الصحفي التلميذ سيكون أشطر من أستاذه في القبض... حوار مع الباحث جان داية

حاوره د. محمد جمال الطحّان قرأها 6
  

تحتفل الصحافة كل عام بأبنائها ويرتسم على وجهها نصف ابتسامة.. ويحتفل أبناؤها بها, كل على طريقته, أما طرائقghegegeg3456376ue6uy4y55555555556e4ue46.JPG الاحتفال فان اختلافها يعزى إلى أساليب الأبناء, منهم من يصفق لها بفرح شديد حاملاً كل لافتات الوفاء والولاء, مزيناً ديباجاته بشعارات براقة لايختلف على جودتها اثنان, ومنهم من أدرك أن (اليد التي تصفق لاتعمل) لذلك يكتفي بإظهار احترامه ومحبته من خلال عمل دؤوب يساهم في إعلاء شأن الأم والحفاظ على كرامتها.

 والصحفيون القديرون على مدى العصور يتمتعون بطرافة لافتة، ولهم في تلك التي يعشقون مذاهب.‏ حول هموم السلطة الرابعة وشجونها وطرائفها, أجرينا الحوار التالي مع صحفي كاتب خاض غمار الصحافة في أرجاء العالم وعرف من أسرار الصحافة الشيء الكثير.‏ عمل في صحافة بيروت (النهار - الديار- البناء - الأنوار- فكر....) في حقل الثقافة والريبورتاجات.‏ في باريس: ترأس تحرير مجلة "المنبر"‏، في لندن: مسؤول الصفحة الثقافية في "الشرق الاوسط"‏ وحرر في "سيدتي" وصوت الكويت وسوراقيا, وأدار "دار سوارقيا للنشر".‏ أصدر حوالي ثلاثين كتاباً منها: عقيدة جبران, ثلاثة كتب عن الكواكبي, "سعاده في وثائق الخارجية الألمانية", عدة كتب عن "سعيد تقي الدين", كتاب عن خليل حاوي.‏ حقق وقدم 21 كتاباً لـ"سعيد تقي الدين" بالعربية‏ ويحقق ويقدم كتابين لسعيد بالانكليزية‏ .

  إنه الصحفي اللبناني جان داية‏.  التقيناه وسألناه عن ذكرياته مع الصحفيين القدامى:‏

-    أستاذ جان، وأنت صحفي مخضرم, ما الذي تذكره عن طرائف سليم سركيس.. صاحب جريدة المشير ومحرر في جريدة لسان الحال 1880 وكاتب صحافي ساخر, أصدر في مصر جريدة المشير ثم أصدر مجلة (مرآة الحسناء) عام1881.

*    هذا الرجل مجموعة من الطرائف، لو أخذتَ مجلة مرآة الحسناء التي أصدرها باسم (مريم مزهر) وهو اسم مستعار اخترعه, كانت الاشتراكات تأتي حوالات, وكي يقبضها ينبغي أن يذهب إلى البريد /يسمونه البوستة/ كان مدير البريد صديقه, ذهب بعد ستة أشهر، بعد أن تراكمت الاشتراكات خلالها, ذهب لكي يستلمها, قال مدير البوستة: أين هي مريم مزهر?

قال له إنها مشغولة في مكاتب المجلة لأن العدد الجديد سيصدر قريبا فقال له اذا أحضر توكيلاً عنها فعاد الى المكتب وعمل توكيلاً لنفسه ووضع عليه ختم المجلة وعاد الى البريد وقبض المبلغ.‏

-    وما علاقة سركيس مع المكتوبجي ?‏

*    كان يحرر عام 1882 في جريدة لسان الحال فكان يعاني من (المكتوبجي) رقيب الصحافة ويروي سليم سركيس في كتابه (غرائب المكتوبجي) أنه أرسل الى رقيب الصحف مجموعة الاخبار التي يود نشرها في العدد الذي سيصدر في اليوم التالي, أحد الاخبار يقول: إن مجرماً فرنسياً طعن رئيس الجمهورية الفرنسية (مسيو كارنو) وقتله فكُتب الخبر تحت عنوان (اغتيال كارنو)، عاد الخبر من عند المكتوبجي بعنوان وفاة / كارنو/ وفي متن الخبر أن كارنو مات بالسكتة القلبية!‏

-    ماهي حكاية طربوش سليم سركيس التي شغلت الصحافة البريطانية ?‏

*    عندما سافر سليم سركيس الى لندن, أصدر جريدة بخط اليد وتوجه ذات يوم الى مجلس العموم البريطاني ليحضر احدى الجلسات وكان آنذاك يلبس الطربوش, منعه الشرطي من الدخول وهو يلبس الطربوش, أصرّ. جيء بمدير المجلس ليقنع سليم سركيس بخلع الطربوش, فقال له: نحن ندخل الكنيسة ونحن نلبس الطربوش, فكيف تريدني أن أخلع الطربوش? هل المجلس العمومي أهم من الكنيسة?. مديرالمجلس أخذ قراراً استثنائياً وسمح لسليم سركيس باعتمار الطربوش داخل المجلس وصدرت في اليوم التالي معظم الصحف البريطانية وهي تتصدر خبر اعتمار أحد الصحافيين السوريين الطربوش داخل المجلس خلافاً للقرار الذي يمنع وضع أي قبعة على الرأس.‏

-    هذا بالنسبة لسليم سركيس. ماذا عن الصحفيين ومسألة (القبض) أي محاولة تمويل صحفهم من خلال الترغيب والترهيب: نعلم أن بعض الصحفيين القدامى, من أجل تمويل صحفهم يواجهون الاثرياء الجشعين بالحيلة فيعمدون الى نشر خبر قصير عن أحد المتنفذين أو التجار ملمحين الى أنهم سينشرون في العدد التالي تفاصيل الفضيحة فيسارع صاحب العلاقة كي يشتري سكوتهم, فيحصلون على مبالغ طائلة. ما الذي تتذكرونه عن مسائل القبض تلك, وعن طرائف الصحفيين?‏

*    هناك طبعا طرائف كثيرة للعديد من الصحافيين العرب سواء كانوا يصدرون صحفهم داخل السلطة العثمانية أو في القاهرة أو ديار الغربة. مثلاً عندما أراد سعيد فريحة وهو ولد صحافياً في حلب, فهو حلبي الولادة الصحفية, عندما أصدر مجلته الشهيرة (الصياد) طلب من صاحب جريدة (الصحافي التائه) اسكندر الرياشي, الذي أصبح فيما بعد نقيباً للصحافيين, طلب منه أن يكتب له مقالة لينشرها في العدد الأول, جرياً على عادة الصحافيين, وأرفق طلبه بـ: "اذا كان بالإمكان أن يكتب عن الصحفيين والقبض", فكتب اسكندر الرياشي، وكان ساخراً مثل سعيد فريحة, كتب مقالاً عدد فيه بعض حفلات القبض التي مارسها خلال إصداره جريدة /الصحافي التائه/ ومن جملة ما قال أن محمد التابعي الصحافي المصري الشهير كتب في/ أخبار اليوم/ جريدة علي أمين مصطفى أمين / يتهمني فيها أني قبضت -10- آلاف ليرة انكليزية من جهة معينة, في الحقيقة أني /زعلت/ عندما قرأت الخبر ليس لأني لم أقبض الـ"10 آلاف".. لقد قبضت الـ"10 آلاف" وأكثر من الـ"10 آلاف" من جهات أخرى, لكن (زعلت) كيف عرف محمد التابعي أني قبضت الـ"10 آلاف".

ثم روى طرفة ثالثة وهي أن الفرنسيين في المفوضية الفرنسية في بيروت كلّفوه وهو فرانكوفوني وكان يعمل ضابطاً في الأمن العام الفرنسي قبل أن يمارس العمل الصحافي سأله المفوض السامي الفرنسي: يوجد عدة شخصيات في منطقة البقاع و (بعلبك والهرمل تحديداً) معارضة للانتداب, على اعتبارك يا اسكندر من زحلة (البقاع) فنحن نسألك ما هو علاج هؤلاء..?  أجابه: العلاج معروف ندفع المال. سأله المفوض السامي كم يكلف هؤلاء?‏  قال له: /30/ ألف ليرة انكليزية, كانوا ستة أخذ المبلغ على أن يدفع لكل واحد منهم /5/ آلاف, في طريقه الى البقاع, وصل الى ظهر البيدر فوقف وقال: نسينا اسكندر الرياشي فوقف وقسم المبلغ على سبعة وقال: (الآن برطلنا اسكندر الرياشي) واستأنف المسير وصل الى بعلبك الى واحد من آل حيدر وبعد أن شرب القهوة سأله: ما رأيك بالسياسة الفرنسية.؟  فقال له: نحن ظلمنا الفرنسيين لأنهم نشطون يبنون المدارس ويشقّون الطرقات وصار (في) حرية بخلاف أيام العثمانيين, وبعد أن أنهى شرب القهوة ودعه, وقال في نفسه مادام وافق, نحذف الـ"4 آلاف" حصته, فوضع المبلغ في جيبه وتابع طريقه.  الباقون أدلوا برأيهم إيجابياً تجاه الفرنسيين, بقي القبضاي المشهور (ملحم قاسم) الذي كان (مطارد فراري) ذهب إليه وبعد العشاء الذي حضره رؤساء العشائر وذبحت خلاله الذبائح سأله كيف حالك يا أبا علي?‏  قال: صار لي كذا سنة بهذه الجبال, وتعبت, وهؤلاء أصحابك الفرنساوية هل يمكن أن تكلمهم من أجل ترتيب وضعي وإعفائي من المطاردة..?‏

فقال له: يا أبا علي... أصحابي... أصحابي ولكنك تعرف لاشيء يمكن حله إلا بالمال. قال له: كم تكلف العملية..? فقال له: تكلف 5 آلاف ليرة, وختم المقالة بهذه العبارة: تلميذنا سعيد فريحة... أكيد تعلمون لماذا طلب إلي أن أكتب له خصيصاً عن القبض, (لا تاكلوا همه) سيكون (أشطر) من أستاذه في القبض.‏

تداول الأخبار‏

-    ماذا عن سعيد تقي الدين?‏

*    سعيد تقي الدين لم يحترف الصحافة ولكنه كان صحافياً من الطراز الأول كان يكتب افتتاحيات عدة صحف وكان أحياناً يستلم رئاسة تحرير جريدة لبضعة أشهر أو لشهر واحد عندما يغيب رئيس تحرير يكون صديقه.‏

في يوم وهو يخرج من جريدة / صدى لبنان / لصاحبها نقيب الصحافة الحالي, محمد البعلبكي, كان محمد بعلبكي مسافراً, صادفه شخص وأعطاه معلومة سياسية مهمة جداً وصحيحة, وكان يستمع إليه ويقول له: هذا الخبر ليس صحيحاً, فتركه الرجل قائلاً: مادام لم يعجبك الخبر يجب أن نرى غيرك لينشر هذا الخبر.‏

بعد أن انصرف الرجل كتب سعيد تقي الدين الخبر كموضوع رئيسي بالمانشيت العريض وكان رئيس تحرير طوارئ للجريدة (على حد تعبيره) في اليوم التالي أحضر الرجل صاحب الخبر الجريدة الى سعيد تقي الدين وطرق الباب فتح له الباب, قال الرجل: يا أستاذ!! البارحة أخبرتك أنا معلومة مهمة كثيراً وكنت البارحة كلما حكيت جملة تقول لي ليس صحيحاً, انظر الى حكايتي, إنها موضوعه بالمانشيت العريض بالجريدة, نظر سعيد تقي الدين وقال باستغراب!! (أوف إي والله).‏

الأسماء المستعارة‏

-    كتبت أنت أيضا بأسماء مستعارة ما هي الأسباب التي دعت الى ذلك..?‏

*    أنا كتبت عدة مقالات في الجرائد باسم مستعار (باسم أمين) وكانت ردا على باسم الجسر وأمين الأعور, أمين كان شيوعياً وباسم الجسر يكتب في معظم الجرائد بعدها أصدرت كتاب (المسألة الفلسطينية بين الحزب القومي والحزب الشيوعي) تأليف باسم أمين, كنت موجوداً في المكتبة دخل شخص من بيروت يريد أن يسافر الى استراليا قال لصاحب المكتبة: أعطني الكتب من الاصدارات الحديثة فأعطاه صاحب المكتبة الاصدارات الحديثة ومن بينها: (المسألة الفلسطينية بين الحزب القومي والحزب الشيوعي) فسأله من الكاتب فقال: باسم أمين فطلب منه نسختين من الكتاب والتفت إلي وسألني: هل قرأت أعمال باسم أمين?? قلت له: أنا أقرأ له أحياناً, فقال ومابك /مكشِّر/ ألا يعجبك باسم أمين? والله يعجبني كثيراً هذا الكاتب, طبعاً, لم أقل له انني أنا باسم أمين..!!‏

نشرت تحت اسم حنا منصور خمس مقالات عن جبران خليل جبران في مجلة (الصياد) في الفترة التي صدرت فيها في لندن ونشرت مقالاً لجبران ينشر لأول مرة, أحد الكتاب بلبنان أصدر كتاباً عن جبران وضع فيه كل المقالات التي نشرتها عن جبران وهي مقالات تنشر للمرة الأولى ونشر مقالاً لكاتب آخر ينشر للمرة الأولى اسمه "شبل كرم" وطبعا رددتُ عليه في صحيفة الديار واعتبرت هذا العمل مثل الذي يسرق الثاني ويقول له أنا سرقتك.‏

-   ما هي أسباب اختيار الأسماء المستعارة ?‏

*    هناك عدة أسباب مثلا: عندما اعتمدت اسم باسم أمين (كنت مسؤولاً في نادي الشراع) كنا بصدد إجراء ندوة يشترك فيها /4 أو 5/ بينهم: (أمين الأعور, باسم الجسر) ولأسباب سياسية وتحت ضغط بعض المسؤولين في لبنان في آخر لحظة انسحبوا لتفشيل الندوة طبعاً استمرينا في الندوة بمن حضر من المشاركين ولكن ما أحببت (أن تمر هذه الحادثة بشكل عابر) وكتبت في ملحق النهار رداً عليهم بتوقيع باسم أمين حتى لا أحرج زملائي في نادي الشراع واستمريت من وقت لآخر باستعمال هذا الاسم, وحنا منصور في بداية أحداث لبنان وانتقلت من المنطقة الشرقية وكي لا أسبب حرجاً لأهلي بدأت بنشر مقالات في مجلة (صباح الخير) التي كانت مجلة الحزب القومي /الكتائب/ بتوقيع حنا منصور ولكن عدت الى توقيعي الصريح, كان دائما يقول لي الصحافي القديم في"السفير"- رحل مؤخراً- اسمه / سعيد صعب / يقول : ألا يكفي تذييل مقالاتك بتوقيعك الصريح, فتتوجها بصورتك الملونة? لاتضع توقيعك الصريح فقط بل تضع صورتك ايضاً, يمكن أن تتعرض في يوم الى مشكلة ما أو حاجز فيقتلوك.‏

بالفعل بعد فترة علقت بحاجز (عيناتا الأرز الشهير) وفيه عدة أشخاص كانوا بصورة خاصة يخصون سليمان فرنجية, أنا علقت ولكن اعتذروا مني بعد أن عرفوا أني صحافي أكتب في صحيفة النهار ولما عدت الى بيروت قال سعيد صعب: (قلت لك لاتضع صورتك وتوقيعك) فقلت له إن هؤلاء هنا لايقرؤون. الأسماء المستعارة كانت (موضة) وتقريباً لايوجد كاتب لم ينشر باسم مستعار.‏  

يروي سعيد تقي الدين عندما كان طالبا في الجامعة كان يوقع باسم حماد وبشار يقول: أول مقال نشرته بجريدة البرق للأخطل الصغير أرسلته بالبريد باسم مستعار خوفاً من أن لا ينشر المقال. بعد ثلاثة أيام صدر عدد البرق والمقال قد احتل حيز الافتتاحية وكاد يغمى علي ثم رحت أقنع الناس بأني كاتب هذا المقال, فلم يصدقني أحد. جبران خليل جبران كان ينشر بتوقيع مستعار, وأمين الريحاني باسم حي بن يقظان.‏

-    وما هي قصة الاسم المستعار التي دارت بين سعيد فريحة وجبران حايك..?‏

*    سعيد فريحة كان قد أصدر مجلة / الصياد / حديثاً وكان جبران حايك الصحافي المشهور صاحب جريدة / لسان الحال / أصدرها في المرحلة الأخيرة ولأول مرة تصدر في بيروت جريدة ظهراً. أرسل جبران حايك رسالة لسعيد فريحة في باب القراء يقول له فيها: )أنا قرأت مجلتكم من أولها لآخرها ولكنني لم أجد فيها شيئاً يقرأ, ما هذه المجلة التافهة..?)      سعيد فريحة نشررسالة جبران وعلق عليها بقوله: أشك أنك طالب في الجامعة الأمريكية, لأنه من غيرالمعقول أن يكتب طالب جامعة مثل هذه الكتابات لأن طلاب الجامعة مهذبون ومثقفون، وبعد صدور العدد تواجد وسطاء بين سعيد فريحة وجبران حايك وأخذه الأصدقاء الى مكتب الجريدة واجتمعوا برئيس التحرير وتمت المصالحة, بعد عددين أو ثلاثة أعداد نشر مقال لجبران حايك جيد ينبئ عن كاتبه بأن له مستقبلاً صحفياً, وهذا المقال متوج بمقدمة يقول فيها: (بعد سوء التفاهم الذي كان, جاء الطالب جبران حايك الى الجريدة وشرب فنجان قهوة سكر خفيف وانتهت المشكلة).‏

-    هل هناك طرائف أخرى حول باب بريد القراء..?‏

*    نعم اسكندر رياشي الذي تحدثنا عنه سابقا كان عنده باب لطلاب التعارف والزواج وكان دارجاً كثيرا هذا الباب يقول: في ذلك الوقت في العشرينات من القرن الماضي - كانت الفتاة التي تبلغ /16/ سنة ولم تتزوج, معناه - راحت عليها- صارت عانس, أرسلت واحدة رسالة الى اسكند رياشي الى باب القراء كتبت فيها: إنني فتاة عمري (25) سنة ذات جمال متوسط من عائلة فقيرة حصلت (بالكاد) على شهادة (سرتفيكا) أطلب عريساً متعلماً أشقر بعينين زرقاوين غني ولايتجاوز عمره الـ/25/ سنة.‏

نشر اسكندر رياشي هذه الرسالة وكتب تحتها / لو كان يوجد عريس بهذا الشكل كنت تزوجته أنا /..‏