أعجوبة الزمان هيلين كيلر: المعاقة التي هزمت العوائق!
د. ابراهيم عباسنتُّو *
إحدى أكبر مشاهير العالم السيدة هيلين كيلر، كانت قد أصيبت بحمى في طفولتها المبكرة جداً أتت على سمعها وبصرها ونطقها. ولكن هيلين لم تستسلم حتى وهي طفلة، ثم لم تتوان طيلة حياتها المديدة عن المثابرة والتطور والارتقاء.. والسعي الدؤوب الى الخروج من غياهب ظلمات الرؤية، والعزل السماعي، والعجز التخاطبي!.
هيلين، معجزة الدهر التي اعتبرت من عجائب الدنيا في زمانها.. ولا تزال، عملت على تخطي كل تلك الحواجز والعوائق بفضل عزمها ومثابرتها وجدها واجتهادها الدائب المتواصل.. بل والمتنامي في الكفاح!!
ولكن كل هذا الإطراء سيكون ناقصاً إذا نحن أغفلنا أهمية "التدريب والتطوير".. حيث لا يمكن أن ننسى او أن نتناسى الدور الفاعل والجوهري الذي قامت به معلمتها الفاذة آن سوليفـَن، وبالطبع دور أبويْ هيلين؛.. بذلك يكتمل مثلثٌ متساوي الأضلاع ساهم كل ضلع منه في تحقيق المعجزة: هيلين، وأبواها، ومعلمتها.
ولدت هيلين كيلر في مدينة بمدينة توسكامبيا بشمال ولاية ألاباما (واحدة من الولايات الجنوبية في الولايات المتحدة الأمريكية)، قبيل مطلع القرن العشرين (كان مولدها في 27 من يونية، عام 1880م).. في عائلة جاءت جذورها من أصول سويسرية،.. وكانت قد قدمت الى امريكا قبل الحرب الأهلية الأمريكية!.
لقثد كان الثالوث المشار اليه اعلاه متماسك الجوانب في شكل صلد، وفي تركيبة قوية، ومضمون ثابت.. ساهمت جوانبه الثلاثة في تخلق وتخليق شخصية وعظمة هيلين كيلر بحيث أصبحت احدى عجائب الوجود. وإن كان لنا من ترجيح هنا، فإني أجد نفسي أرجح كفة المعلمة السيدة آن سوليفـَن، السيدة الفاضلة التي رافقتها في مراحل عمرها الحساسة، من طفلة مشاكسة وشبه منغلقة، الى يافعة متعلمة، الى شابة مثقفة، الى سيدة ناضجة موفورة العطاء. فأصبحت هيلين رمز الأمل و قدوة لا مثيل لها ليس فقط لبقية المعاقين.. بل ونبراساً لعموم "الأسوياء" وغير الأسوياء في البشرية جمعاء!.
نشأت هيلين وحيدة أبويها نشأةً جمعت بين المودة والحنو- من ناحية، والعمل الدؤوب من ناحية أخرى؛ ولم يتوان والداها (توفي والدها وهي في سن السادسة عشرة) ولم يأليا جهداً في المحاولات المستمرة المضنية لتمكينها من تخطي الحواجز الواحد تلو الأخر، لتمكينها من العلم والتعلم والنشأة الأقرب الى "السوية" كإنسانة وأيضاً كمواطنة متكاملة النمو، طبيعية المنوال رغم صعوبات ومحددات طبيعة الحال. ولقد حرص أبواها كل الحرص على العمل على تمكينها من "القراءة" و"الكتابة"، و"الاستماع"،.. في كل بمعنى!.
ولقد كان من العجيب، وبالتأكيد من خارج المعتاد بشرياً، ان تلك الفتاة العمياء، الصماء، البكماء.. دأبت على تحسس الحياة بمختلف مناحيها وأبعادها: لمساً، وسماعاً، وتذوقاً.. وتعايشاً كاملاً.. اكثر بكثير مما يتحقق عند الواحد منا المحسوبين على "الأسوياء"!.
و بينما يصعب اختيار "العنصر الواحد" والأساسي الذي سبب تكوين المعجزة هيلين كيلر، فإني أودُّ التركيز على دور المعلمة السيدة آن مانزفيلد سوليفن.. التي صاحبت هيلين في سني تنشئتها منذ أن كانت في سنها السابعة. كما اسهم المخترع الكبير "اليكزندر هاملتُن بيل" المتصلة شهرته باختراع الهاتف، بعدة مشورات مباشرة واسهامات غير مباشرة.. مثل التوصية ببرنامج في معهد هنا او بمدرس هناك!.
ورغم الصعوبات الجمة في تعلم أي شيء في حياة هيلين الا أن والديها لم يكتفيا بما يسمى "محو الامية"، وتعليم القراءة والكتابة؛ بل واصلا الاهتمام الحثيث والمتوسع والعميق بما شمل كافة ما يمكن من مواد دراسية في مختلف العلوم والرياضيات والآداب، حتى أن هيلين درست مختلف المواد بما في ذلك شيكسبير وغيره؛ بل وحتى في الفنون الجميلة بما شمل الموسيقى.. دراسة وحضوراً واستماعاً.. واستمتاعاً!.
كانت بدايات التعليم والتعلم، بقيام المعلمة السيدة الفاضلة "آن سوليفن" بتدريب هيلين على "نطق" الحروف والكلمات.. وذلك بـ"هجائها" بأطراف أصابعها على يد (يديْ) الطفلة هيلين.
وفي البدايات استخدمت المعلمة آن كل ما أمكن وتوافر من "وسائل" متاحة في البيئة المحيطة؛ فمثلاً، عند تعليم كلمة "ماء"، قامت المعلمة بـ"تهجئة" الكلمة على إحدى يديْ الطفلة هيلين..بينما كانت تصب الماء على اليد الأخرى.. بهدوء وبطء في البداية.. ثم بعد ذلك في إيقاع متسارع.. لتلمس هيلين الماء المنعش على يد.. وتتحسس حروف م. ا.ء. في اليد الأخرى. اثم شرعت هيلين -مثل بقية الدارسين العاديين المعاقين بصرياًُ، باستعمال وسيلة وطريقة "بريل" في الكتابة /الطباعة!.
وفي سنوات يفوعها، انضمت الى مدرسة كامبريج للتحضير للتقدم للقبول الى جامعة هارفرد!.. فأخذت دروساً في اللغة والتاريخ وأيضاً الألمانية واللاتينية والأدب الانكليزي، مع دروس متقدمة في الانشاء باللاتينية، وكذلك في الحساب).
اعترفت هيلين بأن "الرياضيات" لم تكن ضمن نطاقات قواها. وفيما بعد درَست مستويين آخرين في الالمانية والفرنسية واليونانية والتاريخ الروماني.. ونجحت فيها كلها بمستويات مرموقة، مع منزلة الشرف في الألمانية والانكليزية.
و تمكنت هيلين ايضاً من التمكن من الخوض في بحور "الإلياذة" وقصة "تروي" الاغريقيـّتين مع الاستمتاع بهما!.
وإن من عجب، فها هي هيلين تقول: "قرأت اول قصة متكاملة في مايو 1887م، حينما كنت في السن السابعة، و منذها الى الآن 1902م) قمتُ بالتهام كل شي في شكله المكتوب وصل الى متناول يدي والى ملمس أصابعي؛... لم ادرس بتواصل معتاد خلال سنوات عمري الدراسية الأولى، بل ولم أقرأ بناءً على قواعد معينة". (لعلها تقصد الطرائق المألوفة)!.
كـُتب العديد من الكتب في انحاء العالم عن الاعجوبة هيلين كيلر، وقامت هي بالقاء المحاضرات العامة في انحاء الولايات المتحدة وفي خارجها؛ وزارت مصر في اواسط القرن العشرين، وعمدت الى مقابلة المرحوم الدكتور طه حسين، نبراس أمتنا ورفيق هيلين في مكافحة إعاقة البصر وفي النبوغ!.
كما قامت بكتابة كتاب يوجز قصة حياتها، في 23 فصلاً و 152 صفحة، بعنوان قصة حياتي، في 1902م، ونشر في أنحاء العالم في العديد من اللغات، وأعيد طبعه في عدة طبعات، كانت منها الطبعة التي قرأتها، في سنة 1980م من نشر دار "ووترميل"، في مدينة "ماهواه" في ولاية نيوجرزي، وكان اهداؤها للمخترع العظيم ألكزندَر هاميلتـُن بيل.
ما اود أن اختم به هنا هو إشارة هيلين الى دور المحبة.. في قولها: "المعرفة هي الحب والنور والرؤية"؛ كما أن من العبارات الخالدة التي تذكرتها عن معلمتها الملهَمة الملهِمة استعمالها مرة كلمة "الحب" في عبارة: "I love Helen"
بعد ان كانت قد فهمت الكلمة وأحست بها حينما تلقتها من أبويها!
* عميد سابق في جامعة البترول