لماذا أومن بأدونيس

سامي مهنَّا قرأها 6
 

لأنّ حالات الشعر في ذلك العالم المسكون بهاجس الخلق الدائم متغيّرةٌ كنبعٍ أبديّ، ولأنّ هذا النبع يتفجّر من صخرة التراكمsrtjhsethththt666666666666yhdrt6ytyhdt.JPG فيفتّتها, ولأن هذا النبع يجمع بين تناقض التدفّق والصفاء.

لذلك يشعر قارؤهُ أنّه يحتاج أمداً حتى يتسلّق عتبة كتابٍ من كتبهِ الجديدة أو القديمة التي تتجدّد كلّما توغّلنا فيها كشفاً وتأفّقنا عُمقاً, وقد نحتاج أحياناً لطقسٍ إلحاديٍّ لنتمكّن من فهم النصّ المتقرّب من الله أو إلى طقسٍ دينيٍّ حتى نفهم الثورة على الديانات بمفاهيمها السائدة.

فأدونيس يتخاصر مع أبي يزيد البسطامي والجنيد وإبن عربي من جهةٍ ومع أبيقور وإبن الرواندي ولوكر تيوس وجان بول سارتر من جهةٍ أخرى لذا نراهُ يتوسّط الحقيقة ويجتذبها كناسكٍ هندوسيّ.

عالم أدونيس هو عالمٌ مختلف السماء والأرض, مختلف الشمس والنجوم, عالمٌ لا ينسجم مع التجارب والأفكار والمصطلحات وإنّما هو عالم كشفٍ واختلاف, إنّه عالمٌ يتخطّى مسيرة الزمن وخطوطها المستقيمة فيكثّف اللحظة الشعريّة/ الحياتيّة بشعلة الماضي التي تتنفّس هواء الحاضر والأبد واحتمالات المستقبل التي نغزل خيوطنا بأنفسنا فيعبّأ الزمان بالإمكانيّات والتغيير فالزمن ليس أجوفَ والمستقبل لم يُكتب بعد، ومسيرة الزمن في شعره بطاقاتهِ الإستشرافيّة والتجاوزيّة يلامس "الميتاكونيّة" الخارجة عن جاذبيّة الزمان والمكان بكفٍّ ويحاول القبض على المكان المجدّد المعبّأ بالأزمنة بالكفّ الأخرى.

وأمّا أدونيس المارد المتمرّد يبدو من خلال كتاباتهِ "التقدّمية" كأنبياء الغضب ومؤسّسي الثورات.

 والأسئلة في أدبهِ تبقى مفتوحةً على مصراعيها متحدّيةً التجارب الإنسانيّة محاولةً جرجرتها إلى مساحة الحوار غير طامحةٍ أن تتّفق معها لأنّ الاتفّاق غالباً ما يدخلنا إلى قطب الجمود والثبات، لذلك لا يتوقّع أدونيس من قرّائهِ أن يتّفقوا معه بقدر ما يتوقّع أن يدخلوا معه إلى عالم الأسئلة والشكّ والقلق. فكلّ شيءٍ خارج نقطة البيكار الإلهيّة قابل للحركة والتغيير، بل مستدعٍ للحركة والتغيير. فأدونيس يزرع الشكّ في تراب اليقين ويختلف مع المألوف وهمّه الأكبر التغيير لا الإنسجام.

 وأدونيس، شعريّاً، هو المؤسّس الحقيقي للحداثة العربيّة المعاصرة نظريّاً وتطبيقاً ولا يوجد برأيي شاعر حداثةٍ عربيّ سواء وافق أدونيس او إختلف مع نظريّاتهِ إلاّ ونراه يتبنّى إراديّاً أو لا إراديّاً نظرياتِه ومفاهيمَه المتعلقة بالشعر والحداثّة وخاصّةً أنّ أدونيس يؤثّر كغيره من الشعراء الكبار في منحى وهندسة وبناء القصيدة العربيّة الحديثة.

  منذ بدأ أدونيس رحلته الأولى والآراء تختلف معه وحوله لأنّهُ متمرّدٌ على الثقافة السائدة التي تتبنّاها أكثريّة المجتمع ولأنّه كما قلت سابقاً يغيّر ولا ينسجم، ولأنّه لا يسير على السكّة الأفقيّة للوقت، هذه السكّة المريحة وهذا القطار المتكرّر الإيقاع لا يعجب المبدعين والمؤسّسين والثائرين، لذلك اختار هذا المتمرّد منذ أكثر من نصف قرن أن يقفز من القطار البخاري المسافر أمام فزع الركّاب المستريحين على مقاعدهم الآمنة فاتّهموه بالجنّون، لكنّهم  تفاجؤوا حين وصلوا أنّهم وجدوه في محطّتهم الأخيرة يستعدّ للسفر معتبراً تلك المحطّة محطّته الأولى.

أدونيس هو قدر القصيدة العربيّة التي كُتب لها أن تخاطب الآفاق وتتجدّد كعنقاء الرماد بعد أن خرجت عجوزاً شبه عمياء من السجن العثماني الطويل.

أنا أومن بأدونيس لأنّهُ نبيٌّ من أنبياء الحداثة العربيّة شعراً, فكراً وممارسةً.

أنا أومن بأدونيس لأنّه إنسانٌ كونيُّ النهج قوميّ الشعور، "بوست حداثيُّ" النزعة لكنّهُ ينتمي فكراً وشعراً لأصولٍ متجذّرة في الماضي يتصّل بها وينفصل عنها بالقوّة ذاتها دون أن ينغرس بوحل الماضويّة.

أنا أومن بأدونيس لأنّه بالرغم مّما وصل إليهِ من عظمةٍ وشهرةٍ بقي إنساناً متواضعاً مرحاً يأسر جلساءهُ لأنّ الإنسان العظيم متواضعٌ بجوهرهِ.

أنا أومن بأدونيس لأنّ زمن أدونيس هو "زمن الشعر".