سعيد عقل
منصور الرحباني *
كنت في مطلع العشرين من عمري، وأنا ذلك الشرطي العدلي البسيط في بيروت، متوجهاً ذات مساء إلى ساحة البرج في بيروت لأستقلَّ سيارة تعيدني إلى البيت في أنطلياس، حيث رأيت جمعاً حولي يشيرون إلى مكان قريب ويتهامسون: "هذا سعيد عقل". التفتُّ فإذا بي أمام شاب طويل يسير بمشيته العنفوانية المهيبة وطلعته الصّبوح المشرقة. توقَّفتُ أتأمّل الشاعر الذي تتحدّث عنه كل بيروت، وكان كتابه "قدموس" يومها شاغل الناس. ولم أصعد إلى السيارة إلا بعدما غاب عني الشاعر الذي كانت قامته الأدبية بدأت تسيطر على بيروت الأدب والشعر بمحافلها وأوساطها وصحافتها.
في تلك الفترة، كنت أقرأ شعره، وأتصوّر بكل غرور أنني أستطيع أن أكتب أفضل منه. لم أكن عهدئذٍ، واعياً أسرار تركيبته الجديدة ولغته الشعرية ولفتة الجملة لديه. كنت يومها أكتب الشعر ولا أتنبَّه لأهمية النّسيج الشعري، ألاحق الصّورة ولا أهتم لتركيب العبارة المؤدية إلى تلك الصورة. هكذا كانت مرحلتنا، عاصي وأنا، قبل أن نتعرَّف إلى سعيد عقل.
ذات يوم، وكنا انطلقنا بأعمالنا مع فيروز وبدأت أغانينا تُذاع، طلب منا صهرنا (زوج شقيقتنا سلوى) المحامي عبدالله الخوري أن يعرّفنا إلى سعيد عقل ، وكان على علاقة به عبر والده الأخطل الصّغير. وفي زحلة، في مدرسة مار أفرام التي كان يملكها سعيد عقل ويديرها. تعرّفنا إليه. أسمعناه شعراً وبعض موسيقى. خرجنا من عنده بانطباع عميق. تلك الزيارة قلبتْ مفاهيمنا للشعر. ومنذ تلك الفترة بدأت علاقتنا به، وثيقة، وطيدة، مبنية على الوفاء والاحترام، ولم نعد ننفصل أبداً. وقال بعدها كلاماً نبيلاً فينا، أبرزه قوله: "إن لحن "شال" هو من أروع ما سمعته في حياتي. حين سمعتُه بصوت فيروز ولحن عاصي ومنصور، أحببتُ القصيدة أكثر مما كنت أحبها من شعري قبل التلحين. صداقتي مع عاصي ومنصور أباهي بها. لم يشُبْها يوماً شائبة. وحين أفاخر بأن وطني أحبّني، وأحبّني فيه كبار، أعني في طليعتهم عاصي ومنصور الرحباني" **
وإذا كنت هنا أردُّ إليه الوفاء باسم عاصي وباسمي، فإنّ عليَّ أن أبوس جبينه على قوله بي: "... اليوم بعد غياب عاصي، منصور لا يقل عن عاصي عبقريّةً وإبداعاً. أرفض التّمييز ولا أرضى بالانسياق إلى تعظيم الغائب عل حساب الأحياء. منصور شاعر كبير وموسيقي كبير"***.
هذا الكلام أعيده إلى معلمنا بالجزم نفسه: كان سعيد عقل منعَطَفاً مصيريّاً في مسيرتنا الفنية وفي حياتنا الشخصية.
على الصّعيد الشخصي كان سعيد عقل أخاً حقيقياً لنا. دخل بيتنا وصار عضواً في العائلة. كانت أم عاصي تكنُّ له تقديراً عظيماً. ذات يوم من 1954 صحبه عاصي إلى بيت فيروز في حي البطركية. حين خرجا قال له: "ياعاصي، بينكما حبٌّ غير عادّي. يجب أن تتزوّج هذه الفتاة". كانت تلك العبارة في رأي عاصي، ذات أثر كبير في تعجيل زواجه من نهاد حدَّاد. وفيما بعد سيكتب سعيد عقل عن علاقتنا بفيروز: "كان عاصي ومنصور يسألان غير صديق لهما رأيه في تحمُّل هذه أو تلك من الأغاني سُمُوَّ صزت فيروز. وغير مرّة قيل لقصيدة صَرَفا أياماً من ضنى في إطلاعها أعجوبة صغيرة: أنتِ، أيتها الطرفة، لستِ أهلاً كفاية لأن يغنِّيكِ الصّوت الطّرْفة". كان عندهما إحساس بأنه ما من بيت جميل مرشّحٍ لأن تطلقه فيروز إلى الناس، إلا ويتحتّم عليه أن يرفع عينيه إلى السماء. كان ذلك شرطاً مفروضاً حتى على الغزل، وحتى على القصّة المأساوية، وحتى على التّولُّه بالصّخرة المعلّقة بالنّجم، والتي اسمها لبنان".
وعلى الصّعيد الإبداعي، وضعنا ألحاناً للكثير من قصائده، بدْءاً بـ"مشوار" وبعض قصائد "يارا" ، إلى قصائد فصحى هي من أجما الشعر على الإطلاق. وكان لسعيد عقل تأثيره الكبير على شعرنا. صحيح أننا مِن أسلوبَين شعريَّين مختلفين (كان أحياناً يلومنا على عبارات وردت في قصائدنا فرَضَتْها ظروف حوار مسرحي) لكننا تعلّمنا عليه أموراً كثيرة: اللغة الشعرية، اللعب بالعبارات والكلمات، كيفية كتابة قصيدة بدون قوافٍ وما أصولها للتعويض عن القوافي، النّظرة الجمالية إلى الأمور، وسواها مما استفدنا بها من سعيد عقل. صرفَ ساعاتٍ طويلةً (في البيت أو في المكتب- وكان يسكن في البناية الملاصقة مكتبنا في حرش الكفوري – بدارو) في إفهامنا الأصول والقواعد والتكنيك. لم يخرج شعرنا متأثِّراً بشِعره، لكنه خرج غانماً من تقنيته اللعميقة ومن تضلّعه بقواعد اللغة التي يملكها واحداً بين قلائل في هذا العصر.
حين كتبنا "جسر القمر" طلبنا منه أن يطرِّزها بعبارة منه فكتب: "كلّ ضيعَة بينْها وْبين الدِّني جسر القمر. وطالما فيها قلب بيشدّ قلب، مهما تْعرَّض للخطر ما بْيِنْهِدِم جسر القمر". وحين خرجت المسرحية في كتاب، صدَّرنا الكتاب بهذه العبارة من سعيد عقل.
وما كان لمسيرة الأخوين رحباني أن تكون ما كانت عليه، لولا دخول سعيد عقل إليها. أفادنا بالكثير الكثير ولا زلنا نغنم منه حتى اليوم.
* من كتاب "الأخوين رحباني – طريق النّحل" – تأليف هنري زغيب – سلسلة "منارات من لبنان". 1/1/2001
** "سعيد عقل إن حكى" – الحلقة العاشرة – مجلّة "الوسط". العدد 67 بتاريخ 10/0/1993 – ص 66
*** المرجع السابق.