عين إسفينَه – رواية – الفصل الثالث

خضر محجز قرأها 5
 

قبل الكلام

وإنّي لأحسبُ ريب الزمان

يُترِّكنــي جسـداً بـاليـاً

سأشكـر ذلك، لا نـاسيـاً

جميـلَ الصفاء، ولا قاليـاً

وقد كنتُ أنشـره ضاحكـاً

فقد صرتُ أنـشره باكـيـاً

ديك الجن الحمصي         

تنويه

صابر ليس هو الكاتب، لأنه أقل شأناً من ذلك. والشيخ ذياب ليس شخصاً آخر، لأن الشخص الآخر أسوأ من ذلك وأكثر حمقاً. وكذلك الشخصيات الأخرى. وكل ما هو هنا كذب واختلاق، لأن ما هو صدق لا يصلح للرواية كما لا يصلح للحياة.

الفصل الثالث

ثبات وقَولي كلّما جَشَأتْ وجَاشَتْ                             مكانَكِ تُحمدي أو تستريحي

عمرو بن الإطنابة

الزمان: اليوم نفسه، أدنى من ثلث النهار الآخر.

المكان: المطلة. شمال فلسطين المحتلة.

حيث ظلت الحافلات متوقفة طوال النهار، إذ لم يصل الأمر العسكري بالتحرك، إلا في مَوْهِن من الليل، بعد التأكد من موافقة محكمة العدل العليا على التنفيذ. حب البقاء غريزة طبيعية كامنة في المخلوقات منذ الأزل. وقد تولدت عن هذه الغريزة الأم غرائزُ متعددةٌ أهمها الخوف، الذي يمكن اعتباره الأبَ الشرعي، والأساسَ الأول، الكامن في الأعماق، وراء الحذر الإنساني المهذب. وبهذا التوصيف يمكن اعتبار الخوف غريزة إيجابية. ولعل المثل السائد (من خاف سلم) هو أكبر ترجمة لهذا الشعور، المتأهب دائماً، المستقر هناك في منطقة ما في لاوعي الإنسان. وعلى أقل تقدير يمكن اعتبار الخوف غريزة محايدة لا علاقة لها بالخصال المكتسبة القابلة للنعت ـ مدحاً وذماً ـ كالشجاعة والجبن؛ لأنه لا يمكن تصوّرُ وجودِ ذلك الإنسان الذي لا يعرف الخوف إليه سبيلاً. ولو وُجد مثل هذا الشخص، إذن لأمكن اعتباره مخلوقاً شاذاً، أو مريضاً، في أكثر التوصيفات تسامحاً. لكن الفرق بين خوف وخوف كبير: فالطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الخوف، هي التي تجعله ممدوحاً أو مذموما. وإذا كانت الشجاعة هي السيطرة على الخوف. فإن الجبن هو الوقوع تحت سيطرته. هذه الأمور التي تبدو الآن بديهية، لم تكن كذلك دائماً. فالحقيقة أنه كان يلزم وقت طويل لصابر، حتى يتعلمها. إذ كان عليه أن يعيش حياة بائسة، وسط مجتمع قاس من أولاد يقضون أوقاتهم في العراك، وتقديم الشكاوى للآباء. لهذا كان عليه أن يكتشف مبكراً، أنه مخير بين أمرين: إما أن يُضرب ولا يجد أحداً يدافع عنه، وإما أن يَضرب وينتصر ويصبح غير ذي حاجة لأن يشكو إلى أحد أحداً. أما لماذا لا يجد أحداً يدافع عنه، فجوابه معروف مسبقاً لولد أبوه غائب لا يعود إلا ليلاً، ولا أم له ولا أخوة أكبر يدفعون عنه العدوان. وأما اضطراره إلى الاستغناء عن الشكوى بالانتصار، فمرده إلى أمرين: أولهما: طبيعة صابر التي فُطر عليها، ولا حيلة له في تغييرها؛ تلك الطبيعة التي دفعته دائما إلى اعتبار عدم الرد على العدوان خنوعاً، ومن ثم أغرته بالتمرد حتى على القوى التي تفوق طاقته. وثانيهما: قوانين توازن القوى في المخيم: ذلك التوازن الذي يجعل للشكوى مذاقاً، فقط، حين يخشى أهل الصبي المعتدي، من تطور الأمور، باتجاه العراك بين الكبار(1). لم يبق إذن إلا أن ينتصر: وأما كيف ينتصر، فأمر احتاج تعلمه إلى وقت.. لكن كان لا بد من تعلم سر الانتصار في النهاية: ذلك السر الذي يكمن في القبض على زمام المبادأة والإذهال.. وعندما اكتشف هذا السر، صار يستخدمه بمهارة وجرأة، أتاحت له أحقية توجيه الضربة الأولى دائماً.. لقد تعلم أخيراً أن الضربة الأولى في مثل هذه العراكات، هي الأمر الحاسم. وصحيح أن هناك حالات شاذة. ولكن الصحيح كذلك أن صابر استطاع، بقدرة ومهارة، أن يخترع لكل حالة ما يناسبها(2). لذا فقلما كان يخرج من المعركة مهزوماً. ولئن حدث له ذلك، لقد تعلم أن يبتلع هزيمته مع دموعه في صمت.. وما لا تدركه اليوم، فقد تدركه غداً.. والمهم هو الصبر والانتظار. والدفش كان إحدى الحالات الشاذة: لم يكن له اسم سواه؛ لأنه كف عن الذهاب إلى المدرسة، بعد أن رسب عامين متتاليين. ولم يعد بالتالي مضطراً لذكر اسمه الرباعي لدى أحد. إضافة إلى أنه لم يكن الأكبر بين إخوته ليُنادى أبوه به مثل الكثيرين.. كان أطول قامة، وأعرض منكبين. حتى إن صوته كان أعلى ويشبه الصراخ عندما يتحدث. أما عيناه فكانتا حمراوين دائماً.. لا شك أنه كان قد دهن كفيه بدم الحرذون، فقد كان يتلقى الضربات، من خيزارنة الأستاذ، على كفيه ـ وقت أن كان يمارس الذهاب إلى المدرسة ـ بهدوء تام.. حتى إن المدرس كان يشتد غيظه، عندما يراه بعد كل علقة يمسح يديه في بنطلونه بهدوء، كما لو أن كل ما فعله لا يعدو كونه غباراً، هاهو الآن يتطاير أمام عينيه. ومن سوء حظ صابر أن الدفش كان هو الولد الأقوى في الحارة. ومن تعاسة صابر المتطاولة، أن الدفش أصر طويلاً على فرض سيطرته عليه، كما فعل مع الآخرين، قبل ذلك. أية قوة تكمن في الأولاد السُّقَّط(3) وأي صلابة تسكن سواعدهم!. بل أي شراسة تسيطر عليهم عند العراك، وتحولهم إلى وحوش يصعب التغلب عليها!.. المعارك الأولى، التي كان يجب أن تنشب بين الاثنين، انتصر فيها الدفش، بسرعة متكررة أعقبتها حسرات، ظلت تلازم قلب صابر، طوال الليالي التالية. ليس بسبب الهزيمة فقط، وإنما بسبب اضطراره إلى الاستمرار في خوض معارك غير متكافئة أمام الأولاد بصورة يومية، لا لشيء إلا لأن الدفش يريد ذلك، ويصر عليه، ويختلق له الأسباب. ربما كانت هذه هي البدايات الأولى، لتعلُّم صابر، فن حسمِ المعارك، على طريقة فريد شوقي. وذات مرة بعد أن ابتدأت المعركة غير المتكافئة، والتحم الصبيان، وتراكلا وتلاكما، لم يكتف الدفش بهذا العراك الذي بدا متوازناً شيئاً ما، وإنما تناول قضيباً من الحديد ـ كان أخوه الأصغر قد أمده به ـ في حركة ينقصها الشرف، محاولاً ضرب صابر على رأسه، في جولة نهائية وأخيرة.وإذ رأى صابر قضيب الحديد يهوي على رأسه، فقد أحس أنها النهاية: نهاية الكرامة، وربما نهاية الحياة. وبقوة ـ لا يدري كيف انبعثت، ولا أين كانت ـ تلقفت يداه القضيب، وتشبثتا به، تشبث القتيل برقبة قاتله(4). وصار الآن الدفش يحاول، بقوة، تخليص القضيب من قبضة الخصم المتخشِّبة. ولكن عبثاً، لأن صابر الذي صار الآن يشعر بأن حياته معلقة بيديه استمات في التشبث، وقبض على القضيب مثل طوق. ولأنه كان يدرك استحالة استخلاص القضيب من الخصم الأقوى، فقد توجهت كل محاولاته إلى رفعه إلى الأعلى، فوق الرؤوس، قبل أن تتراخى عنه قبضته، التي لن تستمر بهذا الإصرار.. لقد راهن على أن الدفش لن يقدر خطورة هذه الحركة، مدركاً ـ بمرارة ـ أن عليه حسم المعركة فوراً قبل أن تتكرر النتائج المأساوية.. وقد كان.

ارتفعت السواعد الأربعة فوق الرؤوس، وصار الرأسان الآن متقابلين تماماً: وجهاً لوجه، يحدق كل منهما في عيني الآخر بوحشية تشبه الموت.. لقد فكر صابر أنه لو استطاع الدفش بعد لحظة تخليص القضيب من يديه، فسيموت.. لمعت عيناه بوميض غريب، ووقف على أطرف أصابعه.. وبقوة الحياة ضرب.. بقوة الخوف ضرب.. ضرب برأسه أنفَ الدفش وعينيه، وسال الدم.. وصار الدفش يصرخ ويجأر مثل ثور مذبوح.. ولكنه ظل متشبثاً بالقضيب. انتعش صابر وصفق الأولاد منتشين، لتغير مسار المعركة عن معهودها اليومي.. أما صابر فقد أشعله التصفيق، وأما الدفش فقد أفقده أعصابه، حتى صار يتخبط غير قادر على استخدام تفوقه الجسدي.. وما هي إلا لحظات حتى بدأ رصيده من القوة يتبخر.. رأى ذلك صابر في عينيه فتشجع أكثر. وذهب الخوف مفسحاً مكانه للحقد. وتذكر كل الإهانات السابقة: تذكر اضطراره لخوض صراع يومي مستمر، لا لشيء إلا لأنه يرفض الاستخذاء.. تذكر كم مرة حاول تجنب المواجهة، دون جدوى.. كما تذكر اللكمات التي نالها لكمة لكمة، ومكان كل لكمة في الروح.. تذكر كل ذلك، فانبعث الحقد من جوفه كالنار. ودون أن يدري صار يضرب، ويضرب، ويصرخ: صراخاً لا يدري من أين انبعث، ولا كيف أتى. وصار الدفش يسب الدين والرب بوحشية.. إلا أنه أخذ يتهاوى.. وحتى عندما سقط القضيب من يديه، آخر الأمر، بعد أن امتلأ وجهه بالدم الرعاف، فقد استمر صابر يضرب في نفس المكان، بشراسة حيوان يطبق على رقبة الفريسة بعد طراد مطول. حتى هوى. ووقف صابر يلملم مزقه حول جسمه. ثم عاد إلى البيت بهدوء هذه المرة: لقد أدرك أخيراً أن هذه هي نهاية القصة: مرة واحدة وإلى الأبد. لذلك فقد عاد إلى البيت ـ رغم علمه أن للدفش أخوة كبارا ـ شاعراً بأن في استطاعته الدفاع عن نفسه، ضد كل من يحاول الاعتداء عليه. وبعد يومين من التربص والحذر، علم أن الدفش قد نال علقة ساخنة من أخيه الأكبر، جراء هذه المعركة. وبمرور الأيام تحولا إلى صديقين. وهكذا تعلم صابر أخيرا أن هناك نوعاً من الناس لا يمكن أن يصادق إلا بطريقة مختلفة. بنية صابر لم تكن تتميز بالقوة، طولاً أو عرضاً؛ فقد كان إلى القصر أميل، وغير معدود في الأقوياء، حتى إن مدرس الفصل كان يفكر في وضعه في الصفوف الأولى(5). وإذ كان الأمر كذلك، فقد أصبح البحث عن نقاط الضعف، لدى الخصم، أمراً مصيرياً. الغريزة دالة. والدم أول إشارات الغريزة. بغريزته المبكرة، أدرك صابر أن رؤية الدم، تثير الرعب لدى الأولاد، فانتهزها. وصار يحرص على إسالة الدم، من وجه الخصم سريعاً، لتنهار معنوياته، ويرتفع نواحه، وتهرول أمه مهددة بفسخ صابر نصفين(6). ولكن صابر الذي لم يكن لينتظر تنفيذ هذا التهديد، في أية مرة، كان يبادر بالهروب إلى حين هدوء العاصفة. ولتكن الشكوى بعد ذلك من نصيب أهل الخصم، فهم لن يجدوا الأب أصلاً، لأنه يعود من عمله بعد حلول الظلام. ثم إن الشكوى ليلاً في المخيم أمر لا يليق(7). إذن فالخوف لدى صابر ليس أمراً مستجداً لا يعرفه، أو مجهولاً يخافه.. إنه حالة تعود عليها، وتعامل معها مطولاً. وكان يظن أن الأجدر بمن استحق أن يحمله اليهود، في هذه الحافلة، أن يكون كذلك.. هكذا كان يفكر، منذ اليوم، وهو يستمع إلى هذه التأوهات المستعطفة، تطالب بحقها الطبيعي. وهكذا، ولا شك، كان يفكر ضابط المخابرات اليهودي، قبل ثلاث سنوات، عندما اقتاد أبو أنهار إلى غرفة التحقيق في المسلخ(8): إذ لا شك أنه كان قد درس ملف حياته، ورأى من نعومة وجهه، ودقة أصابعه، ما يدل على أنه لم يتعرض للخطر، ولم يتعود على المواجهة. لذلك فقد تعمد أن يدخله في أماكن يسمع فيها صراخ المعذبين. وربما أراه شيئاً من الدماء، التي لا يستغني عنها المسلخ ولا الضباط، لينهار ويعترف ويسلم، حتى قبل أن يكسر زجاج نظارته. حتى بعد أن كبر، لم يكن صابر بريئاً من الخوف، أو مبرءاً من الإحساس به في كثير من الأحيان.. ولطالما شعر بهذا الكائن الأسود اللزج، يتسلل إلى قلبه كالقطران، في لحظات الخطر. وكم من مرة اضطرب قلبه وهو يتساءل عما يمكن أن يفعله اليهود، عندما تفاجئهم المظاهرة الأولى، ثم بعد ذلك كلما تصور الحصيد من البشر الذي سوف يتساقط بفعل الرشاشات.. لقد كان الخوف حاضراً دائماً، بل وأكثر من ذي قبل. ولكن السيطرة عليه كانت ضرورية. ولم يكن لهذا الخوف أن يعود إلى مكانه وراء اللاشعور، إلا بعد اشتعال المواجهة، والانصهار في البوتقة، ونسيان الواقع. ولئن ظن كثيرون أن صابر لا يعرف الخوف، لقد كان يمكن للأكثرين غيرهم أن يظنوا به الاستهتار بأرواح الناس، وهو يوردهم هذه الموارد الصعبة.. لولا أنه كان هناك، في المقدمة، دائماً؛ يعرض صدره لما يعرض للآخرين.. وحتى عندما اشتعلت حفلة تكسير العظام، أوائل الانتفاضة، كان قد وطن نفسه على القبول بتكسير عظامه، عند الضرورة، مثل الآخرين؛ مؤمناً بأن الرجل الذي يريد أن يَضرب دائماً، دون توقع وقوع الضرب عليه، لن يَضرب ابتداءً. والذي يريد أن يخوض معركة، لا يتوقع أي احتمال لخسارتها، لن يخوضها في الأصل. وعلى من يريد بطولة وزعامة، دون التعرض للخطر، أن يكتفي بالصفوف الخلفية(9). ـ الله يخليك يا خواجا.. وهؤلاء الآن في الصفوف الأمامية. وجودهم في هذه الحافلة يقول ذلك، على الأقل في نظر اليهود إن لم يكن في الحقيقة. فلماذا لا يختارون لأنفسهم الصبر قليلاً، أو التحدي مع توطين النفس على تحمل الضربات، بدلاً من هذا الاستجداء الذليل؟. أما اليهودي، فقد استغرب حدوث أمر لا تسمح به موازين القوى. بل إن الأغرب من ذلك كان استغرابه الألم وشعوره بأن ثمة من ينازعه استحقاقه الأصيل.. حتى بين هؤلاء هناك من يتألم ويطلب!.. هناك من يرجو!.. ولشدة استهجانه، صار يتطلع في نفسه ويدور حولها.. منذ أكثر من عشرين ساعة لم يسمع لأحد من هؤلاء صوتاً.. وفجأة تنبت لهم أصوات!.. استبد به الحنق.. وإذ لم يجد ما يقوله غير المطالبة بالصمت، فقد فوجئ بأن مطالبته هذه لم تزد الأمر إلا سوءاً: ماذا جرى لهؤلاء؟.. صاروا يطالبون، كأنهم في موقف يسمح لهم بذلك.. فماذا يتصورون إذن!.. هل هم في وضع من انتصر وهزم الآخرين وقيدهم ورماهم خارج بيوتهم، حتى تكون لهم مطالب؟

فلماذا هذه الصفاقة.. انظر كم هم ضعفاء مقيدون مطأطئون ولا بنادق لهم.. ثم يطالبون.. يا عيني!.. ولو افترضنا أننا قررنا الاستجابة لطلبهم، فهل تكون هذه هي نهاية المطاف؟.. كلا.. أغلب الظن أَنْ كلا.. سيطلبون فك قيودهم.. إذ كيف يمكن لهم أن يتبولوا مع هذه القيود؟.. يجب إسكاتهم فوراً: ـ اش.. شيكت(10). هكذا وجد نفسه يرد بحزم لم يتعود عليه ـ ففي نهاية الأمر هو مجرد جندي، تعود على تلقي الأوامر لا إصدارها.. لكن هاهو هنا ينقلب إلى قائد.. أعجبته اللعبة فواصل: ـ شيكت لحسن بأطخك. ومن الطبيعي أنه لم يكن يقصد شخصاً بذاته.. لقد كان يقصد الجميع.. الطخ كان مهنته التي تعود عليها طوال سنوات.. الأمر سهل جداً ولا يحتاج إلى كثير من العناء، خصوصاً مع أناس مقيدين معصوبي الأعين والأيدي كهؤلاء.. إنها مجرد حركة، أو عدة حركات بسيطة، ثم ينتهي الأمر: تسحب الأجزاء إلى وضع الجاهزية، وعندما تصبح الحبة في بيت النار، ترجع إلى الخلف قليلاً ثم تطلق.. ومن ثم تستريح. ـ دخيل الله.. بدي أروح على الشيروتيم يا خواجا. هكذا.. مرة أخرى.. عاد الصوت يئن.. إذن هناك إصرار.. لم يكن اليهودي في وضع يسمح له بأن يتقبل وجود مثل هذا الإصرار، خصوصاً وأنه يعرف العرب: العرب إذا أعطيتهم إصبعاً طالبوا باليد.. لذلك فالأجدى أن لا تعطيهم شيئاً منذ البداية.. ثم إنه جندي يحمل بندقية جاهزة للإطلاق، ويمثل دولة منتصرة فتيّة.. إنه هو الذي في موقع فرض الشروط لا تقبلها.. فما الذي يحدث هنا؟. صرخ مغيظاً: ـ إش.. شِيْكِتْ.. إيْنْ شِيرُوْتيم.. ييش راك أوخِل(11).. ولكن الـ (إين ) هذه لم تعد كافية، فقد أصبح الحال مختلفاً.. لقد انكسرت رهبة استمرت عشرين ساعة مرة واحدة.. أخيراً صار بإمكان هذه اللحى أن تتكلم بأصوات متعددة.. عدوى الجرأة سرت بين اللحى التي كانت صامتة زمناً، وصارت تتكلم.. وصار الكلام كثيراً ومتداخلاً ويحمل الكثير من التذمر: ـ والله عال!.. نشخّ على حالنا يعني؟.. ـ بدنا ننزل نشخّ.. مش قادرين أكثر من هيك.. ـ أنا والله من امبارح مزحوم.. هكذا.. وأكثر من هكذا.. صارت الأصوات تتصاعد، حتى إن الجندي تصور أن في الأمر تهديداً بالتمرد.. في الحقيقة كان الجنود يعرفون كيف يتعاملون مع التمرد.. كثيراً ما كانوا يساقون إلى السجون المتمردة، فيتعاملون معها.. الأمر يسير.. فأي جماعة متمردة يتم التعامل معها عسكرياً على أنها حصن مغلق ويجب اقتحامه.. هكذا ببساطة.. وهكذا يستطيعون استخدام ما لديهم من أدوات: بنادق وطلقات وغاز خانق ودروع.. البنادق موجودة.. فهل هذا تمرد؟.. في الحقيقة أنهم لم يعرفوا بعدُ إن كان هذا تمرداً، أم هو مجرد تهديد.. التعامل مع التهديد أمر لم يتعلموه.. ربما يصمتون حتى يصبح التهديد واقعاً ويحدث التمرد، ثم يتم التعامل معه.. لكن يجب إسكاتهم، فالضجة لا تحتمل، والأمر ينذر بسوء. حرك أجزاء البندقية بعنف واضح أصدر للحديد صراخاً، منذراً الجميع بأنه قد أصبح الآن على أهبة الإطلاق. ثم صرخ: _ شيكت.. اللي بيتكلم بأطخه.. شيكت.. شيكت... هكذا صار أخيراً يصرخ بجنون.. وهكذا صمتت اللحى مرة واحدة.. ولبرهة واحدة لن تستمر طويلاً. لم يكن صابر قد تفوه بحرف بعد.. لقد كان مشغولاً طوال الوقت بمحاولة التسمع على كلمة هنا، أو عبارة من هناك.. كان يريد أن يعرف فقط إلى أين هم مذهوب بهم، منذ أكثر من عشرين ساعة، مع أن المذياع لم يكن يطلق إلا أغانيه العبرية، والجنود يتهامسون بعيداً في آخر الحافلة.. صحيح أنه لم يفقد صبره، ولكن كل شيء ظل على حاله. لذا فقد صار يشعر الآن بالرغبة في التبول.. وصحيح أنه لم يبلغ الدرجة القصوى من الضيق والاحتقان، ولكنه يخشى من وصوله إلى درجة خطيرة تضعف مقاومته.. لذلك فقد قرر رفض تناول الطعام. وصار يحدث نفسه، كأنه يشحنها متسائلاً: كيف يتناوله شخص يداه مقيدتان خلف ظهره؟.. وكيف يتناوله والطعام يستدعي الماء، والماء يستدعي رغبة مبكرة في التبول، رغم أن هذه الرغبة متوفرة قبل ذلك؟. وبعد أن شعر بمفعول الشحنة يسري في دمه، وصار بإمكانه الآن أن يكون أشد غضباً، قال بلهجة آمرة: ـ ما حدش ياخذ الأكل.. إضراب.. إضراب عن الطعام، حتى يُسمح لنا بالنزول لقضاء حاجتنا الطبيعية. فلكزه الجندي بعنف في خاصرته بفوهة البندقية وهو يصرخ: ـ ما أتا أُومِيْـر(12) ؟. انقدح الشرر في رأسه، ودار وسط العصابة السوداء.. وضغطت يداه القيد فانغرس أكثر.. صعدت النار إلى معدته فانعصرت بعنف، حتى كادت أضلاعه أن تقذفها.. وعندما التقط صوته الضائع أخيراً، أحس أن يديه على وشك الانفجار.. لو دهن يديه بدم الحرذون وهو صغير!.. لو دهن جسمه كله.. لو دهن الأرض والسماء، لما ضاع الهواء هكذا.. كظّ على أسنانه بعنف.. ثم صرخ بمجرد أن عاد الهواء: ـ أني روتسي لدبير عم هكتسين(13). الصمت.. الصمت.. الآن يدرك الجميع أن شيئاً سيحدث. والآن يدرك صابر أن صوته قد تم التعرف عليه من قبل بعض اللحى على الأقل.. عرف ذلك من الاستجابة التي حصل عليها في توقف كل شيء، وفي صوت الأنفاس الذي صار الآن مسموعاً.. حتى الجنود الذين يحملون البنادق المجهزة للإطلاق توقفوا قليلاً، بعد إذ لم يعرفوا كيف حدث هذا.. وأصحاب اللحى صمتوا كذلك، وكانوا في انتظار النتيجة.. لقد أدركوا الآن أنهم باتوا يتحدثون بصورة جماعية، وأن لهم مطالب قد تتحقق، وقد ينكسرون.. أحس بعضهم بالخوف، وأحس آخرون بضرورة المخاطرة. وصارت الحافلة الآن تغلي. وعندما سمعوا صوت الجندي يرد على الطلب بالكلام، أيقنوا أن المسألة دخلت في نطاق الحوار، وصارت في نطاق الإمكان.. لذلك فقد تشجعوا أكثر، وصرخت أصوات متفرقة: ـ لو رتسيم ليخول.. روتسيم لأشتين(14)... وهكذا صار الأمر أكبر من الجنود.. إنهم مجرد جنود، ويبدو أن هذه اللحى المعصوبة توشك أن تمسك بزمام المبادرة، للمرة الأولى، منذ عشرين ساعة.. هاهنا نظام يوشك أن يتداعى.. وهاهنا قوة توشك أن تقف عاجزة.. ربما كان الضابط يستطيع أن يتعامل مع الأمر، فهو في نهاية المطاف ضابط، وهم مجرد جنود، لا يملكون أوامر بإطلاق النار.. لهذا كان عليهم أن يتهامسوا مطولاً.. ولهذا كان على الضابط أن يحضر أخيراً: ـ إيش بدك؟. وجه الضابط الحديث إلى صابر مباشرة، إذ يبدو أن أحدهم قد أشار إليه. ـ إضراب عن الطعام حتى يُسمح لنا بالنزول لقضاء حاجتنا الطبيعية.. ـ إضراب!.. بتفكروا حالكم في السجن!.. انتم هون يا حبيبي على ذمة الجيش.. إحنا صرفنا لكم من أكل الجيش.. بدكوش!.. بلاش. قال الضابط حانقاً. فرد صابر بهدوء أكثر: ـ احنا مش على ذمة أحد.. إحنا أسرى ولنا حقوق.. واحنا ما بنتكلم عن الأكل فقط.. احنا بنتكلم عن حقنا الطبيعي في قضاء حاجتنا الطبيعية.. إذا ما نزلتونا، بنبول لكم في الباص.. لا تتوقع منا أن نحتمل أكثر. ـ بأطخكم كلكم. صرخ بجنون. وإذ كان مدركاً بأنه كان لا يستطيع، كما كانوا هم كذلك مدركين بأنه مجرد كلام.. فقد بدأوا بالصراخ هذه المرة، جميعاً: ـ بدنا شيروتيم.. روتسيم شيروتيم.. الله أكبر.. هكذا صاروا الآن.. ولو قُدِّر لهم أن يتأملوا حالهم في هذه اللحظة لاستولى عليهم الاستغراب ـ حدث صابر نفسه منتشياً ـ هؤلاء الذين كانوا مستكينين قبل لحظة، هاهم ينفجرون، وقد أعادوا تشييد شخصياتهم الحقيقية.. ليس الضغط الناتج عن امتلاء مثاناتهم وحده هو السبب.. منذ ساعات وهم يعانون ذلك ولا ينفجرون.. إنها العدوى السارية عن الاحتجاج تصنع آليتها.. إن صراخك وحدك بصورة مباشرة في وجه هؤلاء وتحديهم، يحتاج إلى إصرار وشجاعة من نوع خاص.. إنه يحتاج إلى مخاطرة.. وإن شئت فقل: مقامرة قد تكلفك كثيراً.. هكذا الأمر دائماً في المواجهات.. من هو ذلك الذي يبدأ بتحمل عبء المخاطرة؟.. من هو ذلك الذي يكون مستعداً لتعريض نفسه للموت مبكراً، وحده، وربما قبل أن يستجيب أحد؟.. تلك هي المسألة، وذلك هو الأمر الذي يحتاج إلى قدرات من نوع خاص.. والغريب أن أمثال هؤلاء دائماً تطحنهم آلة الأحداث الرهيبة ـ تذكر صابر بمرارة ـ الغريب أن هؤلاء الذين يقامرون بأرواحهم في البداية، لا تراهم في النهاية، عند النصر.. لماذا؟. لأن هناك الانتهازيين دائماً.. أولئك الذين يجلسون يراقبون الأحداث، ويرصدون التغيرات، ويبحثون عن الوقت المناسب.. وعندما يجدونه، تجدهم فجأة في المقدمة.. عندما يغدو التقدم مأموناً، ويقترب وقت المساومات، تجدهم هناك في الانتظار.. ألا وإن أسوأ ما في الأمر هو أن الثوار الحقيقيين يدركون ذلك مبكراً. وربما يلومون أنفسهم على تسرعهم.. ولكن هل يظن أحد أنهم يستطيعون التوقف؟.. هل يظن أحد أن بإمكانهم أن يكونوا غير أنفسهم؟.. إنهم يدركون أن عزلهم أنفسهم في لحظة ما، لا يقوى على الوقوف في وجه الأحداث عندما تبدأ.. إن تركيبهم النفسي ذاته معقدٌ إلى درجة لا تُصدَّق، و بسيط إلى درجة لا تُحتمل.. إنهم يدركون تماماً أن الماضي يعيد نفسه، وأن أصحاب المصالح دائماً هم المنتفعون من الثورة في نهاية المطاف..هاهي الحافلة ملأى بالثوار الحقيقيين، فهل سيكون هؤلاء هم أصحاب السلطة عند الانتصار؟.. الجواب بالتأكيد: لا. إن الكبار الذين ليسوا هنا هم الذين سوف يملكون السلطة كما ملكوا المال، ثم إنهم حتى لن يستخدموا هؤلاء لخدمتهم.. لأن زمنهم سوف يكون قد انقضى.. هؤلاء الذين يصرخون الآن مهدِدِين بالتمرد، ومهدَدَين بالعذاب والموت ـ لا لشيء إلا لأنهم يطالبون بقضاء حاجتهم الطبيعية، في هذه الحافلة الواقفة منذ الصباح فوق الأسفلت الأسود، الملتوي بين الجبال كثعبان فقد رأسه، وسط هذا البرد الذي تراجع أخيراً، بفعل الشمس التي صارت الآن تميل نحو الغروب ـ سوف يُنسون تماماً، كما فُعل بأشياعهم طوال قرون، وعلى امتداد ثورات. ـ سامع؟.. كمان شوية بتصير كل الباصات هيك. قال صابر محذراً الضابط. ـ اش.. شيكت ـ صرخ الضابط للمرة الألف، ثم بعد تردد قال متسائلا ـ طيب.. طيب.. بس كيف بدكم تبولوا وأنتم مقيدين؟.. ما فيش فك قيود أبداً.. ما بنقدرش نقصها لأنه ما عندناش غيرها. ـ طيب نزلنا وخلي جنودك يفتحولنا ويساعدونا ـ قال صابر بإصرار ـ ما فيش حل غير هيك.. وإلا إيش رايك؟. ـ طيب.. طيب ـ صرخ الضابط بحقد، في وجه جندي قريب ـ حَيَالْ.. تُوريد أُو تامْ أحادَ أحاد.. تيْنْ لَهِمْ لأَشْتِـيْن(15). ـ أفال إيخ(16)؟. تساءل الجندي متعجباً. ـ تِفْتاحْ لَهِمْ إتْ هَمِخْـنَسايمْ فِتَعَـزوْر لَهِمْ لأَشْتِيْن(17 ( رد الضابط بحنق أكثر. ولما كان الجندي في مواجهة ضابطه ليس إلا جندياً ينفذ الأوامر، حتى لو لم تكن معقولة، فقد بدأ الرجال يهبطون من الحافلة إلى الأرض.. وراء.. وسط الأعشاب التي على جانبي الطريق. وصار الجنود يركعون ويفك الواحد منهم فتحة البنطلون، المخصصة لعضو الرجل الذي كان مطأطئاً رأسه قبل قليل، ويستخرجه بيده، ليبول.. جنود الدولة المنتصرة، التي هزمت أربع عشرة دولة عربية، يركعون على ركبهم، ويفكون بنطلونات الآخرين، ويساعدونهم على التبول!.. ثم إن عليهم أن يستمروا في المراقبة خشية حدوث ما لا تُحمد عقباه.. والواقفون يتبولون بمتعة لا حد لها.. كانت الوجوه تحت العصابات منفرجة القسمات، مستريحة الخطوط.. تبول بتمتع.. وربما ترتجف أعضاؤها من شدة اللذة.. وقبل أن ينهي الواحد منهم العملية، يدفع جذعه إلى الأمام قليلاً ثم ينفض جسده كأنما هو قائم من عملية جنسية.. ثم يزفر الصعداء.. وبعد أن يتأكد من أن كل شيء من المتبقي قد سقط، ينتظر ملياً، ثم يؤذن الجندي بأنه قد أنهى، والمجندات واقفات يراقبن المشهد، ويتضاحكن بصورة تثير غيظ الجنود، ولكنهم يستجيبون، ويعيدون الأدوات إلى أمكنتها. أوامر عسكرية. وبول تحت رقابة مشددة.. ومجندات لا يعلم أحد فيم يفكرن وسط الضحكات العالية.. وجنود يزدادون مللاً، وتزداد رغبتهم في إطلاق النار.. والشمس ـ التي صارت الآن موشكة على الاختفاء وراء القمم الغربية ـ تلمع أشعتها الواهنة على الماء المالح المترقرق قنوات يصعد منها البخار، في هذا الأصيل الشتوي البارد.. والحافلات التي كانت في الانتظار، بدأت الآن تهدر إيذاناً بالتحرك.         

هوامش الفصل الثالث:

1ـ ذلك أن على أهل الصبي المعتدي إثبات أن هذه الشكوى قد وجدت لديهم آذاناً صاغية، ويترجموا ذلك بالقيام بإجراء رادع، قد يتمثل في قيام الأب بعمل علقة ساخنة لولده، أو على أقل تقدير، يفرك له أذنه بقسوة أمام الأب الشاكي. أما عندما يشعر الأب المشكو إليه ولده، أن الشاكي لا يشكل خطراً بسبب ضعفه أو (قلة عزوته) فإن الشكوى، في أغلب الأحيان، تصبح غير ذات جدوى.

2ـ إذ لا مانع من القبض على حجر، قبل توجيه اللكمة، إذا خاف من قلة جدواها، أو ضعف نجاعتها، بالطريقة التقليدية، أو إذا قدر أن الخصم أكثر منه قوة، بدرجة تتيح له امتصاص الضربة الأولى، ومن ثم ملاحقته بمعركة غير متكافئة.

3ـ السقط:هم الأولاد المتأخرون في التحصيل المدرسي، وغالباً ما كانوا طوال القامات أو كباراً في السن، نتيجة رسوبهم المتكرر وعدم ترفيعهم إلى فصول أعلى. وربما جمعوا بين الأمرين: ضخامة الجثة وكبر السن. وإن اضطرار المدرسين إلى وضع الأولاد السقط في الصفوف الأخيرة، خوفاً من حجب أجسامهم الرؤية عمن وراءهم، قد أتاح لهم التلهي بالهوايات المحبوبة الأكبر من أعمارهم: فبعضهم يجمع طوابع البريد النادرة، وبعضهم يلصق صور نجمات السينما داخل صفحات الدفتر المخصص للواجب... ولكن أكبر قاسم مشترك بينهم كان (الطعمة) والغش في الامتحانات: إذ يبرع أكثرهم في سلب بطاقات الطعمة من التلاميذ المستحقين، ثم يجبرونهم في نهاية العام على مساعدتهم في الغش... ومع ذلك يرسبون.

4ـ ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله rأن المقتول يتشبث يوم القيامة برقبة قاتله ويقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني!.

5ـ لولا قذارة قميصه الناتجة عن اليتم والفقر وغياب الأب.

6ـ في مثل هذه الحالة لا يعتبر الفسخ أمراً بشعاً؛ لأنه لا يتعدى كونه تهديداً بمباشرة فعل قاس يقطع الإنسان إلى نصفين طوليين. وقد كان صابر متحيراً في الإجابة عن سؤال مؤرق: في أي من النصفين سوف يكون الرأس، وهو غير قابل للفسخ بهذه السرعة؟. أما بعد بلوغ الأولاد سن المراهقة فيصبح لهذا التهديد معنى شديد السوء، وقوي الوقع، لأنه يعطي إيحاءات جنسية تمس الذكورة، ولا يرغب أحد في أن يكون معرضاً لها.

7ـ لأنها مقدمة للضرب. والطفل الذي يتعرض للضرب ليلاً قد "يلتمس" وتركبه العفاريت. والالتماس كلمة عامية بمعنى: المس. والمقصود هنا مس الجن. وقد قامت الدلائل المتكاثرة على أن الطفل الذي يتعرض للضرب ليلاً ـ خصوصاً على الوجه ـ قد تركبه العفاريت ولا يعود ينفع معه طب ولا دواء. ولا شك أنه ما من مشكلة مهما كبرت تستحق أن يصاب طفل من جرائها بالمس.

8ـ عندما خرج أبو أنهار من المسلخ، لم يكن قد مضى على إحضاره أكثر من يوم. وإذا أخذنا في الاعتبار أن زميله في الزنزانة قد رآه بنظارته السليمة، ووجهه المتفتح دون خدوش، أدركنا أن الاعتراف لم يستغرق منه وقتاً. وقد علل ذلك بأنه وجد كل شيء أمامه على الطاولة. والغريب أنه عندما خرج، بعد ذلك من السجن، عاد إلى مكانته في القيادة. وعادت المجموعات تتعرض إلى الكشف قبل أن تبدأ. ثم بعد ذلك، وقبل أن يحس الآخرون بشيء ذهب إلى أوروبا ليتم تحصيله العالي. وعندما يعود فلسوف يتحكم في مصير المجاهدين أكثر، لأنه سيكون حاملاً شهادة عليا. وهم مجرد مناضلين.. ويا عين كوني بالقليل قنوعة.

9ـ تقول الخنساء: ومن ظنَّ ممن يلاقي الحروب بأنْ لا يُصاب فقد ظن عجزاً

10ـ عبرية بمعنى: صمت.

11ـ عبرية بمعنى: صمت.. لا توجد مراحيض.. هناك طعام فقط.

12ـ عبرية بمعنى: ماذا تقول؟.

13ـ عبرية بمعنى: أريد أن أتحدث مع الضابط.

14ـ عبرية بمعنى: لا نريد طعاماً.. نريد أن نبول.

15ـ عبرية بمعنى: أيها الجندي، أنزلهم واحداً واحداً.. دعهم يبولون.

16ـ عبرية بمعنى: لكن كيف؟.

17ـ عبرية بمعنى: افتح لهم السراويل، وساعدهم في إجراء عملية التبول.

* * ** *** ** * *

يتبع

صدرت الطبعة الأولى عام 2005