الصحفي التلميذ سيكون أشطر من أستاذه في القبض... حوار مع الباحث جان داية
عندما تدخل حي ميم نون، التابع لشارع الزهراء بمدينة اللد، الذي يعيش به قرابة التسعون شخصاً، تشعر وكـأنك تدخل لإحد مخيمات جنين، فهو محاصر ومهمل وقذر، الفئران والثعابين والبعوض تسرح وتمرح فيه، ومياه المجاري تفيض وتسري من كل حدب وصوب، حتى المقبرة الإسلامية لم تسلم من مياه المجاري ومن مخلفات حقن المخدرات، وكثيراً ما يتم تدنيس المقبرة من قبل المدمنين هناك، "المدينة" تجوّلت بالحي، ودخلت عدة بيوت، واستمعت لشكاوى عدد كبير من سكان الحي.
أشباه رجال
وفي حديث "للمدينة" مع دنيا حجاج رميلات، وهي أم لخمسة بنات أصغرهن في الثانية والنصف من عمرها، وأكبرهن في
الحادية عشرة، قالت بدموع قانية حمراء وبصوت ضعيف مخنوق: "كما ترون البيت لا يصلح للسكن، وتفيض المجاري في البيت على مدار السنة، وفي الشتاء يغرق بيتي، ويأتي الناس لمساعدتنا بإخراج المياه، وأضافت بحسرة: قبل يومين فاضت المجاري ولو لم تستيقظ ابنتي من النوم للشرب، لربما كنا الآن في عداد الموتى"، دخلت معها لغرفة البنات الخمس، وهي عبارة عن أربعة أمتار بثلاث أمتار، الأفرشة والملابس بقفص، وهنالك مكتبة صغيرة تبرعتْ بها لهم إحدى مدرسّاتهن. تتنهد الأم وتردّد: "يقولون أن هنالك لجنةَ أمناء وهيئةً إسلامية وأحزاباً فاعلة، نحن في رمضان، ولكن لا أحد يتفقدنا، لم نشعر برمضان أبداً، رغم توجهاتنا العديدة لهم، إلا أن ذلك كان دون جدوى، ناضلتُ بطرق شتى لإدخال بناتي مدرسة المنار فتم رفضهن، في البداية توجهنا لعضو البلدية محمد أبو شريقة ليساعدنا لكنه لم يلتفت إلينا، ولم يهتم بنا أبداً، وعاملَنا بصورة بشعة، متناسياً ما كان يعد به وقت الانتخابات، الوحيد الذي وقف معنا، وساعدنا بإدخال البنات للمدرسة، كان أبو رجب حسونة، لا يوجد نخوة بالبلد ولا يوجد إلا أشباه رجال".
تجولتُ معها في بيتها الآيل للسقوط والذي لا يصلح للسكن أبداً، و استمرّت دنيا بحديثها بحسرة: "توجهت عدة مرات "للعميدار"، ليجدوا لي مكاناً بديلاً أعيش فيه كما يوفرون لليهود، بناتي معظم الوقت محشورات بالبيت لا أسمح لهن بالخروج منه، بسبب الثعابين والفئران والبعوض"، تأخذني معها لحي عبري حديث محاذٍ لهم، خُصِّص للمستوطنين الذين كانوا سابقاً في غزة، حيٌّ نظيف ومبانٍ حديثة وراقية: "ألا يحق لنا إن نعيش بكرامة كما يعيش اليهود، وان يوفروا لنا الخدمات وينظفوا الحي..".
الحي ميت
بعدها قمت بزيارة بيت الحاج أحمد حجاج 62 سنة، ويقول لنا بحسرة: "الحي ميت غير معروف ولا أحد يسأل عنا أو يتفقدنا، إنني ألوم لجنة الأمناء فرداً فرداً، إنها لجنة مصالح، لجنة حرامية لا يساعدون إلا أشكالهم، يدّعون التقوى والدين، والدين منهم براء، أنا لا أريد منهم شيئاً ولكني أسألهم: ترى أين تذهب أموال الزكاة والتبرعات؟؟!!، ويتابع بنبرة حادة: إنهم لا يخافون الله ولا يوم الحساب، سلي من حولك.. أنه في كثير من الأحيان، عندما ندخل للمقبرة الإسلامية لقراءة الفاتحة على أمواتنا، نجد مدمنين توفوا هناك، أو نائمين فوق القبور، ناهيك عن إبر المخدرات وألياتها، ألا يجب أن نحافظ على قدسية أمواتنا ومقدساتنا، لماذا لا تخصص اللجنة ناطوراً للحراسة، فقط في الأعياد يتم تنظيف القبور".
لقد أخرجت البلدية كل اليهود الذين يسكنون الحي، وأعطتهم بيوتاً في أحياء راقية، إلا العرب بقوا مكانك سر، وفي أفضل حال يعرض عليهم السكن في حي المحطة، وهو ليس أقل سوءاً من هذا الحي.
"اقرأ الفاتحة على المدمن"
وضْعُ زياد العموري، وهو أب لثلاثة أطفال، ليس أفضل.. فهو بالكاد يحصل على 2200 شاقل على حسب ذمته من
التأمين الوطني، قال "للمدينة": "بدل أن ادخل للمقبرة لأقرأ الفاتحة على الميت، أصبحت اقرأها على المدمن، المسؤولية على لجنة الأمناء وعلى جميع رجال المجتمع العرب والساسة الذين لا يهتمون بموتانا، أمي امرأة أرملة ولكنهم يتجاهلونها، إنهم يساعدون معارفهم من المقرّبين إليهم".
وتابع: "لقد رأيت بأم عيني كيف أعطت البلدية بيتاً لأحد السكان اليهود في الحي الذي اختاره، أصلاً لا يوجد لدينا قيادة عربية بالبلد همُّها على العرب، إلا أن همَّهم الأول مصالحُهم الشخصية، يتذيلون لنا وقت الإنتخابات ويعدوننا بالوعود الفضفاضة، وعندما ينجحون ونحتاجهم يديرون وجوههم لنا، أحدهم حماد حسونة الذي رفض مجرد أن يوصل صوتي، واحتجاجي للبلدية وأنا ساعدته بصورة كبيرة".
وأضاف: "لقد وصلنا الى حد اضطرَّنا قبول مساعدة وتفقد جمعية "ياد بياد"، وهي تابعة لليهود المتدينين، بينما يتم إهمالنا من قبل لجنة المسلمين، وأضاف أريد أن أوجه رسالة لأعضاء الكنيست العرب ليزورنا ويتفقدونا، ليطالبوا بحقوقنا التي يخشى بعض المنتفعين في لجنة الأمناء الإسلامية بالمطالبة بها".
"المطلوب قيادة نظيفة"
أستمر بالسير في الحي بمرافقة زياد فيريني، من خلال "المحسوم"، الذي يغلق الدخول والخروج للحي من الجانب الرئيسي،
فيقول: "إنهم يريدون حصرنا بجيتو".
أودعه وألتقي بعدد من شباب الحي، ليكشفوا أمامي حقيقة كانت مغيبة عني بعد أن تعهدت أمامهم أن تبقى أسماؤهم محفوظة بملف التحرير، حيث قالوا 30% من سكان هذا الحي أضحوا تجاراً للمخدرات، لقد نجحت إسرائيل فيما كانت تسعى إليه، ألا وهو ألهاؤنا عن التفكير بهويتنا وتراثنا وتاريخنا، بشرذمتنا".
وقال أحدهم: "الحصار والتمييز الذي فُرض علينا، جعلنا نسير في طريق الاتّجار بالسموم، لأننا نريد تأمين حياة أفضل لنا ولأولادنا، نريد أن نعيش.. "
وأضافوا: "لو كانت لدينا قيادة نظيفة في البلد ورجال أمناء ووطنيون وشرفاء، لما استمر الوضع بالحي على ما هو عليه، حيث يأتي الغرباء من كل مكان لشراء جميع أصناف المخدرات. أدْعوا القيادات الشريفة السياسية للقدوم الى البلد والاطلاع على هذه المأساة علّنا ننهض من هذا القاع".