عين اسفينه - رواية

خضر محجز قرأها 6
 

قبل الكلام

وإنّي لأحسبُ ريب الزمان

يُترِّكنــي جسـداً بـاليـاً

سأشكـر ذلك، لا نـاسيـاً

جميـلَ الصفاء، ولا قاليـاً

وقد كنتُ أنشـره ضاحكـاً

فقد صرتُ أنـشرهباكـيـاً

ديك الجن الحمصي

تنويه

صابر ليس هو الكاتب، لأنه أقل شأناً من ذلك. والشيخ ذياب ليس شخصاً آخر، لأن الشخص الآخر أسوأ من ذلك وأكثر حمقاً. وكذلك الشخصيات الأخرى. وكل ما هو هنا كذب واختلاق، لأن ما هو صدق لا يصلح للرواية كما لا يصلح للحياة.

الإهداء كل ليلة:

في عتمة الكوخ، كان يضيء لي عينيه، لأقرأ .. فأقرأ .. ويبكي .. وتتنزل الملائكة ولكن عينيه لا تنطفئان. فإليه هناك في علّيين .. إلى أبي، الذي رحل دون أن تكتحل عيناه بغير حب ضاع وضيعه إلى عطية، الضعيف الذي هزم كل الأقوياء أقدّم هذا الشيء والفاتحة.

الفصل الأول

حل نهائي ...

فدخلوا المدن والقرى، لا يبقون على نسوة مع أطفالهن، أو نسوة حوامل؛ إلا ويبقرون بطونهن ويقطعونهن إرْباً، كما لو كانوا يذبحون خرافاً في حظائرهم. ويتراهنون على تفريغ كرش هذا الرجل أو ذاك، أو إخراج أحشائه، بطعنةٍ واحدة، أو قطع رأسه بضربة سيف. ويُزهقون أرواح الأطفال الرضّع بكعوب أحذيتهم، بعد أن ينتزعوهم من فوق أثداء أمهاتهم، ثم يسحقون رؤوسهم بدقها على الصخور. ويلقون بعضهم إلى النهر وسط ضحكاتهم واستهزائهم، قائلين لمن يتخبط منهم في المياه قبل أن يدركه الغرق: أنقذ نفسك يا أكبر جيفة. أو يربطون الطفل مع أمه ويسدّدون إليهما طعنةَ سيفٍ واحدةً، وينصبون المشانق بارتفاعات مختلفة، بحيث لا تكاد تسمح لأقدام المعلقين عليها أن تلمس الأرض. وتكفي كل منها لثلاثة عشر فرداً: وذلك العدد تقرباً إلى مخلّصنا المسيح وحوارييه الإثنى عشر،حسب قولهم المعتاد. ثم يضرمون النار تحتهم. من شهادة الراهب بارثولومي دي لاس كاساس عن الطريقة التي حمل بها الرجل الأبيض الحضارة إلى العالم الجديد.

المكان: المطَلّة، شمال فلسطين.

الزمان: صباح 17 كانون أول 1992.

بدأ تجميع المعتقلين في المستعمرة المحاذية لخط الهدنة، الفاصل ما بين حدود فلسطين الشمالية ولبنان. وقد زاد عدد المعتقلين في الساعات الأولى على 445 معتقلاً، ثم أعيد بعضهم إلى السجون، وتبقّى 415 معتقلاً داخل الحافلات ـ بعد رحلة استمرت طوال الليل ـ معصوبي الأعين، مكبلي الأرجل، موثقي الأيدي إلى الخلف.. وعلى عيني كلٍ منهم عصابةٌ سوداء.

الوقت صباح شتوي.. الدنيا برد.. وبقايا المياه من مطر الليلة الفائتة، تتسرب جداول صغيرة على الجانبين.. والريح واقفة ساكنة مشرئبة، كرجل هيأ رقبته للسعة سوط. والهواء معلق فوق الرؤوس. الوقت صباح. والأشياء تعدو لاستقبال القرص الذهبي اللامع.. لا شيء يمنع من ظهوره بتاتاً.. كل الدواعي متوفرة.. لا شيء ينقص المشهد كي يكتمل.. ولكن القرص الأصفر الدافئ لم يظهر رغم كل ذلك.

الوقت صباح باكر..الهواء مياه باردة. والأرض بساط مغسول.. الزهور ـ التي سوف تصبح بعد أيام صفراء مستديرة ـ تحاول الانبجاس، من وسط الكريات السوداء المعتمة، الواقفة الآن في رؤوس الأعناق الصغيرة الباردة. وحبيبات الماء المتجلدة على أطراف الأوراق العشبية المدببة، تكتسب لونها الأبيض الشفاف: ليس أبيض تماماً، وليس شفافاً تماماً؛ فالماء ما زال متكوماً متمتعاً بسيولته، تحت الطبقة البيضاء المتجلّدة، بفعل البرد المؤقت، المنتظر للحمام الدافئ، الذي من المفترض أن ينبعث بعد قليل، من القرص الذهبي اللامع، في المواجهة تماماً. ولكنه مع ذلك لا يطلع، وعلى الماء أن يظل متجلداً فوق الأطراف، حتى إشعار آخر. والوقت صباح. في الإطار أشجار عارية، منذ شهور، تقف على أطراف الجبال المحيطة، بسيقان داكنة السواد. والعصافير التي تدرك أن الشمس لم تطلع بعد، لا تخرج من أعشاشها المبلولة، على غير العادة، والحيّات قابعة في جحورها، يقتلها البرد والخوف، والعقارب السوداء، ذات الأرجل المتعددة المتعقدة، مستكينة في يأس تحت الصخور وبين الشقوق، وصراصير الحقل قد توقفت عن غنائها سائرَ الليل، كأنها مضربة عن السفاد.. والشمس لا تطلع رغم أن الوقت صباح. الصمت مثل غول كوني يحتضن الأشياء: الجبال صامتة تماماً.. والصخور البيضاء العملاقة رابضة فوق القمم مكانها، في صمتٍ ساكنٍ صامتٍ مستريب.. وشجيرات النتش المتبقية منذ الربيع الماضي هنا وهناك، منكمشةٌ خرساءُ يجللها الماء.. الصمت كالصخور تلمسه بيدك أبيضَ بارداً ناعماً سلساً، مثل رجل منافق بين يدي سلطان طاغية.. والشمس لا تطلع. تطلعت صخرةٌ فوق القمة نحو الجانب الآخر، حيث تعودت الشمس أن تكون، ولشدة استغرابها لم تكن ثمةَ شمسٌ: كان الأفق الشرقي واقفاً تماماً.. ضبابياً تماماً.. صامتاً تماماً.. والسماء على وشك السقوط. والوقت صباح. الأسفلت الأسود ممتد ملتوٍ، مثل ثعبان لا يُرى رأسه.. وهو رغم اسوداده المشبع بالحصى، يلمع.. تحت.. على الأرض.. بين العشب والشجر والجبال.. صامتاً.. مستسلماً.. خائفاً.. منتظراً.. تحت الحافلة الحمراء الزاهية.. والشمس لا تطلع. الوقت صباح. والحافلة الحمراء الزاهية تلتمع فوق الأسفلت الأسود. والنوافذ مغطاة بستائر سوداء، وراءها مقاعد، وجنود، ورؤوس، وبنادق.. وصوت مذياع يوشوش دائماً، ويغني أحياناً.. هناك أنفاسٌ ما!.. هناك حياة في الحافلة!. أسفلت مرصوف.. وحافلة.. ومذياع.. وبشر!.. هناك حضارة.. وهناك حياة. الحافلة لامعة ونظيفة، كما هو كل شيء لدى هؤلاء لمتحضرين. والمقاعد مثبتة بانتظام، في صفّين. والصفّان مستويان تماماً ومستقيمان تماماً، مثل مسطرتين تمتدان من أول الحافلة إلى آخرها، حيث تلتقيان في مقعد مشترك يزاوج بين الصفين ـ اللذين كانا منفصلين قبل قليل ـ معلناً نهاية الممر المخصص للوقوف والحراسة والتفتيش.. والوقت صباح. المقاعد تعلوها سنّادات معدة لاتكاء الرؤوس، عند الرغبة في النوم، أو التخيّل، أو التذكار: سنادتان لكل مقعد مزدوج على كل من الجانبين. وإلى جانب كل مقعد نافذة مغطاة بستارة سوداء مشدودة بالمطاط إلى تحت، ومثبتة بالمشابك، حتى لا تعاود سيرتها الأولى في الصعود، وكشف الزجاج والطريق والجبال والعشب والشجر والشمس التي لم تطلع بعد، رغم أن الوقت صباح. المقاعد، هي الأخرى، لامعة ونظيفة، فكل شيء لدى هؤلاء جديد ولامع.. هم أنفسهم جديدون ولامعون، مثل بنادقهم المعلقة بأحزمة في رقابهم.. مخزن الطلقات الرمادي، هو الآخر، لامع وصقيل: ثلاثون حبة، واحدة فوق الأخرى، في صفين متوازيين، في كل صف خمس عشرة حبة، يضغطها جميعاً لولب فولاذي، لضمان عدم تأخر حبة عن اندفاعتها المفترضة، نحو الرأس المعصوب المطأطئ، فوق المقعد، والوقت صباح. الحبة طلقة.. والطلقة موت. الرؤوس مطأطئة فوق سنادات مقاعد الآخرين.. هاهنا يوجد شيء لا هو لامع، ولا هو صقيل!.. كل رأس يطأطئ على سنادة الرأس الذي يجلس صاحبه أمامه.. فلماذا يختل النظام؟.. لقد كان من المفروض أن يستند كل رأس على سنادته الخاصة، وراء.. ولكن ذلك من غير الممكن الآن.. إنه لمن غير الممكن حقاً أن يجمع الرأس بين طأطأته الخاصة وسنادته، لذا فقد تم التبادل هكذا: يطأطئ الرأس على سنادة المقعد الذي أمامه، ويطأطئ الرأس الذي أمامه ـ بدوره ـ على سنادة المقعد الذي أمامه... وهكذا دواليك، في كل المقاعد، من النهاية حتى البداية.. لهذا كان على المقعدين المزدوجين الأماميين، في أول الحافلة، أن يظلا خاليين من الأشخاص، وذلك لعدم وجود سنادات يُطأطأ عليها.. ولو افترض وجود شخصين هنا، فأين سيضعان رأسيهما، والوقت صباح، والدنيا برد، والحافلة مرتبة ونظيفة؟!. هكذا الأمر إذن!.. الرؤوس مصطفة ومرتبة، في كل من الصفين المزدوجين، اللذين يفصل بينهما ممر. والصفان المزدوجان المستقيمان المضغوطان في الحافلة يشبهان خزنة البندقية: كلاهما رماديٌ محزز مستطيل. وكلاهما مستقيم ومزدوج.. والفارق بسيط، حيث يمكن استبدال الحبات برؤوس. والجميع مضغوط ومصطف، كما الحبات تماماً. الرؤوس مطأطئة. والفوهة باردة ومستديرة. والخزنات الرمادية تلمع. والحافلة متوقفة. والجنود يشعرون بالملل. وحبات الرصاص مضغوطة. والوقت صباح. والشمس لم تطلع حتى الآن. الحبة طلقة.. والطلقة موت. الموت في حبة واحدة كامن في انتظار الرغبة.. والرغبة متوفرة، ولكن الأوامر لا تستجيب دائماً للرغبات.. لا سحرَ هنا ولا خداع، هنا حقائقُ فقط.. والحقائق تقول: إن هاهنا عشرَ حافلات على هذا الأسفلت الممتد الصاعد الملتوي: عشر حافلات، في كل حافلة خمسة وأربعون رجلاً، بالتمام والكمال.. والدنيا صباح شتوي، والشمس لم تطلع بعد. الأمر لا يحتاج إلى مهارات من نوع خاص: مجرد حافلات. ومجرد أشخاص. ومجرد جنود. ومجرد أسفلت أسود. ويكفي أن يقوم السائق بتشغيل المحرك، حتى تهدر الحافلة. ويكفي أن يحرك ناقل الحركة باتجاه علامة الانطلاق ( d ) حتى يتغير الصوت. ثم لا يتبقى بعد ذلك إلا أن يرفع قدمه عن الكابح السفلي ـ بعد أن يحرر ذراع الكابح اليدوي على يمينه ـ حتى تبدأ بالتململ.. بعد ذلك، لا يحتاج الأمر إلا إلى الضغط قليلاً على دواسة البنزين ـ وهي غير بعيدة ـ إلى اليمين مباشرة من الكابح، تحت القدم المتأهبة منذ فترة طويلة.. ثم ما عليه ـ بعد أن يتأمل وجهه في المرآة قليلاً، ليتأكد من حسن تصفيف شعره ـ إلا أن يمسك المقود بكلتا يديه ـ وأحياناً يمكن التساهل في يد واحدة ـ ليوجهه بدقة، فوق الخط الأسود المرسوم تحت.. ومن ثم، يصبح لدينا مبعدون. الوقت صباح. والحبات مضغوطة. ولدينا مبعدون. كل شيء هنا تحت السيطرة.. وكل أمر محسوب بدقة ونظام، رغم أن الوقت صباح مبكر حتى أن الشمس لم تطلع بعد. الأيدي مقيدة إلى الخلف، بشكل متصالب، من وراء الظهر.. وهذا وحده سبب وجيه آخر، يبرر طأطأة الرأس على سنادة مقعد مخصص لرأس آخر في الأمام.. ولو تأملنا قليلاً، فسوف نعرف بوضوح أن الرأس لا يمكن له أن يعتدل: فلو اعتدل، لاعتدل معه الظهر والكتفان والجذع. ولو اعتدل الظهر، فسوف يستند إلى ظهر المقعد، ويضغط على اليدين المكبلتين سوياً. ولو ضغط الظهر على اليدين المتصالبتين، فإنهما سوف تنفجران دماً وألماً. الأمر مرتب بدقة. وكل شيء محسوب. ولا يُسمح بتجاوز النظام: فالقيد البلاستيكي، الذي يحزم المعصمين، مشرشر كمنشار معقوف الأسنان، يزداد ضيقاً مع أدنى حركة، وعلى المقيدين الكف عن التململ، فالقيد لا يعود إلى الاتساع بمجرد السكون. لأن كل شيء محسوب، وكل حركة تعني ازدياد الضغط على الوريدين والأعصاب. السكون أسلم، وكل حركة لها ثمن فادح.. لذلك ينبغي أن تظل الرؤوس مطأطئة على سنادات مقاعد الآخرين، في الحافلة النظيفة الحمراء الزاهية، الرابضة فوق الأسفلت الأسود الملتوي، المتجه شمالاً، مثل ثعبان فقد رأسه، بين الجبال الباردة.. والوقت صباح.. والشمس لا تطلع. عشر حافلات: في كل حافلة خمسة وأربعون رجلاً، بخمسة وأربعين قيداً، مع خمس وأربعين عصابة سوداء، على أعين خمسة وأربعين رأساً، تطأطئ على خمس وأربعين سنّادة أُعدت للآخرين.. والشمس لا تطلع.. والجنود يشعرون بالملل. الحبات مضعوطة. والجنود مضغوطون. العصائب سوداء.. والشمس لا تطلع.. وخمسة وأربعون رجلاً في الحافلة الواحدة.. نعم يمكن القول بأنهم رجال.. بل إنهم في الحقيقة رجال، بدليل أنهم كانوا قبل ساعات قليلة في أحضان نسائهم.. ليس في الأمر ادعاء البتة: رجال.. وربما كان بعضهم لا يزال، حتى اللحظة، محتفظاً بلزوجةِ ليلةٍ ماضية بين فخذيه. وربما كان بعضٌ آخر محتفظاً بضحكات أولاده تحت سترته.. ولكنهم الآن جميعاً في الحافلة، تحت رحمة البنادق، يتجهون إلى حيث لا يعلم أيٌّ منهم، في هذا الشتاء. والوقت صباح. خمسة وأربعون رجلاً، يتحكم فيهم خمسة جنود فقط!.. كل جندي يتحكم في تسعة رجال، ويرسل أياً منهم إلى الموت، لو عَنّ له ذلك في لحظةِ حزنٍ أو غضب.. لا حاجة هنا لاستعراض كاذب للقوة.. هنا الحقائق تتحدث عن نفسها، ببرود وحيادية. الرجال الخمسة والأربعون جميعهم، بالتأكيد كانوا قبل ساعات دافئين، وصاروا الآن يرتعدون من البرد والخوف والانتظار.. وخمسة جنود فقط.. خمسة جنود واثقين من أنفسهم يحرسونهم، وربما يبتسمون أحياناً عندما يتحسسون البنادق الباردة، التي لم تخذلهم في السابق، لأنهم واثقون من قدرتها على الاشتعال، عند أي ضغطة من إصبع، إذا اقتضت ذلك الظروف. خمسة وأربعون رجلاً.. جُلّهم سمر.. ويتألمون صامتين مثل أشجارِ عنبٍ في عِزّ الشتاء.. وخمسة جنودٍ شقر لامعين.. ويتأففون بملل، ثم يصرون أسنانهم في حقدِ من مُنع من قتلِ قاتل أبيه، والسبب ضوابط سخيفة مهمتها منعهم من الضغط على الزناد، والعودة إلى الثكنات الدافئة بسرعة.. هاهنا يجري أمر عكس المرات السابقة.. لذلك فهم يبصقون على الأرض. خمسة وأربعون، مقابل خمسة: تسعة مقابل واحد.. لا يوجد هنا أيُّ خدعة سينمائية. هذه حقيقة.. ومن شأن الحقائق أن تتحدث عن نفسها.. هنا تتبدى واضحةً قوةُ القوة وجلاءُ العنصر ورفعته: حيث شخص واحد يتفوق على تسعة، وخمسة أشخاص يتفوقون على خمسة وأربعين: النقاء في أجلى صوره.. إنه العنصر المتفوق يتحدث عن نفسه بصمت، وسط التماعة التكنولوجيا. التكنولوجيا صامتة.. والصمت ثقة. لمن هذه الرؤوس المطأطئة المعصوبة؟.. ثمة حاجة إلى الفحص قليلاً.. ثمة حاجة للنظر من تحت، نحو الوجوه المعصوبة. الرؤوس المطأطئة المعصوبة، تطل من تحتها لحى: خمس وأربعون لحية، من كل نوع ولون: لحى طويلة وناعمة، ولحى قصيرة وكثة.. لحى سوداء يشوبها البياض المتفرق، ولحى بيضاء، لا يشوبها سواد، كأنها النهار.. لحى مُشَذّبة ومرتبة وممشوطة ـ بل يمكن القول إن بعضها مدهون أو معطر ـ ولحى شعثاء كالمِزَق، وخشنة مثل ليفة قذرة.. وبين هؤلاء جميعاً، ربما تبحث لك عن وجهٍ بلا لحية.. ربما تصادفه، على هذا المقعد أو ذاك، غارقاً وسط هذا الخضم من اللحى، الذي يشغل المقاعد ويملؤها، مثل قنينة تائهة في بحر. هي الحقيقة عارية لا تغطيها أوراق التوت.. اللحى التي كانت في السابق تتهامس، وتسبل العيون، وتتجشّأ حامدةً اللهَ على نعمة اللحم والماء.. هذه اللحى ذاتها الآن خائرة، كما لم تكن من قبل.. صامتة كأنها لم تعرف بعضها بعضاً ساعة من نهار أو ليل.. سبحان الله!.. اللحى الآن ـ طويلها وقصيرها ـ تفكر في المجهول.. إنها مصدومة، كما لم تكن من قبل.. إنها متفاجئة بمرارة وللمرة الأولى، حيث لم تتعود المفاجأة. وكما لو أنها لم تكن تعرف من قبل قوانين الحساب، في هذا المكان من العالم.. وكما لو أنها لم تكن بارعة في قياس اتجاه الريح. والوقت صباح. اللحى صامتة.. والصمت مفاجأة. أبداً.. أبداً.. صدق.. أو لا تصدق.. هذه اللحى.. ذاتها.. الآن.. في الحافلة.. صباحاً.. قبل طلوع الشمس.. فوق الأسفلت المرسوم الممدود الأسود.. بين الجبال.. شمالاً.. محتقنة.. يا الله!.. اللحى محتقنة!.. كيف أمكَنَ أنْ يكونَ ذلك كذلك؟!.. كيف أمكَنَ لهذه اللحى أن تفكر بجرأة للمرة الأولى، في رغبتها الجامحة في إسالة النجاسة، على أرضية الحافلة الحديدية، أمام الناس؟!.. كيف أمكن أن يُتصور ذلك لحظةً من زمن، رغم السراويل الطويلة، أمام الآخرين، مرةً واحدة؟.. لقد كانت اللحى متعودة على التفكير في رغبات أخرى، أكثر لذة، وأحلى مذاقاً.. والآن التفكير منصب فقط على البول!. والدنيا برد، والوقت صباح، والشمس مُتَأبّيةٌ على الطلوع. برد كانون يثلج الأشياء. ولكن هناك ناراً مشتعلة بين الحِقْوين.. من يطفئ النار المشتعلة في اللحم البارد!. الشعلة تتقدم متموّجة باندفاع جارف، تجرّ معها الوعي والإدراك والرأي الحسن.. الشعلة المتموجة الحارقة تندفع من الأسفل إلى الأعلى، بفعل المضخة.. يُخيّل للمرء أنها سوف تكتسح كل شيء، في طريقها نحو البوابة.. فجأة تتوقف.. فجأة.. هكذا.. بإصرار.. عند بوابة الخروج.. في رأس العضو تماماً.. تتوقف.. والعضو يرتجف.. ما الذي أوقفها!. هي ذي الموجة تنكسر بحدة، كما لو كانت قد ارتطمت بكاسح أمواج، يمنعها من الوصول للساحل.. هي ذي ترسو متوقفة تماماً، لكن العضو يرتجف.. حركة واحدة، وكل شيء يتهاوى.. والدنيا تغرق.. السد واقف متشنج، ولكن إلى متى؟!. هو ذا رجل جالس معصوب العينين، فيه وسامة متبقية من ليلة ماضية، في طريقها نحو التدهور.. هو ذا فجأة يرفع رأسه، ثم يدقه بسنادة المقعد الأمامي.. لم يُصَب بالجنون، ولكن سحنته، فوق العصابة، تتشنج وتعرورق وتحمرّ.. قوة العرق البارد في عزّ الشتاء تنبثق من جبينه حبيباتٍ مائيةً صغيرة واقفة.. الماء واقف رغم قوة المضخة، والعضو يرتجف. والرجل الجالس يكظّ على أسنانه ـ نعرف ذلك من منظر فكه المتصلب ـ قبل أن يعود رأسه إلى السنادة الأمامية مطأطئاً.. من تحت، يمد ساقيه بقوة وشراسة.. ينشدُّ عصبا الساقين مثل وترين ممتدين من أسفل الحقوين إلى أخمص الكعبين.. ترتفع وتيرة الشد، ويزداد نبض العضو المحتقن، ويصبح ارتجافه متسارعاً، ويضغط على الرأس المعصوب فوق السنادة الأمامية.. أي علاقة بين العضو والرأس!.. والماء يتوقف عند الفتحة تماماً: المسافة ما بين الموجة والساحل لا تتعدى المليمترات.. أية دقة!.. وأي انضباط!.. الجندي الواقف, وسط الممر، بين صفي المقاعد المرتبة، ببندقيته اللامعة، وطلقاته الثلاثين، يتلهى بالتمشي بين الصفين. والوقت صباح. من يطفئ النار المشتعلة في اللحم البارد!. ومن يُسيل الماء، على أرضية الحديد الباردة، ليستريح الرأس من الدق، والعضو من الارتجاف، ويرتخي وتر الساق الممتد مثل سلك فولاذي، وتنبسط السحنة المتشنجة، ويتوقف الفك عن الضغط على الأسنان، في هذا الصباح البارد، فوق الخط الأسود المرسوم المتجه شمالاً بين الجبال كالثعبان، نحو بوابة الخروج؟!. الجندي يشكو من الملل. والحافلة واقفة تماماً. والوقت صباح. والمغنية العبرية تصدح بغنجِ من تمارس الجنس للمرة الأولى. والسائق مسترخ على مقعده يردد وراءها ملتذاً وقد أغمض عينيه.. وفور أن يخرج صوت المذيع من السماعة المخرمة في السقف، معلناً عن (بريشت بيت ـ كول إسرائيل(1)) يقفز كمن لدغته عقرب، وتمتد يده بسرعة إلى المذياع تحرك المؤشر، نحو محطة أخرى، خشية مفاجأة الرؤوس المطأطئة بالأخبار.. فلا شك أنه، حتى، بين هذه اللحى الكَثّة، يوجد من يتقن العبرية ويفهمها.. والتعليمات واضحة في هذا الصباح. رويداً رويداً، ينقطع الصمت قليلاً.. هناك في المشرق.. حيث كان ينبغي أن يظهر القرص اللامع قبل زمان.. انقطع الصمت، رويداً رويداً، وظهر احمرار دموي في الأفق فوق القمة.. ليس تماماً.. بل إلى الجانب قليلاً: باهتاً كما لو كان بين قمتين.. لقد كان في الحقيقة بين قمتين فعلاً، وإن يكن إلى إحداهما أقرب.. رويداً رويداً بدأ في الارتفاع، وعندئذ ظهر شيء يشبه أن يكون هالةً برتقالية تقتحمها العين مباشرة.. ثم ظهر حد الكرة ملتهباً أحمر، مثل قوسٍ مغموسٍ بالدم، محدداً كخط مرسومٍ بقلم.. كان المنظر مثيراً للانطباع: جيوش من السحب السوداء هناك فوق القوس، تسد طرف السماء تماماً. وقوسٌ أحمرُ مُدَمّى يحاول أن ينبعث.. أن يقف.. كان مثخناً، مضَرّجاً. ولكنه وقف.. وبدأ الاشتباك هكذا: في البداية هجمت جموع السحب المتكاثفة، بجرأة على هذا الوحيد الطالع من وراء القمة.. غطته، هزمته، ضاع، لم يعد له أثر.. لوهلة خيل للرائي أنه مات، أو على أقل تقدير انسحب وراءً خلف القمة.. لكن الأمر لم يكن كذلك.. صحيح أن الدنيا شتاء والوقت صباح، والموسم خصم، ولكنه اندفع مرة أخرى.

تحرك القرص الأحمر الباهت، وقد بدت حركته سريعة هذه المرة، سريعة ومفاجئة، إلى درجة أنها بددت السحب المتراكمة وفرقتها. لم تبق إلا سحابة واحدة شفافة نوعاً، بدأ يظهر من ورائها فتياً مرة أخرى، صاعداً بقوة واندفاع.. ثم علا وظهر، وانقشعت السحابة كباقي أخواتها. وظهر منتصراً متحدياً يستحث باقي المهاجمين.. يمكن القول إن الأمر استمر، شيئاً ما، على هذا المنوال: مرة يظهر حد القوس المنحنية طرفاه إلى تحت، ومرة يخبو، تحت وهج الهجوم، بين القمتين، تحت حد السماء السفلي مباشرة.. ثم ظهر أخيراً متكاملاً.. انبثق منتصراً، وقد دفع الجموع السوداء نحو كبد السماء، وتوسط بين القمتين مزهواً تماماً. ثم صار المشهد هكذا: قرص أحمر دون شعاع فوق، وحافلات حمراء زاهية تحت.. مجرد حافلات، ومجرد شمس حتى وإن كانت باهتة ومجرد أسفلت أسود تحت، ومجرد سماء حمراء فوق، وجنود واقفين بين عشر حافلات، منشغلين بالضغط على ظهور بنادقهم بأيديهم، كأنهم يتمتعون باختراع ثقل جديد، يشد أحزمة البنادق، ويضغط على الرقاب من فوق..

لقد كان من الممكن للمشهد أن يطول أكثر، لولا أن مجنداتٍ ظهرن فجأة (2)، يحملن أكياساً سوداء، واتجهت كل واحدة منهن إلى حافلة.. لذا فقد تغير المشهد قليلاً: بدأ القرص الأحمر في الاصفرار، وصار يصدر شعاعاً كأسلاك الذهب. وبدأت القمم التي كانت قبل قليل سوداء، تظهر وتبيض وتصبح بهية. وتوجهت مجندات إلى الحافلات كل مجندة معها كيس أسود (3).

دخلت المجندة الحافلة. وما إن فعلت، حتى سرت همهمة بين الجنود الخمسة الواقفين في الممر، منذ زمن، بملل واضح. كانت الهمهمة مصحوبة في بعض الأحيان بصفير مُرحِّب. وأدركت اللحى المطأطئة أن هناك شيئاً يحدث، أو هو على وشك الحدوث. وهذا الشيء من الأهمية بمكان. إنه من الأهمية إلى درجة تسمح بالمخاطرة بالاعتدال قليلاً. حتى مثل هذه الرؤوس بإمكانها أن تُصاب بالفضول، في مثل هذه الظروف، هكذا مرة واحدة، رغم العصابات على الأعين، والقيود المشرشرة المعقوفة، والسنادة، والنار المشتعلة بين الحقوين، والموج الواقف عند الكاسح قبل الفتحة تماماً، في هذا الصباح الذي بدأت شمسه تشرق أخيراً، وتصدر شعاعاً رغم كل شيء. كأنهم لو رفعوا رؤوسهم سيرون!. ـ أُوْخِل (4).

أخيراً تمزق الصمت.. كل شيء يحدث هو أهون من السكون.. الصمت موت معلق فوق الرؤوس منذ ساعات.. حتى الاحتقان الناري بين الحقوين لم يبدد الصمت.. بدده صوت المجندة المفاجئ (5).. هم الذين بدأوا بهذا السحر الجديد.. سحر الكلام أخيراً!.. ولو كان ما قالته المجندة سحراً حقاً، إذن لما أحدث استجابة بمثل هذه السرعة: فجأة، ومرة واحدة، صارت اللحى تتململ. ثم صارت الململة همساً. وصارت كل لحية تميل على التي بجوارها، وتهمس، وتتلقى مقابل همسها همساً آخر: همسٌ بهمسٍ، ولا أحدَ يفضل الآخر. وصار قرص الشمس الآن يطلع أكثر وأكثر. الهمس كالأشجار ينمو ويكبر ويتسع. وإذ سُمح لهذا الهمس بين اللحى بأن يستمر لدقائق، فقد كان هذا إيذاناً بحدوث أمرٍ لم يُحسب حسابه.. لقد كان من الطبيعي أن يتطور الهمس المهمَل إلى صوتٍ واضح.. هكذا.. كما لو كان قد نبت من بذرة كان يُظن أنها ميتة.. انبعث متألماً تقطعه تأوهات تئنّ، كما لو أنها صادرة من قاع بئر عميقة: ـ آخ.. يا خواجا.. شيروتيم (6).

هوامش الفصل الأول:

1ـ عبرية بمعنى: القناة الثانية ـ صوت إسرائيل.

2ـ لماذا كان على المجندات أن يبدَين على مثل هذا القدر من الجمال، مع أن مهمتهن هي الحرب أو المساعدة على الحرب!.. وهل المساعدة على الحرب تقتضي ارتداء فساتين قصيرة وقمصاناً تضغط على الصدور بهذا الشكل المتوحش!.. وهل المساعدة على الحرب تقتضي أن يلقين شعورهن وراء ظهورهن هكذا، كأن لا أحد من خلق الله يمكن له أن يصاب بالجنون من كل ذلك!.. سبحانك، هذا بهتان عظيم!..

3ـ هو كيس بلاستيكي ولا شك؛ إذ بالمستطاع معرفة ذلك بسهولة من طريقة حمله: إنك تستطيع القول بأن الأكياس البلاستيكية تُحمل بطريقة توحي بالمهانة: دائماً يُعصر رأس الكيس منها في اليد ويُقبض عليه كما لو كان رأس دجاجة. وأحياناً يُطوى على اليد إن كان طوله كافياً. بل إنه أحياناً يُعقد بشراسة، تدخل جُزيئاته في بعضها البعض، حتى تكاد تتلاحم ويتعذر فتحه. إنه يُعقد كما لو كان حبلاً أو ما شابه، وعندما يريدون فتحه يلجأون إلى تمزيقه، كشيء فقد قيمته.. كل ذلك بخلاف الأكياس الأخرى: خذ لك الكيس الورقي مثلاً. إنه حين يُراد طيه، فإنه يُطوى بعناية فائقة، كما لو كان قميصاً مكوياً، ويُحمل برقة. وربما يُترك رأسه مفتوحاً، إذا كان ممتلئاً، ويُحمل في الحضن كطفل حديث الولادة.. لكل ذلك كان من الممكن لأي شخص يراقب المشهد أن يقسم مطمئناً، أن هذه الأكياس السوداء، التي يحملها الجنود المتجهون إلى الحافلات، بلاستيكية.

4ـ عبرية بمعنى: طعام.

5ـ وبما أن الصوت كان مموسقاً مغناجاً فقد بدا الواقع للحى أقل قسوة وأكثر استجابة لمثل هذا التدخل.

6ـ عبرية بمعنى المرحاض.

* * ** *** ** * *

يتبع

صدرت الطبعة الأولى عام 2005