علاقة الشعر بلغته

محمد علي شمس الدين قرأها 8
  

MAShamsuddinePhoto01.jpg 

(1)

علاقة الشعر بلغته علاقة رحميّة، لكنها غامضة. ويزداد غموضها حين تزدوج لغة الشاعر افتراضاً بمستوى واحد أو متقارب في القدرة والامتلاك، كأن يملك الشاعر العربية والفرنسية مثلاً، أو العربية وأية لغة أخرى أجنبية، بالقدرة نفسها، فلماذا يكتب بهذه دون تلك؟ لماذا كتب جبران خليل جبران بالإنجليزية ما لم يكتبه بالعربية؟

وفي كل الأحوال، فإن الموضوع يغدو أكثر إلحاحاً في حال ازدواج اللغة بين فصحى ومحكية، وهي مشكلة مطروحة في العربية أكثر مما هي مطروحة في لغات أخرى، نظراً للبون الشاسع بين الفصحى والعاميات العربية، على الرغم من تحدُّرها (أي العاميات) من أصل الفصحى وأرومتها.. إلا أن تباين الأقاليم والأصول والثقافات التي دخلت عليها العربية، أوجد ما يشبه الشروخ والتباينات النطقية الكبيرة بين الفصحى والعاميات.. ما حملنا على اعتبارها “لغات” الى جانب “الفصحى”.

(2)

حين سئل ميشل طراد، الشاعر اللبناني بالمحكية، صاحب ديوان “جلنار”، لماذا كتب أشعاره بالمحكية ولم يكتبها بالفصحى، وعن الصفات الضرورية للقصيدة، أجاب بالعامية: “لازم تخشخش فيا صابيع الحياة”، أي “يجب أن تخشخش فيها أصابع الحياة”. فهل الفصحى خارج الحياة؟ وهل يغرف شعر المحكية في الفطرة ولغة المهد والحياة اليومية للناس، في حين أن شعر الفصحى هو شعر ثقافة ويغرف من الكتب أو الذاكرة الكتبية؟

(3)

المسألة على ما نرى مسألتان: واحدة في الشعر: أصله ونبعته، ماهيته واتجاهه، وثانية في اللغة وعلاقة القصيدة بلغتها. ما هي؟

حين احتجبت مجلة “شعر” اللبنانية لأول مرة في نهاية العام 1964، جاء احتجابها مشفوعاً ببيان من يوسف الخال، مؤسس المجلة يبرر فيه احتجابها بأنه ناجم عن اصطدامها بجدار اللغة. يقول: “.. وهكذا اصطدمت الحركة بجدار اللغة... وجدار اللغة هو كونها تكتب ولا تُحكى، مما جعل الأدب، وخصوصاً الشعر لأنه ألصق الفنون باللغة أدباً أكاديمياً ضعيف الصلة بالحياة حولنا”.

لكننا على ما نرى، نجد المسألة أخطر بكثير مما ذكره الخال، لأن الفصحى موحّدة، أما العاميّات فشتّى، وليس ثمة من عاميّة واحدة بالإمكان ضبط أصولها وأشكالها ولفظها لتدوينها بكتابة وقراءة موحّدة، فنحن أمام مئات، بل آلاف العاميّات التي يختلف فيها النطق بين بلد وآخر، بل بين حيّ وآخر في البلد الواحد، فما العمل؟

ثم إذا كانت الفصحى اليوم عاجزة عن مسايرة العلوم والابتكارات والتكنولوجيا المعاصرة، فالعاميّات ليست أفضل حالاً.

كل هذا يُقال، ونحن لا نماري في الشعر أو الشعرية، لأن الشعر يوجد أو لا يوجد في أية لغة أو لهجة كتب بها... ولا فرق هنا بين عربية وفرنسية أو بين فصحى وعاميّة.. فمشكلة الشعر ليست هي عينها مشكلة اللغة.