عين إسفينَه - رواية – الفصل الثاني
قبل الكلام
وإنّي لأحسبُ ريب الزمان
يُترِّكنــي جسـداً بـاليـاً
سأشكـر ذلك، لا نـاسيـاً
جميـلَ الصفاء، ولا قاليـاً
وقد كنتُ أنشـره ضاحكـاً
فقد صرتُ أنـشرهباكـيـاً
ديك الجن الحمصي
تنويه
صابر ليس هو الكاتب، لأنه أقل شأناً من ذلك. والشيخ ذياب ليس شخصاً آخر، لأن الشخص الآخر أسوأ من ذلك وأكثر حمقاً. وكذلك الشخصيات الأخرى. وكل ما هو هنا كذب واختلاق، لأن ما هو صدق لا يصلح للرواية كما لا يصلح للحياة.
الفصل الثاني
قضاء آسٍ
بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك، البيّنةُ على من ادّعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين… ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيته بالأمس فراجعتَ فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهمَ الفهمَ عندما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا في سنة النبي. اعرف الأمثال والأشباه، وقسِ الأمور عند ذلك ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. واجعل للمدعي حقاً غائباً أو بينةً أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا وجّهْتَ عليه القضاء.. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حدّ، أو مجرَّباً في شهادة زور، أو ظِنّيناً في ولاء أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات. ثم إياك والقلق والضجر، والتأذّي بالناس، والتنكّر للخصوم في مواطن الحق… من رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما. الزمان: اليوم نفسه، بعد بضع ساعات. المكان: قاعة محكمة العدل العليا بالقدس المحتلة. في انتظار انعقاد المحكمة لبحث الالتماس الذي قدمته بالأمس جمعية حقوق المواطن الإسرائيلية، تطالب فيه بإلزام الحاكم العسكري بإلغاء قراره المذكور. القاعة واسعة ومستطيلة. المقاعد صفوف طويلة متوازية، من خشب أحمر مصقول، وكل مقعد معد لبضعة أشخاص. وفي المواجهة، على طول القاعة منصة عالية، تحتل القسمَ الأكبرَ منها طاولةٌ عريضة متطاولة، وراءها ثلاثة مقاعد جلدية عالية، أوسطها أكثر ارتفاعاً. وعلى كل جانب، فوق أطراف المنصة، قفص خشبي، داخله مقعد يشبه مقاعد الجمهور. وتحت؛ في المساحة الفاصلة بين الجمهور والمنصة، استقرت طاولتان متباعدتان، تباعدَ المواقف المفترض، بين ممثل الادعاء ومحامي الدفاع. والكل بني اللون، باستثناء الجالسين والميزان والعلم، الذي يبدو الآن واثقاً من نفسه.. في الحقيقة يجب الاعتراف بأنه يظهر هكذا للرائين، خصوصاً مع هذا الاتكاء المتسيّد فوق الرؤوس. الميزان معتدل تماماً ومعلق على الجدار في المنتصف، فوق المقعد الجلدي الأوسط وراء الطاولة تماماً. والكفتان متقابلتان في مواجهة الجمهور لا ترجح إحداهما على الأخرى فوق العلم الأزرق: ليس أزرق تماماً؛ فهو الحقيقة عبارة عن خطين متوازيين بلون البحر، بينهما مساحة بيضاء ـ ربما تتوسع في المستقبل ـ تتوسطها نجمة سداسية تداخل مثلثاها، في إشارة إلى الدولة بين أزرقين: النيل والفرات. المقاعد المصفوفة صار الآن عليها جمهور من الناس ـ أكثرهم يرتدي الملابس البيضاء المتطاولة(1) ـ يتهامسون حيناً وترتفع أصواتهم حيناً آخر، ثم لا يكفون عن الإشارة بعضهم إلى بعض، في جدال يمكن الاستنتاج بأنه يدور بين فريقين.. أحدهما متشائم والآخر متفائل: ـ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. سُمع همس أحد الجالسين في المقاعد الخلفية، وهو يطرقع حبات المسبحة. وعندئذ مال عليه جاره الجالس على نفس المقعد، هامساً: ـ الحكمة ضالّة المؤمن، أَنّى وجدها فهو أحق الناس بها. حدق المسبح في المتحدث إليه، فيما يشبه أن يقول له: وأنت مالك؟. إلا أن اللحية التي شاهدها في وجهه أقنعته بالتوقف عما يمكن أن يؤدي إلى جدال فقهي، لا حاجة إليه الآن. "وما أوتي قومٌ الجدلَ إلا ضلّوا"(2).
وراء الطاولة، الخاصة بمحامي الدفاع، امرأةٌ تعبث بأوراق، ثم لا تلبث أن تنظر نحو الباب بعينين غائمتين: خمسينية شقراء، تعلو بشرَتها تجاعيد منبئة عن عمرٍ يحاول أن يختفي تحت الأصباغ. وفوق كتفيها رداء المحاماة الأسود، في مواجهة فتحته الطويلة يظهر صدرها العاري، فوق فستان مفتوح الصدر قصير، فوق مشدّات تبرز من تحت أطرافها ساقان تشيان ـ في دقتهما وتباعدهما ـ بماضٍ أُحسن استغلاله. يؤكد ذلك فم كبير، وخدان أسفعان. أما الطاولة المقابلة في الجانب الآخر، الخاصة بممثل الادعاء، فوراءها رجل جاوز الستين، أبيض الشعر والبشرة، معروق، متقوس، ذو عينين زرقاوين. يشد الرداء الأسود فوق كتفيه باستمرار. ويكثر من تقليب الأوراق على طاولته، قبل أن يتوجه إلى رجل عظيم اللحية، في الصف الأمامي خلفه، يهامسه بصورة توحي بالثقة. فيحاول الآخر بدوره، نقل هذه الثقة إلى مجاوريه في المقاعد الأخرى. يبدو أنه قائد المسيرة. عند باب القاعة ضوضاء، تصدر عن مجموعة من المتدينين اليهود، الذين يلبسون القبعات السوداء، تبرز من تحتها جدائل طويلة، ويشيرون بمعانٍ فاحشة نحو الجالسين، ثم يرفعون أيديهم بالتهديد نحو ممثل الادعاء، باعتباره يهودياً يعمل لصالح الإرهابيين. والجنود إلى جوارهم واقفون في صمت، كأن ما يدور لا يعنيهم. أشارت الساعة إلى العاشرة تماماً، ففُتح الباب. ودخل رجال الشرطة في سرعة صامتة. وتوقفت محامية الدفاع عن العبث بالأوراق. وكف ممثل الادعاء عن التهامس مع الآخرين. وسُمع صوت المنادي يدعو إلى الوقوف. فوقف الجميع، باستثناء شخص أو شخصين من أصحاب اللحى العظيمة(3). دخل القضاة والصمت في تؤدة وثقة، حتى صاروا أمام المقاعد الجلدية فوق المنصة. ثم أشار كبيرهم بالجلوس، مفتتحاً الحديث: ـ القضية الأولى: جمعية حقوق المواطن ضد حكومة إسرائيل. وبعد أن نظر باتجاه ممثل الادعاء واصل: ـ السيد ممثل الادعاء، تفضل بالمرافعة. رتّب ممثل الادعاء أوراقه، مثل تلميذ نجيب. وبعد أن ألقى عليها نظرة أخيرة عجلى، تقدم نحو المنصة قائلاً: ـ سيدي الرئيس. السادة القضاة. نحن نجلس اليوم، في محكمة العدل العليا، لبحث التماس الادعاء بالطعن في قانونية قرار الحكومة، القاضي بإبعاد مجموعة من السكان المحليين (4) في المناطق المدارة، خارج البلاد. وذلك بعد صدور قرار المحكمة الاحترازي أمس، بوقف إجراءات الإبعاد، إلى حين النظر في الالتماس المقدم من السيد ممثل الادعاء. نظر رئيس القضاة باتجاه ممثل الادعاء نظرة سريعة حازمة، ثم قال: ـ السيد ممثل الادعاء. تفضل بالمرافعة. فتنحنح ممثل الادعاء سريعاً، ثم قال: ـ السيد الرئيس. السادة القضاة. ما يود ممثل الادعاء قوله، هو أن قرار الحكومة، آنف الذكر، ليس بقانوني، وذلك لعدة اعتبارات سوف يضعها الادعاء أمام هيئة المحكمة الموقرة. وعند هذا الحد، صدرت الهمهمات من أول القاعة، عند الباب. ثم صارت ترتفع قليلاً، حتى سُمع منها عبارات من مثل: ـ أنت غير القانوني هنا. لست يهودياً في الأصل.أمك من الجوييم(5)... كانت العبارات مشوبة بحركات تمثيلية طالما أتقن المتدينون الإشارة بها في المواقف المشابهة، أو حتى خلال المعارك الانتخابية. وكان رئيس القضاة يعرف هذه الحركات حق المعرفة. ولئن كانت الآن تتطاير في القاعة باتجاه الجالسين، لقد كان من الممكن لها أن تحول طريقها باتجاهه. لقد أدرك منذ الصباح أن هذا ليس أفضل أيامه، من لحظة رؤيته هذه الجدائل عند الباب. إن متاعبه مع جماعة المستوطنين، يمكن أن تبدأ منذ الآن. ولأنه كان يعرف قوة التحالف بين المستوطنين والأحزاب الدينية، ومدى تأثيره على الحياة السياسية هنا، كما كان يعرف قوة ارتباط هذه القضية بمصالح يشع(6) في المناطق المدارة، فقد قرر أن يكتفي بضرب المطرقة عدة مرات، تاركاً الأمر لرجال الشرطة، الذين حاولوا بكل رقة تهدئة الأوضاع. وبعد قليل واصل ممثل الادعاء مرافعته بصوت بدا متهدجاً هذه المرة: ـ سيدي الرئيس. السادة القضاة. نعم. هذا القرار ليس بقانوني؛ نظراً لأن القانون الساري في المناطق المدارة(7) هو قانون الانتداب البريطاني، الذي ينص على أن للحاكم العسكري ـ أو من ينوب عنه ـ الحق في اتخاذ قرار بإبعاد الخطرين على أمن الإمبراطورية ومصالحها، لمدة محددة، وإلى مناطق تخضع لولاية التاج البريطاني. وعند النظر، أيها السادة، في نص هذا القانون، نلاحظ أن المُشَرِّع قد اشترط ثلاثة شروط لصحة قرار الإبعاد، أولها: أن تقوم الدلائل على أن الصادر بحقه هذا القرار المصيري، يشكل خطراً أكيداً على أمن الإمبراطورية البريطانية ومصالحها. وهذا أمر غير متوفر في هذه القضية محل المناقشة؛ فعلى افتراض خطورة هؤلاء الذين صدر بحقهم قرار الحكومة المذكور، فإن هذا القانون لا يتناولهم، في هذا النص، ولا في أي نص آخر، لسبب بسيط هو كونهم لا يعدّون ضمن الخاضعين لولاية التاج البريطاني، ولا يمثلون خطراً على الإمبراطورية. توقف ممثل الادعاء قليلاً، ملتقطاً أنفاسه، مما أتاح لبعض الجالسين على مقاعد الجمهور فرصة التهامس. وخلال ذلك كان يسترق النظرات إلى رئيس القضاة، مستطلعاً أثر كلامه على وجهه. وقد خُيّل له للحظة أنه لمح في عينيه نظرة ساخرة. فازدادت دقات قلبه. وشعر بقليل من البرودة يسري في أطرافه. تواصل الهمس على المقاعد، فطرق رئيس القضاة الطاولة مرة أخرى. وبعد أن حدق في وجوه الجالسين ـ بغيظ لم يحاول أن يخفيه ـ هدد مثيري الضجة بالطرد. ثم قال: ـ السيد ممثل الادعاء. واصل مرافعتك لو سمحت. مسح ممثل الادعاء جبهته بكف يده، مستجمعاً شجاعته. ثم قال: ـ وبما أن الشرط الثاني، في القانون المعمول به في المناطق، يقضي بتأقيت الإبعاد، لمدة محددة، فإن قرار الحكومة، الذي لم يتناول وقتاً لعودة هؤلاء الصادر بحقهم القرار، إلى أماكن سكناهم، باطل قانوناً؛ لأنه لم يراع هذا الشرط الجوهري، الذي لا شك أن المشرِّع لم ينص عليه عبثاً. ـ لماذا يعودون؟ ـ صرخت الأصوات المجدولة عند الباب، في هياج متزايد ـ لكي يواصلوا خطف الجنود، والتحريض على الأمن؟. كان يجب أن تكون معهم، أنت وكل أمثالك… وإذ كان ممثل الادعاء، طوال الوقت، يحاول أن يمنع نفسه جاهداً من النظر باتجاههم ـ فهو يعرف ما يمكن أن يشيروا به إليه لو فعل ـ فقد صار يتلفت في كل الاتجاهات في ارتباك واضح. وببؤس شديد، صار يشعر بأن كل المبررات، للنظر إلى الأمكنة الأخرى، لم تعد كافية، باستثناء هذا المكان الذي يحاول جاهداً منع نفسه من النظر إليه. وكلما طال الصمت، زاد شعوره بوطأة ذلك على نفسه، كما لو أن مغناطيساً هناك يجذبه دون إرادته. في الحقيقة لقد كان منظره مثيراً للشفقة. ومع ذلك فله كل الاحترام، لأنه استمر يقاوم متذرعاً بالكلام ومستعيناً بطرقات القاضي الصبور: ـ أما الشرط الثالث، القاضي بأن يكون الإبعاد إلى مناطق خاضعة لولاية التاج البريطاني. فمن الواضح أن كل ذلك غير متوفر في هذه القضية مثل سابقيه؛ حيث أن المنطقة المنوي الإبعاد إليها ـ وتوجهت إليها الحافلات بالفعل ـ هي ما وراء الحدود الشمالية في لبنان، وهو بحسب القانون الدولي دولة ذات سيادة، لا تخضع للتاج البريطاني ولا لدولة إسرائيل. ظهر الارتياح على وجوه الجالسين في مقاعد الجمهور. وابتسم ممثل الادعاء بسرور هذه المرة وهو يخالسهم النظرات.. لقد أحس أخيراً بشيء من الثقة، خصوصاً وقد أوشكت المرافعة على الختام، رغم الأصوات المرتفعة عند الباب: ـ محامي الإرهابيين. ـ ليخ لعَزَزَيْـل (8).
طرق القاضي طاولته مرة أخرى.. ولكن ظلت الهمهمات الغاضبة عند الباب لا تتوقف.. نظر باتجاه مقاعد الجمهور، وعندما خُيل إليه أنه رأى اثنين يتهامسان، اجتاحه الغضب فجأة، وصرخ بصوت حازم: ـ أنت وهو.. إلى الخارج.. رجاءً. وعلى الفور تقدم شرطيان نحوهما، ودفعاهما بفظاظة خارج القاعة. ولكن همهمات الجدائل عند الباب لم تتوقف. إلا بعد وقت طويل. ـ من هنا، سادتي القضاة المبجلين، فإنني أطالب بإلغاء هذا القرار فوراً، وإعادة المبعدين المتوقفين الآن، على الحدود الشمالية، منذ ليلة الأمس، في البرد والخوف والجوع، إلى الأماكن التي كانوا فيها، قبل صدوره. قال ذلك وهو يقدم الأوراق إلى رئيس المحكمة، مختتماً: ـ في الأوراق التي أمامكم، الملاحظات القانونية والتفاصيل، إثباتاً لما قلت في مرافعتي. وشكراً. كان شكل رئيس القضاة يشبه أن يكون رئيسَ محكمةٍ حقيقياً: فهو يجلس في الوسط تماماً بين شخصين، ثم إنه يرتفع عنهما قليلاً، وهو يرتدي عباءةً سوداء فضفاضة تتهدّل على كتفيه، وتعطيه شيئاً من المهابة ـ خصوصاً بين أوساط الجالسين على المقاعد ـ إضافة إلى أنه يتحدث بصوت هادئ كما لو كان يخفي وراء صوته رزانةً من نوع متميز.. وحتى شعره فوق رأسه كان أبيضَ يوحي بكبرِ السن وحكمة الدهور.. وباستثناء شيء واحد كان يمكن أن يكون المشهد مكتملاً.. وربما كان هذا الشيء غير جوهري، لكنه مع ذلك كان شيئاً ناقصاً ويستحق الملاحظة: إنه نظرات القضاة الثلاثة، التي كان عليها أن تكون معتدلة ومحايدة في مثل هذا المكان، لكنها مع ذلك لم تكن كذلك. ولا شك أن هذا النقص القليل كان يجب تلافيه، خصوصاً وفي القاعة بعض الصحفيين الأجانب.. لكن هذا ما جرى تماماً وربما دون شعور منهم، كانت نظراتهم باتجاه الجالسين على المقاعد حادةً وقوية، يُستشف منها غيظ ما، وربما يحللها بعض الجالسين على أنها نظرات كراهية. في حين أن نفس العيون عندما تتجه نحو جماعة الجدائل، عند الباب، كانت تُصدر نظراتٍ زائغةً وحائرة، لا تلبث أن تبحث لها عن مكان للهروب. تناول رئيس القضاة الأوراق، ووضعها على الطاولة أمامه. ثم انحنى جهة جاره الأيمن، وتهامسا مليّـاً. ثم فعل مثل ذلك مع جاره الأيسر. وبعد ذلك نظر إلى ممثلة الحكومة مطوّلاً، ثم قال: ـ حسناً أيها السادة. سوف نفحص الأوراق في جلسة المداولة، بعد سماع محامي الدفاع.. السيدة ممثل الحكومة: تفضلي بالمرافعة. كانت المرأة قد استعادت كثيراً من ثقتها بنفسها، بعد توتر غير قليل. ولا جرم، فمسألة الشروط الثلاثة هذه قد فاجأتها تماماً، حيث كانت تتوقع أن تنصبّ مرافعة زميلها، ممثل الادعاء، على محاولة استرحام هيئة المحكمة، والتذرع بالدواعي الإنسانية. ذلك التوقع الذي كانت قد استعدت له تماماً. وإذ شعرت الآن بالدفء الذي تحمله نحوها نظرات رئيس المحكمة، فقد تشجعت، وكفت عن تخلل شعرها بأصابعها المضطربة: لطالما أثبتت هذه المحكمة أنها لا تخيب تقارير أجهزة الأمن. وهذا القاضي، إنه في نهاية المطاف حارس على قانون دولة إسرائيل، ولا يُعقل أن يسمح مثله بتعريض أمنها للخطر. جمعت أوراقها برعونة. ثم تقدمت نحو المنصة، في خطوات حاولت أن تكون ثابتة قدر الإمكان. وعندما أصبحت في مواجهة المنصة تماماً، سمعت دقات قلبها مرة أخرى. كتمت أنفاسها، وقد خيل إليها أن القضاة سوف يسمعون طبولها وإن لم تتكلم.. قالت: ـ السيد رئيس المحكمة الموقرة. السادة القضاة المحترمون. بودي التعبير عن سروري بالمرافعة البليغة، التي قدمها زميلي ممثل الادعاء. وأصدقكم القول بأنني ضبطت نفسي متلبسة بالتعاطف مع أطروحاته القانونية البارعة، ومواقفه اليهودية الخالصة، النابعة من روح عظيمة تسكنه. ولكنني لحسن الحظ، تمكنت من التراجع في اللحظة الأخيرة، بسبب الحقائق التي تفرضها هذه القضية على كل مخلص لدولة إسرائيل. وهذه الحقائق تقول: أولاً: إن هؤلاء الذين صدر بحقهم قرار الحكومة المذكور هم إرهابيون، صدرت بحق أكثرهم إدانات في قضايا تخريب وتحريض سابقة. هذا وقد أرفقت بمرافعتي هذه تقارير موثقة شديدة السرية، صادرة عن جهاز الأمن العام (شاباك)، تؤكد صحة ما أقول، بحق كل فرد من الأفراد المنوي إبعادهم. كان صوتها قد ارتفع وسط القاعة، بصورة تمثيلية، عند وصولها إلى كلمة إرهابيين، بحيث تحولت مرافعتها إلى ما يشبه الخطبة الجماهيرية. وعندما تقدمت بثقة أكبر، لتضع الأوراق أمام رئيس المحكمة، انهدلت ناصية شعرها على وجهها بحركة عنيفة، خيل لرئيس القضاة أنها متعمدة.. لكنها أعجبته.. حدق بها، فواصلت وقد أصبح قلبها أقل رعونة: ـ والحقيقة الثانية، أيها السادة، أن ما ادعاه زميلي من وجود شروط ثلاثة تقيد تطبيق القانون المذكور، غير مقبول على الحكومة، ولا ينبغي أن يكون مقبولاً على أي مؤسسة قضائية، بالضبط كما هو غير مقبول على أي مواطن في هذه البلاد، أو أي يهودي في أي مكان في العالم. قالت ذلك بصوت أكثر ارتفاعاً، وقد شجعتها تعليقات أصحاب الجدائل المؤيدة عند الباب.. لمحتهم من بعيد بابتسامة ثم واصلت: ـ حيث أن هذه العلل الثلاث توضيحية إجرائية؛ لا تمس صلب القانون وروحه. كما أنها لا تقيد التنفيذ. وعلى افتراض شرطيتها، فإن ممثل الحكومة يطعن في صلاحية الاستناد إليها في هذه القضية، من خلال محاور ثلاثة، يتناول كل محور منها شرطاً من الشروط المدعاة وتفنيده، بالترتيب الذي طرحه زميلي ممثل الادعاء. المحور الأول، في تفنيد شرطية المساس بأمن الإمبراطورية، لصحة قرار الإبعاد. وهذا الشرط ـ فيما لو قبلت المحكمة به ـ يعني التشكيك في كون الولاية الإسرائيلية على المناطق ولاية حقيقية، حيث لن تستطيع الحكومة الإسرائيلية، في هذه الحالة، القيام بواجباتها أو تنفيذ التزاماتها، نظراً لتكبيلها بتفسيرات كهذه تمس بقانونية تصرفاتها التنفيذية كلها. ولكن الحقيقة يا سادتي القضاة، أن الحكومة الإسرائيلية هي القائمة بالولاية على المناطق، ولها كل الحقوق التي كان يتمتع بها الحاكم العسكري البريطاني. ولا أظن أن زميلي يحاول أن يشكك في هذه الحقيقة، لأنه يعلم تمام العلم أن القانون هنا عندما يذكر الولاية البريطانية، فهو إنما يذكرها بصفتها السلطة ـ أي سلطة ـ ولا يقصر ذلك على السلطة البريطانية، بدليل أن السلطة المصرية في غزة، كانت قد تعاملت مع هذا القانون، واعتبرته ساري المفعول، حتى الخامس من حزيران عام 1967م، وكذلك فعلت السلطة الأردنية في يهودا والسامرة. إذن هذا الشرط منتفٍ، والقرار الذي نحن بصدده لا يعترضه شرط كهذا، ولا يطعن في قانونيته. تنفست الصعداء، ثم عدلت من وضع الرداء فوق كتفيها.. تمنت في هذه اللحظة لو تمكنت من استخراج المرآة الصغيرة من حقيبتها، لتطمئن على الأصباغ.. وفي النهاية اكتفت بتمسيد شعرها، مطمئنة على أحواله.. وعندما أحبت أن ترى أثر مرافعتها على وجه رئيس المحكمة، نظرت في وجهه، فخُيل إليها أنها لمحت ابتسامة لمعت على شفتيه، أخفاها سريعاً، مع أن عينيه ما زالتا تفضحانها.. ازدادت ثقتها بنفسها، وانتقلت إلى عوالم أخرى.. شعرت بالبرودة في ساقيها، فارتجفت عيناها قليلاً. ثم واصلت: ـ المحور الثاني، يا سادتي القضاة المبجلين، يتناول صفة التأقيت التي أشار إلى وجوب توفرها زميلي ممثل الادعاء: وأعتقد ـ كما أظن أن هناك آخرين هنا يعتقدون معي ـ أن هذه الصفة متوفرة في القرار المذكور، حيث أن الحكومة لم تنص في قرارها؛ على أن هذا الإبعاد أبدي. مما يعني أن القرار غير متعارض مع القانون. ولا يجب أيها السادة التقليل من شأن الحكومة في مواجهة الإرهاب، من خلال إرهاقها بضرورة الالتزام بإجراءات شكلية، قد تضيع الوقت، أو تفرغ القانون من مضمونه، وتعطله عن تحقيق أهدافه في حماية الأمن والمصلحة. فلا شك أن الحكمة من التشريع تشكل روح القانون، التي لا يجب أن تغيب عن بالنا، عند التطبيق. ومع ذلك فإن حكومة إسرائيل تتعهد، لهيئة المحكمة الموقرة، بأنها سوف تأخذ هذا الأمر بالحسبان؛ ثم تصدر قراراً لاحقاً يحدد مدة الإبعاد وتاريخ العودة، لكل واحد من المبعدين الأربعمئة وخمسة عشر. كان الارتياح واضحاً على وجوه الجماعة عند الباب، حتى أوشكوا أن يبدأوا بأهازيجهم المعهودة. وصاروا يرمقون الجالسين على المقاعد بنظرات الشماتة والسخرية. وبدورهم كان أولئك قد صمتوا تماماً، وكفوا عن التهامس، بعد أن أحدث فيهم طرد اثنين منهم شعوراً بالغبن، زاده ما لمحوه على وجه رئيس المحكمة من علامات الحبور، عند سماع مرافعة ممثلة الحكومة. ووحده كان المطرقع بالمسبحة، هو الذي تظهر على سحنته علامات الحبور، حتى إنه صار ينظر باتجاه الحكيم، الذي يبحث عن ضالة المؤمن، نظرة تكاد تفصح بقولها: ألم أقل لك؟. فيما واصلت المرأة مرافعتها: ـ المحور الثالث، يا هيئة المحكمة الموقرة، ما قيل عن شرطية مفترضة في ضرورة كون الإبعاد إلى مناطق تخضع لولاية التاج البريطاني، ليكون قانونياً. وعند التأمل قليلاً في هذه الصفة، يتبين لنا أن ذلك كان لضمان بقاء المبعدين تحت مراقبة دولة الإمبراطورية، طوال فترة الإبعاد، حتى لا يمارسوا ما من شأنه مساعدتهم على التخريب، بعد العودة. إذن هذه الصفة امتياز للسلطة التنفيذية، تتنازل عنه الحكومة، في الظروف الحالية، نظراً لوجود البدائل الكفيلة بتحقيق مراقبة ناجعة وسط المبعدين، وبأدواتهم. وعندما نظرت ممثلة الحكومة باتجاه ممثل الادعاء نظرة ذات مغزى، شعر بعض الجالسين على المقاعد بأنهم قد ضبطوا عارين من ملابسهم. لذلك فقد تحاشوا النظر باتجاهها، محاولين قراءة وجه ممثل الادعاء.. وللحق فإن وجهه كان في هذه اللحظة قد ابيض مثل الشمع، وصار يخبو من شدة الصمت. وإذ أدرك خطورة الأمر من وجه رئيس المحكمة، فقد سيطر عليه يأس أشعره أن كل شيء يحاول قوله لن يفيد، أو يغير من الواقع شيئاً. وانتقلت عدواه بسرعة إلى الجالسين وراءه على المقاعد.. لقد صار الجميع الآن مدركين أن كسب القضية لصالح الادعاء، يوشك أن يكون مستحيلاً. ووسط كل ذلك ارتفعت أصوات المستوطنين عند الباب، بالغناء والرضا، رغم الطرقات المتواصلة. وصارت عبارة (مافت لعربيم)( 9) تُسمع واضحة ملحنة. وارتفع صوت المرأة للمرة الألف: ـ سيدي الرئيس، سادتي القضاة. نحن هنا نبحث أموراً تمس أمن الدولة. ومن الواضح أنه يجب أن تكون لأجهزة الأمن فيها كلمة مؤثرة. أرجو أن تقوموا بالإطلاع على هذه الأوراق المرفقة، قبل إصدار قراركم الموقر. وشكراً. ثم أعلن عن فض الجلسة للمداولة.
هوامش الفصل الثاني:
1ـ نشطاء الحركة الإسلامية في إسرائيل، هم المحرك الحقيقي للقضية، من وراء جمعية حقوق المواطن. 2ـ هذا حديث نبوي شريف ينهى عن الاختلاف والتفرق . ولكن المشايخ يفهمونه كدعوة للصمت وإلغاء العقل في مواجهة من هو أكبر منك في الموقع التنظيمي. 3ـ ـ يختلف المشايخ في جواز الوقوف للقادم من عدمه؛ ويروون في ذلك حديثين متناقضين في الظاهر: الأول قوله r: "من أحب أن يمتثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار". والثاني دعوته أصحابه إلى الوقوف تعظيماً لسعد بن معاذ عندما دعاه ليحكم في بني قريظة، إذ قالr: "قوموا لسيدكم". مع أن الواضح هاهنا أن الحديث الأول ينهى عن التكبر لا عن الوقوف. 4ـ كثيراً ما تشير الأدبيات الصهيونية إلى مواطني الأرض المحتلة بعد عام 1967 باعتبارهم: (توشافيم) حيث تفرق بينهم وبين مواطني الدولة المسمين:(إزراحيم). والفرق بين إزراح و توشاف كبير: إذ الأول مواطن يملك الأرض ويتمتع بحقوق المواطنة، أما الثاني فمجرد ساكن للأرض في انتظار الترحيل. 5ـ الدين اليهودي يعتبر النسب متعلقاً بالأم؛ فمن كانت أمه من أصل يهودي، فهو يهودي. أما من كانت أمه من أصل غير يهودي ـ حتى وإن تهوّدت ـ أو كان أبوه وحده هو اليهودي، فلا يمكن القبول به كيهودي. فالدين لدى هؤلاء أمر له علاقة بالدم والنسب، ولا يغيره أي طارئ، كالاعتناق. و(الجوييم) لقب يطلقه اليهود عموماً على غير اليهودي. هذا وقد درجت عادة المترجمين على ترجمة لفظة: (جوييم) العبرية بـ(الأمميين) أو (الأغيار). أما القرآن الكريم فقد أعرب عن هذا المعنى بـ(الأميين). 6ـ كلمة مكونة من ثلاثة أحرف تشير إلى مصطلح سياسي. وهذه الحروف على الترتيب هي: ي. ش. ع. حيث يشير كل حرف منها إلى كلمة: فالحرف: ي هو بداية الكلمة العبرية (يهودا)، وتعني الجزء الجنوبي من الضفة الغربية، بما فيها القدس. والحرف ش: هو بداية الكلمة العبرية (شمرون) أي جبال السامرة، وهي الجزء الشمالي من الضفة الغربية. والحرف ع: هو بداية الكلمة العبرية (عزة)، وتعني قطاع غزة. والحاصل أن هذا المصطلح يعني بالمعنى الحرفي: الضفة الغربية وقطاع غزة. ويشير مصطلح (يشع) إلى تكتل سياسي اجتماعي قوي منظم، ينشط في أوساط مستوطني قطاع غزة والضفة. وله ارتباطات قوية بالأحزاب الدينية المتطرفة، وعلى وجه الخصوص مع الحزب الديني الوطني (مفدال). وفي حماية هذه المجموعة السياسية، في مستوطنة كريات أربع بالخليل، تم إقامة النصب التذكاري للقاتل المتعصب (باروخ غولدشتاين)، الذي أطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي، وصار محجاً ومزاراً للمتعصبين من مشجعي قتل العرب في كل مكان. 7ـ في السنوات الأولى لاحتلال الضفة والقطاع درجت وسائل الإعلام الإسرائيلية على تسميتها باسم المناطق المدارة، على اعتبار أنها مناطق خاضعة للنزاع وتنتظر الحل مع الدول المجاورة. ثم ما لبث الإسرائيليون أن صاروا يطلقون عليها مصطلحاً توراتياً: يهودا والسامرة. 8ـ شتيمة عبرية منتشرة لدى اليهود بمعنى: اذهب إلى الشيطان. حيث أن كلمة: ليخ، تعني: إذهب. أما عززيل هذا فيقول عنه الدكتور سيد القمني في كتابه الأسطورة والتراث ص45 ما نصه: بداية يصعب على الباحث أن يجد لدى اليهود إلهاً خاصاً بالشر. لكن المطالع لمرحلة ما بعد التيه، يمكنه أن يجد إشارات غامضة تتضح بالتدريج مع فقدانهم أمان الاستقرار السالف في مصر، وبعدما حدث لهم في سيناء، من صراع دموي. فظهرت فكرة إله مساوٍ لإلههم (يهوه) في القدرة، هو السبب المباشر فيما وقع بهم من مصائب، أسموه عززيل. وتحاشياً لشر عززيل قاموا يقدمون له القرابين، كما يقدمونها إلى يهوه. أو كما جاء في كتابهم المقدس: ’’... ويلقي هارون على التيس قرعتين: قرعة للرب، وقرعة لعززيل‘‘. ويرجح لوذر أن عززيل كان علماً على شيطان أو جني، اعتقد اليهود أنه يسكن الصحارى. وفي كتاب ابليس يؤكد المرحوم عباس محمود العقاد أن عززيل هو اسم إله الخراب والقفار. 9ـ عبرية بمعنى: الموت للعرب.
* * ** *** ** * *
يتبع
صدرت الطبعة الأولى عام 2005