إلى سميح القاسم في عيده السبعين

سامي مهنَّا قرأها 707
  

إلى سميح القاسم في عيده السبعين

سامي مهنا

Samimhanna.JPG 

وجدتُ صعوبة في الكتابة عنك، لأنني أكتبُ عن تجربة تفوق سنوات عمري، ولأنني أقفُ أمام قامةٍ شامخةٍ وروحٍ محلّقة. لذا لن أقيّم سميح القاسم الشّاعر الكبير، فقد قيّمه من سبقني معرفةً. ولن أكتب عن مكانته في عالم الأدب، فالأضواء لم تنحسر عنه خلال نصف قرن. لكنّني سأحكي عمّا أراه متجلّيًا في ملامحك، التي تختزن الوطنَ والشّعر والإنسان.

Samihalqasem01.jpg 

أراكَ تجلسُ على شرفتكَ المطلّة على جبال الجليل وسهوله، وعلى الوطن المعانق قارتّين، وراءك سبعون عامًا، تختلط فيها الذكريات والنكبات والأمجاد والمعاناة والفرح والحياة. دولٌ تغرق في النفط ولا سدود عالية، وتغرقُ في الغرب ولا صدود ولا رياحًا عاتية.

 تستحضر رفاقك القدامى: توفيق زياد، إميل حبيبي، محمود درويش، والقائمة طويلة كمآسينا. هل سمع وصيتّك وسلّم عليهم رفيقك وفقيدك الأخير الذي رحلَ جميلاً كما أتى، والذي أرى كلّ هؤلاء يتألمون لموته وإن كانوا ميّتين؟

أرى محمودًا يقرأ أمامكَ قصائدهُ الأولى، فتقرأ أمامه قصائدك الأخيرة، يسألُ لماذا؟ تقول مرّ خمسون عامًا، يجفل فتجفل، من لا يصدّقُ الوقت، الحيّ أم الميْت؟

كلاّ، لا تصدّق الوقت، فأصابع آلهة الشعر تعبث في الزّمن ولا تترك العاشق دون مطر. وأنت أنتْ، سنديانةٌ عتيقةٌ وزيتونة نفيء إليها، فنشعر بالانتماء إلى الأرض والتاريخ والكلمات.

وأنت أنتْ، تطلّ من شرفة بيتك الجليلي على بحيرة طبريا، مكمن وحي الأنبياء والشّعراء والمحرّرين.

فصدى خطوات المسيح على الماء، وقوافي المتنبي، وسنابك خيل صلاح الدين، وأشعار سميح القاسم، تتداخل حتى الحلول.

وأنت أنت، حصان عربيٌّ أصيل لا يخيّب أمل الرهان، ستقول مثلما قلتَ وغيرَ ما أنشدت، ستقولُ من عشقٍ وعن حكمةٍ، ما سنصغي إليه الآن وغدًا، فقد بتنا بعدكم نتقن الإصغاء إلى همس الثلوج على القمم، وصوت العواصف، صرنا نصغي للعلوّ وإلى صوت أصابع القدمين الصاعدة على سلّم الضوء إلى السُدم، وعلى سلّم الكلمات إلى الأبد.

وأنت أنت، تكتب بكبرياء السيّف وتُصغي بتواضع النّدى، وتضع كلاهما في المكان المناسب، مستجيبًا إلى منطق أحد أجدادك القدامى وحكمة التاريخ.

سرتَ في "مواكب الشّمسِ" شابًا تتدفق في عروقهِ النّار. وبعد خمسين عامًا وعام، تتأمل الوراء الأمام، والأمامَ الوراء، تتمعّن في جهات الرّوح، لا تستأذن أحدًا، تحبُّ كما يشتهي الموت، وتعيش كما يشتهي الحبّ، تخذلك الصحارى ولا تخذلها، وأخيرًا تتأسف كما يتأسفُّ العاشق لأنه لم يعشق حتّى الموت، والناسك لانّه لم يتفانَ حتّى الحلول، والشّهيد لأنه لم يستشهد إلاّ مرّةً.

"الرعيل الأوّل من شعراء المقاومة"، جيلٌ ينتسب إلى قوة الخلق وشرف الريادة والشجاعة والرؤية والرّؤيا والتجاوز والاختراق. لم تكن المعادلة واضحةً وجاهزةً أمامكم، فالانتماء الفلسطيني كان لا يزال يتفقّد جراحه ليتأكّد أنه لا يزال حيًّا. والعالم العربيّ كان أبعد من مجرّةٍ مفقودة، والشّعر كان يبحث عن صوته بين الاختناقات. قمتم من الرماد، معجزةً أسطوريّةً، ووطنًا يتشكّل من طين الانكسارات، وشعرًا يخرج من محاراتٍ منسيّة.

سميح الذّي لم يبلغ العشرين، يرتجل الانتماء والتحدّي والاختلاف والقصيدة بالحدْس والغريزة والعاطفة، تمامًا كالأسماك التي تولد بعيدةً وتعود إلى وطنها دون مرشدٍ أو دليل.

أرادونا أن نحيا بلا لغةٍ، فقدّسنا اللغة، وحفظنا اللسّان، وقلنا: المرء بأكبريه، قلبه ولسانه.

حين خطّ خبراء المشروع القمعيّ، المعادلة الكيميائية التي تحوّل الإنسان والمعدِن، لم يفهموا طبيعة المعادن ونسوا تأثير الأدب، فالحساب لا يعترف بالشّعر دائمًا، والشّعر لا يَحسب، بل يحلم ويعشق ويحارب ويموت ويعيش دون حساب.

وأنتَ أنت، نصف قرنٍ من نصف غربة في الوطن، ونصف وطن في الغربة، ونصف الحّق في انتقاء موضوع القصيدة، ولغة القصيدة. ونصف الأصدقاء القدامى أو أقلّ.

وكلّ الانتماء إلى الشّعر والحريّة والإنسان. 

ماذا تعلّمت أكثر من الزّمن، الحكمة أم السخرية؟ وماذا تعلمَّ سميح الإنسان من الشّاعر، وسميح الشّاعر من الإنسان؟

وماذا عساي أن أقول عن الإنسان الذي أراه فيك، أخانا الذي يرفض الأبوة، وأبانا الذي يرفض النبوّة، وأستاذنا الذي يأبى إلاّ أن يكون صديقًا.

الإنسان غير المُعنوَن إلاّ بالحبّ والجمال. 

ومن طبيعة الوطن والانتماء للّغة والحضارة الأم أن يدخلوا في صِيَغ هذا الجمال، وهنا لا يصبح الفلسطيني مهنةً، بل وجودًا، ولا العروبةُ شعارًا، بل حقيقةً، ويصبح كلّ شعرٍ فنًا، وكل فنٍّ مقاومةً، وكلّ مقاومةٍ حقًّا، وكلّ حقٍّ حقيقة أبدية، وخالدة كسميح القاسم.

فكلّ عامٍ وأنتَ شّابٌ كالقصيدة الخالدة وقلب الوطن.