول عظمة هذه المدينة، ولما شهدته من أحداث تاريخية، وتعلم منها معنى التواصل الاجتماعي ضمن بيت واسع الفناء تحوّل إلى مسرح للعلاقات الاجتماعية وحمل في ثناياه أرقى وأجمل العلاقات المتينة والمنسابة كانسياب المياه العذبة من نافورة صحن بيت تقليدي بمدينة حلب. بقيت ذكريات الطفولة ترفقه وهو في ديار الغربة . في زيارته الأخيرة لحلب التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار:
1. ماالذي تخلّفه الغربة في نفسك، وماهي أسباب الرحيل المتواصل؟
- اغتربت عن مدينة حلب متابعاً تحصيلي العلمي بعدما أنهيت دراستي الثانوية عام 1986، منطلقاً في قطار الغربة نحو تركيا، لتكون مدينة أنقرة أول محطة لي، ومن ثم انتقلت إلى مدينة استانبول لأحصل منها على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة يلدز للتقنية عام 1994، ومن ثم تابعت مشوار الغربة في المملكة العربية السعودية ومروراً بأمريكا، ولأكتشف وبالصدفة بأنه قد مرّ عليّ عشرون عاماً خارج أسوار الوطن، لكن حبي وإخلاصي وحنيني لهذا الوطن لم ينقطع رغم بعد المسافات، فحاولت توظيف هذا الحب بكثير من الأنشطة الثقافية سواء في ديار الغربة أو في سورية، والتي تنصب جميعها في بوتقة التعريف بالتراث العمراني والدعوة إلى الحفاظ عليه، من خلال كتبي ومقالاتي ومحاضراتي ومعارضي للصور الفوتوغرافية.
2. إذن هل كانت الغربة السبب الرئيس في توجهاتك الكتابية؟ أم حبك لمدينة حلب؟
- كلاهما معاً، لكن الغربة كانت المحرك الرئيس الذي فجر في داخل أعماقي براكين شوق وحنين، لأسكب هذا الحنين من خلال أنشطتي الثقافية، محاولاً أن أعرّف للمجتمع الآخر عن مدى ثراء حضارتنا وتنوعها، فالغربة تؤجج في قلب المغترب نيران الحنين والشوق إلى الأهل والأحبة، وتزرع في وجدانه مشاعر التغني بالديار وبذكريات الماضي، كما أبدع الكثير من الأدباء والشعراء العرب في المهجر. أما مدينة حلب المحروسة، فهي مدينة العشاق والأدباء والشعراء، وهي غنية عن التعريف، إذ تتميز بأصالة وبعمق جذور تاريخها الضارب نحو قرون تصل إلى ما قبل الميلاد، وإنطلاقاً من تخصصي في الهندسة المعمارية، حاولت أن أركز وأصب جل إهتماماتي بتراثنا العمراني الثري، فحلب وكما هو معروف للعالم أجمع بأنها من أقدم المدن المأهولة في العالم، وقد شهدت حضارات كثيرة.
3. حصلت وفي أقل من عام على ثلاث جوائز محلية وعربية ودولية، ما هي انعكاساتها عليك؟
- بالطبع كان لتلك الجوائز الثلاث انعكاسات إيجابية، وجاء تلاحق هذه الجوائز مفاجأة سارة بالنسبة إليّ، بل ووضعت على عاتقي حملاً كبيراً من المسؤولية في أعمالي القادمة، ولا أنكر سعادتي بهذا التقدير، لأن التقدير والشكر والثناء والجوائز جميعها تشكل مصدر عطاء للكاتب، وحافز على السير في هذا الطريق المتعب، كما حدث عندما استضافتني السيدة أسماء الأسد لتبارك لي بحصولي على هذه الجوائز. وتأليف أي كتاب مهما صغر حجمه، وكما تعلم وخاصة بأن لديك تجاربك في هذا المجال، فيه من التعب والمعاناة والتحضير، التي تضع المؤلف في كثير من الأحيان في حالة إحباط واستياء، ويبدأ المشوار مع الفكرة الأولى للكتاب، وفي مراحل إعداد المادة وإخراجها، والبحث عن جهة أو دار نشر تتبنى هذا الكتاب، ومن ثم متابعة الإخراج، ثم يليها الطباعة، ونتابع فيما بعد حتى طريقة توزيع الكتاب وبيعه، فالعملية ليست بالبسيطة، إضافة إلى ما يعانيه الكتاب في مجتمعنا العربي من عزوف وإهمال.
4. دعنا نتحدث عن أول جائزة، ألا وهي جائزة الباسل للإنتاج الفكري لعام 2006م، في مجال التراث العمراني لمدينة حلب، ماأهميتها بالنسبة إليك؟
- لهذه الجائزة أهمية خاصة لدي، أولها بأنها الجائزة الأولى التي أحصل عليها، وجماليتها تقع بأن أحصل عليها من أبناء مدينتي التي أشعر بفخر واعتزاز لا مثيل لهما لانتمائي لمدينة حلب الشهباء.
5. بعد أشهر قليلة من حصولك على جائزة الباسل، حصلت على جائزة الشيخ زايد للكاتب، عن فرع المبدع الشاب، لكتابك عمارة المساجد العثمانية، ماالذي أضافته هذه الجائزة لك؟
- لقد أضافت الكثير، وكانت أشبه بدرجة ثانية أصعد من خلالها سلم النجاح، وكان حصولي على هذه الجائزة مفاجأة سارة لم أكن أتوقعها قط، فقد شارك في هذه الجائزة أكثر من ألف مشارك، وكنت الفائز الوحيد من سورية، مما زرع في وجداني وأنا أستلم الجائزة شعور الفخر والانتماء لسورية الحبيبة، وهذه الجائزة غيرت مجرى حياتي تماماً نحو الأفضل.
6. وماذا عن جائزة منظمة العواصم والمدن الإسلامية التي حصلت عليها مؤخراً؟
في الحقيقة تم ترشيحي لهذه الجائزة من قبل مجلس مدينة حلب، أما عن أهمية هذه الجائزة، بأنني قد حصلت عليها من جهة دولية منتمية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وتضم في عضويتها 141 عاصمة ومدينة كأعضاء عاملين من 54 دولة عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي من أربع قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، كما تضم في عضويتها ثمانية مدن أعضاء مراقبين من ست دول ليست أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وأربعة عشرة عضواً مشاركاً من الوزارات والهيئات والجامعات ومراكز البحوث من الأقطار الإسلامية ذات الصلة بأنشطة وأهداف المنظمة.
7. ماهي المنهجية التي تعتمد عليها في كتبك؟ وكيف يمكن أن نصنع كتاباً ناجحاً؟
- أعتمد في مؤلفاتي على سلاسة المعلومة التي يمكن لأوسع شريحة أن تتناولها، إضافة إلى الصورة المرتبطة ارتباطا وثيقاً بالنص، خاصة وأن جميع الصور المستخدمة في كتبي الخمسة من تصويري، فلا أكتب عن مدينة أو مكان أو آبدة ما، دون أن أقوم بالزيارة الميدانية، والتعايش مع المكان، محققاً التفاعل الحقيقي، إضافة إلى العودة والاستفادة من المراجع التي تناولت هذا الأثر، مما يعطي صدق في المعلومة المقدمة، وأعتمد على أسلوب إخراجي يتم من خلاله توظيف النص والصورة والمخطط بشكل جذاب لشد القارئ، فكتب العمارة الناجحة تحتاج إلى أسلوب عرض وإخراج متميز لأنها تضم في ثناياها مادة علمية دقيقة وموثقة، وصور ملونة وواضحة، وخرائط ومخططات هندسية، إضافة إلى البعض من الجداول التوضيحية.
8. صدر لك إلى الآن خمسة كتب، جميعها يعنى بالتراث العمراني، فهل لك أن تقدم للقارئ موجزاً عنها؟
صدر أول كتاب لي في المملكة العربية السعودية عام 1998، بعنوان ((جولة تاريخية في عمارة البيت العربي والبيت التركي))، كما شاركت بتأليف كتاب صدر باللغة الإنجليزية في لندن، بعنوان ((البيوت ذات الفناء الداخلي))، ببحث عن البيوت المشيدة في سورية خلال العصر العثماني، وفي العام الماضي ومع احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، صدر لي ثلاثة كتب، كان الأول والذي قد فزت به بجائزتي الشيخ زايد للكتاب، وجائزة منظمة العواصم والمدن الإسلامية بعنوان: عمارة المساجد العثمانية، ثم صدر كتاب آخر بعنوان ((حلب عمارة المدينة القديمة))، كان مخصصاً للمناسبة تسمية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية وأهديته إلى مدينة حلب، بهدف المساهمة في التعريف بهذه المدينة العريقة، وقد صدر برعاية كريمة من سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون، فله كل الشكر والتقدير، أما الكتاب الثالث فهو بعنوان: ((فضاءات من العمارة الإسلامية))، والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات تعرّف بعمارتنا الإسلامية المنتشرة في العالم الإسلامي.
9. طالما تحدثت عن المستقبل، ما هي أهدافك وطموحاتك ومشروعاتك المستقبلية؟
في الحقيقة هناك الكثير في جعبتي، سأقوم بمتابعة مشواري العلمي، لأن العلم بحاجة إلى تخصص، فلم تعدّ شهادة الهندسة تكفي، مع تطور العلوم وتوسعها، فأصبح المهندس بدون تخصص أشبه بالطبيب العام الذي لايحمل تخصصاً طبياً، وأود التخصص في العمارة العثمانية وفنونها، خاصة وأنني قد درست الهندسة المعمارية بتركيا، وإجادتي اللغة التركية تساعدني في الرجوع إلى المراجع العلمية المنشورة باللغة التركية، وكما هو معروف بأن سورية قد شهدت خلال العصر العثماني الذي دام أربعة قرون نهضة عمرانية واسعة أفرزت تلك المرحلة كماً كبيراً من المباني العثمانية، وتحتاج تلك المباني إلى تقديم الكثير من أعمال التوثيق وإعادة التأهيل والتوظيف للبعض منها، مع التعريف بها. فنحن نملك تراثاً عمرانياً نادراً، يجب أن نقوم بإعداد دراسات لطريقة حمايته والتعريف به لما سيتحقق من فوائد علمية وثقافية وسياحية، من خلال إعداد دراسات متكاملة، كي نساهم في التعريف بحضارتنا الغنية، فأتمنى أن أساهم في هذا العمل المؤسساتي الضخم، وهذا ما دفعني إلى التفكير بالعودة إلى ديار الوطن وتأسيس مركز يمكنه أن يساهم في العديد من الأنشطة المعمارية والعمرانية والثقافية والسياحية. راجياً أن أوفق في ذلك، لنساهم جميعاً في بناء صرح وطننا الحبيب.