مسرح الهواة في سورية (1 من 2)

فرحان بلبل قرأها 7
  

لنتذكر منذ البداية أن جميع العاملين في المسرح السوري منذ بداية القرن العشرين حتى الهزيع الأخير منه كانوا من (الهواة،awetgw4t4tgwtgw4tgw4tgaesee.JPG وأن إنجازاته العظيمة قام الهواة بالقسم الأعظم منها. وكلمة (الهاوي) كانت -منذ عشرينيات القرن العشرين-  تعني الذي يحب المسرح. وهو الذي يتبرع بوقته وجهده من أجله دون مقابل، والذي هو مستعد لتلقي العسف والقهر من المحتل الأجنبي. وهؤلاء الهواة أو (الغواة) كما كانوا يسمون أنفسهم في تلك المرحلة المبكرة، هم الذين خلقوا التيارات الفكرية والفنية في المسرح السوري، وهم الذين أقاموا بينهم وبين جمهورهم جسوراً من التواصل الحي الذي كان وجهاً من وجوه النضال ضد الانتداب الفرنسي، كما كان وجهاً من وجوه التطوير الاجتماعي والتفعيل السياسي.

و(الهاوي) كان يقابله (المحترف). و(مسرح الهواة) كان يقابله (المسرح المحترف). وكان هذا المسرح يعني الفنَّ الذي يقدم الابتذال في التهريج الرخيص ممزوجاً بالموسيقا والرقص المثير وغير ذلك من أفانين (السرور) في سهرة ممتعة يختلط فيها شيء من الدعارة مع شيء من الإضحاك. وكان ذلك يقدم بمقابل مادي يجني منه هؤلاء المحترفون مالاً طيباً يضعونه في جيوبهم مقابل المال الذي كان الهواة يدفعونه من جيوبهم. وهذا المسرح المحترف وُلِد منه المسرحُ التجاري الذي لم يخرج في قواعده العامة وأهدافه ومراميه عما كان عليه منذ نشأته في أواسط القرن العشرين حتى اليوم. وإذا كان المسرح السوري قد عرف تياراتٍ ومدارسَ واتجاهاتٍ ومهامَّ سياسيةً واجتماعية وفكرية تغيرت بتغير الظروف الاجتماعية والسياسية، فإن المسرح المحترف ووريثه المسرح التجاري لم يتغير فيه شيء ولم يخلق لنفسه أهدافاً غير التي بدأ منها وظل متمسكاً بها. بل لعله كان في بداية نشأته أكثر تنويعاً ورقياً. فقد كان يقدم نوعاً من الاستعراض الغنائي تحت اسم (الميوزيك هول). وكان يقدم نوعاً من النقد الاجتماعي. ثم انحدر تماماً إلى التهريج والإضحاك حين صار اسمه (المسرح التجاري) الذي نعرفه اليوم. وهو الذي قلنا عنه إنه منذ أكثر من سبعين عاماً لم يتغير فيه شيء. فظل -بعد كل حساب- (متعة بمال).

المهم في هذا الموضوع أن أغلب مؤرخي المسرح السوري ودارسيه يقدمون المسرح المحترف والد المسرح التجاري على أنه هو المسرح السوري متناسين الدور العظيم لمسرح الهواة. فكأنهم يرفضون لتاريخنا المسرحي أن يكون نظيفاً يحقق جماهيرية الموقف الوطني والتغيير الاجتماعي، ويصرون على جماهيرية الدعارة الفعلية والمفتعلة فيه. ونتج عن ذلك جهل مريع بتاريخ المسرح السوري الحقيقي وتشويه فظيع لهذا المسرح. وإذا بنا في غمرة هذا التشويه والتجهيل للمسرح السوري نتغنى بتفاهة المسرح المحترف ووريثه التجاري وننسى عظمة المسرح السوري وأعلامه.

إن محصلة ما سبق تنفي عن كلمة (المحترف) معنى (العلم) بالمسرح، كما تنفي عن كلمة (الهاوي) معنى الجهل بالمسرح. فجميع العاملين في المسرح السوري حتى أواخر القرن العشرين كانوا من الهواة الذين يقفون على خشبة المسرح مدفوعين بحبهم له. ثم يكتسبون الخبرة بالممارسة الفعلية فلا يلبثون أن يصبحوا -مع توالي السنين- ذوي حنكة وبراعة في فن المسرح.

والأهم من هذا أن هؤلاء الهواة كانوا يفرزون من بينهم (المخرجين) الذين كانوا مديري فرق أكثر مما كانوا مخرجين بالمعنى الحرفي للكلمة. وكان هؤلاء (المخرجون) يحققون أمرين نتمنى على مخرجي اليوم أن يحققوهما حتى يتابعوا العمل على رفعة شأن المسرح السوري.

أول الأمرين أنهم كانوا يعملون على إبراز الهدف الأعلى للعرض المسرحي بجلاء ووضوح. وبما أن هذا الهدف الأعلى كان ينصب في التيار الوطني أو القومي أو السياسي أو الاجتماعي، فقد كانوا يُلهِبون جمهورهم ويحرضونه التحريض العفوي الذي عجز أكثر المخرجين المتعلمين بعدهم عن النجاح فيه. وبذلك تحققت لهم أهم صفة في العرض المسرحي وهي (حرارة) المعالجة الاجتماعية التي كانت المهمة الأولى للمسرح منذ نشأته حتى اليوم.

ثاني الأمرين أنهم - لكي يحققوا هذه الجماهيرية بغاياتها وأهدافها العليا- كانوا يبنون فن التمثيل على ما يستمدونه من إيماءات الواقع. فكان المتفرج يجد نفسه على خشبة المسرح موضوعةً بشكل فني. وبذلك خلق هؤلاء المخرجون مع الممثلين أسساً أولى لما يمكن تسميته فن التمثيل العربي. وندرك أهمية هذه النقطة إذا تذكرنا ماهية فن التمثيل. فهو فن يتعلمه جميع الطلاب في جميع الجامعات والمعاهد في العالم بأسس وقواعد متشابهة أو متقاربة مهما اختلفت مناهجها ومدارسها. وغاية تعليم فن التمثيل هي (أن يؤدي الممثل دوره بإتقان).

فإذا تخرج من المعهد المسرحي أو الجامعة، وجب عليه أن يضع ما تعلمه من أصول فنية في بوتقة مجتمعه وظروفه الحضارية ومجمل القيم الجمالية في عصره لكي يكون ابن بيئته وفاعلاً في أبناء عصره. ومن هنا كان لكل من المسرح الروسي أو الإنكليزي أو الفرنسي أو غير ذلك نكهة خاصة وسمات واضحة تميز كل واحد منها عن الآخر، رغم أن جميع الممثلين في هذه المسارح يتلقون تعليماً أكاديمياً يمكن القول إنه متقارب أو متشابه. المخرج السوري الهاوي والممثل السوري الهاوي خلقا هذه السمة المحلية للتمثيل في كل من سورية ومصر وتونس والجزائر والمغرب والأردن وغيرها من الأقطار العربية. ولذلك برز مصطلح (فن التمثيل العربي) بين أواسط ثلاثينيات القرن العشرين وأواخر خمسينياته. ثم اختفى بعد ذلك.

وقد استمر الحال مع مسرح الهواة في سورية على هذا الشكل حتى ما بعد الاستقلال لأنه كان الشكل الوحيد الذي ظهر فيه المسرح السوري. وهو الشكل الذي ترك لهذا المسرح تاريخه العظيم. وهو الذي أسس للمرحلة اللاحقة. وكان لا بد أن ينعطف في طريق جديدة بعد أن بدأ العمل المسرحي السوري يكتسب ثقافة جديدة ويقوم بمهمات جديدة بعد الاستقلال. لكن الحكومات الوطنية التي جاءت بعد الاستقلال أخذت تحارب المسرح بعد أن كانت تشجعه. وقد ذكرنا ذلك وأسبابه في كتابنا (من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري). ونذكر هنا أهم هذه الأسباب، وهو أن المسرح كان سلاحاً في يد البرجوازية الوطنية تحارب به المستعمر الفرنسي. فلما جاء الاستقلال استلمت هذه البرجوازية قيادة البلاد فخافت من هذا السلاح أن يُوجَّه نحوها. فحاربته بشدة وبطريقة ما تزال آثارها حتى الآن. فالمسرح فن اللهو وفن الدعارة. وهو (تشخيص) لا يليق بالمحترمين من الناس. وإذا بالهجوم الاجتماعي على المسرح جعله يتراجع. وإذا بهذا الفن الذي كان شامخاً حتى نهاية الانتداب يتضاءل حتى يتحول إلى مجرد مشاهد كوميدية أقرب إلى التهريج تُقدَّم في سهرات الأندية الفنية مع الموسيقا التي صارت الأصل في برامج هذه الأندية بعد أن كان المسرح عماد إنشائها. وبهذا الشكل نلاحظ وجود مرحلة تبلغ خمسة عشر عاماً كاد فيها المسرح أن يموت. وكان من الممكن أن يظل المسرح على تضاؤله حتى الموت لولا مجيء الوحدة بين سورية ومصر في عام 1958. وكانت هذه الوحدة بداية لمرحلة جديدة فيها انعطاف حاد اجتماعي وسياسي وفكري وقومي ووطني. وهذا الانعطاف الذي بدأ يغير الكثير من ظواهر حياة الناس كان لا بد له أن يخلق معادله الفني الذي كان المسرح أحد مظاهره. وبهذا الشكل ولد المسرح من جديد. وكان لا بد له أيضاً أن يتخذ ملامح المرحلة التي ولد للتعبير عنها. وأبرز هذه الملامح هي:

-            جيل المسرحيين الذي أخذ يقف فوق خشبة المسرح يكاد يكون جيلاً جديداً لا يربطه بالجيل السابق روابط العلاقة بين الأستاذ والتلميذ. فالجيل السابق الذي خرج من المسرح قبل ما يقرب من عقدين لم يعترف بالجيل اللاحق ولم يعلمه أصول ما سار عليه في النشاط المسرحي. وإذا بهذا الجيل الجديد يبدو وكأنه من غير أساتذة، وكأنه أخذ يعيد الكرة في تعليم نفسه صناعة المسرح.

-            هذا الجيل حمل أهدافاً فكرية ووطنية واجتماعية جديدة تناسب المرحلة الجديدة، مما جعله يتخذ وسائل فنية جديدة كانت الواقعية سمتها الأساسية. فبعد النبرة الخطابية الكلاسيكية في مرحلة الانتداب جاءت النبرة الواقعية الأقرب إلى فن الدراما. وهذه السمة استمرت حتى اليوم.

-            الوحدة بين مصر وسورية وما تلاها من انفصال ومن ثورات قلبت الأنظمة العربية وطرحت شعارات جديدة خلقت مرحلة صعود جديدة استمرت ربع قرن أنجز فيها المسرح صعوده الكبير في التأليف والتمثيل والإخراج وجميع أركان صناعة المسرح، كما ذكرنا في البحث السابق.

-            بجميع هذه الخصائص لم يكن ممكناً أن يبقى المسرح في أيدي الأندية الفنية العاجزة عن تقديم الدعم اللازم له. فكان لا بد أن تقوم الدولة برعايته وتمويله وتطويره. وهذا ما حدث في جميع الأقطار العربية. فمنذ ستينيات القرن العشرين بدأ إنشاء المسارح الرسمية العربية ومنها سورية. لكن المسرح الرسمي لم يكن قادراً على جمع شمل كل النشاط المسرحي. وإذا به يتقاسم هذا النشاط مع مسرح الهواة الذي ولد من جديد. وبذلك بدأ المسرح السوري حكاية جديدة لنفسه سوف نقف عندها.

-            صعود مسرح الهواة وانحداره

في عام 1960 أنشأت وزارة الثقافة المسرح القومي في دمشق. وكان من خطتها حينذاك أن تسارع إلى إنشاء مسارح قومية في عدد من المحافظات السورية. لكن ذلك لم يتم لأسباب ذكرناها في كتابنا (مسرحنا العربي - واقعه وآفاقه). لكن الحركة المسرحية السورية  التي ولدت مع المرحلة الجديدة أتمت عمل المسرح الرسمي بمسرح الهواة الذي امتد على جميع المدن السورية. وكان هذا المسرح أكثر جرأة على التصدي لمشكلات الأمة العربية وقضاياها. فقدم ما يمكن تسميته بآفاق التجديد في الكتابة والعرض المسرحي. وتبلور هذا المسرح في الأندية الفنية -وهي موطنه الأول في مرحلة ما قبل الاستقلال- وفي اتحاد شبيبة الثورة وفي اتحادات العمال وفي الجامعات وأحياناً في المراكز الثقافية. لكن هذا المسرح نظر إليه المسرح الرسمي كأنه عدو له. فلم يقدم له من الدعم إلا القليل. وترك الهواة لقدراتهم الذاتية التي لا تستطيع أن تستمر في تقديم النشاط المسرحي. والمنظمات الشعبية التي كانت ترعاه لم تقدم له من الدعم المالي والمعنوي إلا القليل. فلم يهلَّ عقد ثمانينيات القرن العشرين حتى بدا مسرح الهواة عاجزاً عن الاستمرار. فكانت لوحة مسرح الهواة في سورية على الشكل التالي:

في دمشق قضي على مسرح الهواة قضاءً تاماً. فلم تعد مؤسسات دمشق الثقافية ومنظماتها الشعبية تجرؤ على تشكيل فرق للهواة فيها. وبذلك خسرت دمشق -ويالها من خسارة- حيويةَ الهواة وصدقَهم الفكري والفني. وخسرت أكثر، قدرةَ الأجيال الشابة على التعبير الحي الصادق عن واقع الحياة المعاصرة بما فيها من تغيرات في الأفكار والأساليب. وهكذا أصبح المسرح في دمشق -ولأول مرة في تاريخه الطويل- عاجزاً عن تصوير نبض الحياة تصويراً حياً عميقاً لا يستطيعه إلا الهواة بجرأتهم الفكرية البريئة وبصدقهم الذي لا يحجبه الاهتمام بالصنعة والتزويق. وخسرت أيضا ً-وهي خسارة أدهى وأمر- الدروسَ الفكرية التي يطلقها الهواة. وخسرت -وهي خسارة أفجع- معرفةَ الوسائل الفنية التي يخترعها الهواة ببساطة وعفوية للوصول إلى الجمهور. وهكذا أيضاً بدت دمشق مصنعاً فذاً لإنتاج أعمال مسرحية تشمخ بقدراتها الفنية وبتعدد تجاربها. لكنه مصنع ينتج المسرح المعلَّب تماماً كجميع أنواع المعلبات التي تنتجها معامل سورية الاستهلاكية. ففيها من هذه الأنواع فيض جارف ينافس بعضُه بعضاً ويدحَر بعضُه بعضاً دون أن يشكل صناعة قوية يفخر بها الوطن وإن كان يقرمش هذه الصناعة بعجالة المتنـزه على ضفة النهر رامياً بعد القرمشة أغلفةَ الإنتاج الصناعي الفارغة. فالصناعة استهلاك والمسرح استهلاك. وما أبأس هذا الاستهلاك البراق.

في الحلقة القادمة نتابع الحديث عن

سقوط مسرح الهواة في بقية المحافظات

وعن كيفية صعوده من جديد