أَغْوا لونا - ماء القمر – بيت بمنازل كثيرة - النهار

محمد علي شمس الدين قرأها 7
  

تداعت الى سمعي، وأنا أمشي في الرواق الطويل الذي يصل بين المدرّج الجنوبي في جرش ومدرّج أرتيمس الشمالي، فيseyet5yse5555555555shdxh.JPG تلك الليلة الصافية من تموز الفائت، أصوات مختلطة، وإيقاعات أغانٍ وأناشيد شعبية، ممزوجة بموسيقى أليفة، ما لبثت أن خفتت، ليدخل عليها، من شقوق الهياكل الرومانية العالية، وفسوخ الجدران والحجارة القديمة الضخمة، أصوات أخرى وأناشيد بلغات مختلفة، من جهات الرومان واليونان والعرب والصليبيين، وشعوب شتّى وأمم سادت ثم بادت، وكأن الجدران والهياكل اختزنت في ذاكرتها هذه الأصوات، لتبثّها في أذني من خلال ما خُيّل لي أنه ميكروفون الأبدية، في تلك الليلة من ليالي تموز الجَرَشية. كنت أمشي وأجتاز درجات ذاك المدرّج الطويل، ويمشي معي جمهور من المارة والمتسكعين والمحتفلين بالمهرجان، من نساء وأولاد بثياب مزركشة، وخلق كثير من وطنيين وسيّاح عرب وأجانب، وطال سيري في الليل، حتى بدأت الأصوات البعيدة والقريبة تتراجع من حولي، وخطى المشاة والمتسكعين تنحسر بالتدريج، وتراءى لي أنه لم يعد يمشي في ذاك الرواق الأثري سواي، وخطواتي وحدها ترنّ على الحجارة: طُقْ... طُقْ... طُقْ وأن الهياكل والأعمدة تبادلني الصمت والإصغاء، في ذاك الليل الجَرَشي المهيب. كانت شعوب كثيرة تأتي وتمضي، دول تدول، خيول وعربات تتدافع في الطرق ثم تهدأ، أباطرة وحكام، ملوك وسوقة، سيّّاح كثر من أماكن متباينة وأزمنة متناثرة، يمرّون في تلك المدرّجات الدهرية، يطلقون أصواتهم بين الأعمدة وتيجان الهياكل، ثم ينطفئون، تماماً كما تذوب السحائب فوق الجبال، وتبقى الجبال. بقيت الأعمدة والهياكل والحجارة، واقفة وشاهدة، وانطوت الشعوب والخلائق، وما تناهى الى سمعي جَرَشَئذٍ، من أصوات مختلطة من دهور كثيرة، لم يكن شيئاً آخر، غير صدى ارتطام حذائي على حجارة المدرّج الطويل، وأنا أنتقل من حجر الى حجر ومن صخرة الى صخرة... طُقْ... طُقْ... طُقْ... رفعتُ بصري الى أعلى، كانت السماء ممتلئة بقمر واسع. يكاد قمر جرش يتّسع أكثر من السماء عينها التي تحتويه. قمر شاسع في ماء السماء الاسود. آه. هل كان هنا لويس أرياس ماثيو، حين كتب قصيدته "أَغْوا لونا"؟ "أَغْوا لونا" (ماء القمر). تراءى لي أنه اشتبكت في تلك الليلة الجرشية، في سماء واحدة من ماء، ثلاثة أقمار، هي أقمار القصيدة: قمر الجنوب، وقمر تشيلي، وقمر جرش.

الشعر لم يبدأ في أية قاعة، لكي ينتهي في أي ستاد. الشعر كان في مكان آخر. أمشي وحدي في مدرّجات جرش أجلس على الحجارة، أمسح الغبار عن جبين الهيكل، صوت لويس ماثيو يمشي معي: نحن ذرّتان متعانقتان في التراجيديا، تشيلي، الجنوب، جرش، جرش، الجنوب، تشيلي، ليس للألم لغة، ليس للموت لغة، ليس للشعر لغة... الخطوات تضرب على الحجارة... طُقْ... طُقْ... طُقْ:
"من فضائنا الأليف

من كل ما فيه، وما يحتويه

لحماً وأنفاساً

نتحاب"....

كان ماثيو يقول: "أنا من قارة شابة، وأنتم تملكون الحضارة الأقدم في العالم"... وكان ماثيو يعلم، أننا، على الرغم من تباعد التواريخ والأصول واللغات، سوف نلتقي في التراجيديا. هذا هو الفرح. بل هذا هو الشعر العابر للأمكنة والأزمنة والتواريخ واللغات. موسيقى المأساة التي كنّا نصغي اليها، ونحن نمشي في صمت هياكل جرش وصمت أروقتها. الشعر يا ماثيو حرّ وقرين الصمت وفي قاع الأصوات هو، لذا ينتسب الى كل لغات الارض ولا ينتسب الى لغة، والى كل الأمكنة ولا ينتسب الى مكان، والى كل الازمنة. ولا الى زمان... ويا ماثيو:

"هو عالم محسوس

شكله ملموس

 ولكن كل شيء

في الداخل وفي الخارج

هو حقيقة

في الداخل وفي الخارج

هو ذاته الصراع

من أجل الوجود والحياة".

كنّا حين ننتقل من مكان الى آخر، نحمل معنا شيئاً، ونترك أشياء. صراخ، فوضى، هَذْر، رطانات كثيرة... كلها كانت تترسب في القاعات والفنادق، وتتطاير من نوافذ الحافلات، كفقاعات خفيفة. وما ذنب الشعر في كل ما يجري على هذه الكرة الأرضية؟ كان الشاعر القديم يقول: "إذا تشابكت الدموع على الخدود، ظهرت الخديعة".

نعم. لا يمكن، حين اشتبكت دموع كثيرة على خد جرش، إلا ملاحظة الدموع الحقيقية من دموع المطّاط.
سرنا معاً كالمسيح على البحر الميت. كيف يموت البحر ليغدو بحراً ميتاً؟ وشاهدنا وشهدنا ثمة، أكثر من معجزة. الله، حياً، وحياة، شاهدناه في الحجر. البتراء، بترا، الحجر، الصخرة العظيمة في قلب التاريخ... حجّة الله على خلقه، القصيدة الكبرى على وجه الصحراء، رائحة التاريخ وموسيقاه المتجمدة في الحجر، بترا... ذريعة العرب الأنباط ليكونوا أعظم من نحت في صخر التاريخ، وزاوج بين الواقع والاسطورة. وليكونوا، قبل اليونان وقبل الرومان، مهندسي العالم القديم، وكم كان الشعر قريباً منا ونحن نتدرّج في ذاك الشقّ الصخري العجيب من أرض الأنباط، وعن اليمين وعن الشمال يعلو ويتعالى جداران عملاقان محفوران بأزاميل كأزاميل الجان، والماء يسيل كما لو هو الآن في حفرتين أو أخدودين يتوازيان، والتماثيل العجيبة محفورة في صخور كأنها بحجم الأحلام. فسبحان خالق آياته في الحجر، وآياته في أزاميل البشر، وهل الشعر سوى ما حفره أجدادنا العرب الأنباط في واديهم العجيب؟ وأين الشعر في كل ما نرى ونقول؟ سلاماً جَرَش.

ذهبنا الى المهرجان فوجدنا مهرجاناً آخر في المهرجان. وذهبنا الى الشعر لنقع على شعر آخر خلف الشعر.

 5565tseyyhserysey4.gif

imdgsergsergsergsrgsr555.jpg

ima35tw53et35ta3ta35rf7.jpg

im555555555ser0.jpg

im5554ethserser1.jpg