رينيه ماريا ريلكه.. رسائل إلى رفيقة في السفر

د. هاشم صالح قرأها 15
  

«لكن، قل لي، من هم هؤلاء المسافرون... الذين لا يشبعون من السفر...»

مراثي الدوينو، المرثية الخامسة.

في شهر مايو من عام 1919 وبعد ان وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها تلقَّى "ريلكه" دعوة من بعض المعجبين في سويسرا لإلقاء قصائده هناك. وبقبوله لهذه الدعوة كان يجهل انه انخرط في رحلة طويلة الأمد وانه لن يضع رجله بعد اليوم في ألمانيا. كان قد أمضى سنوات الحرب الخمسة الطويلة في مدينة ميونيخ وهو يشعر بالجفاف الداخلي والعقم الأدبي. فلم يكتب شيئا طيلة تلك الفترة. فقط بعض الترجمات البسيطة هنا او هناك..


كان يشعر بأنه فارغ من الداخل وعاجز عن كتابة اي شيء. وبما انه ليس كالشعراء العرب الذين يتحفونك بأشعارهم حتى بعد ان يكون الشعر قد هجرهم منذ زمن طويل، فإنه لم يكتب شيئاً. كان ينتظر نهاية الحرب لكي يرى شيئا ما وسط هذا الضجيج. ثم جاءته دعوة سويسرا لكي تثير فيه الرغبة القديمة للسفر. وتذكر عندئذ انه كان مسافراً عريقا في كل أنحاء أوروبا، بل ووصل به السفر الى أفريقيا الشمالية ومصر بعد الأندلس وجنوب إسبانيا.

في الواقع ان ريلكه كان شخصا تائها، بلا منزل ثابت، ولا علائق او روابط. كان يعيش نوعاً من «الحرية الحرة» اي الحرية المطلقة التي تحدث عنها ذلك المجنون الآخر: آرثر رامبو. وهي الحالة الوحيدة المناسبة للكتابة الشعرية، وربما لكل كتابة.

وصل ريلكه الى محطة القطار مبكراً كعادته لكي يجد مقعداً مناسباً يطل على النافذة ويتيح له ان يرى المناظر الطبيعية ـ وهي خلابة ـ على طول الطريق. أكثر شيء كان يصعب على ريلكه هو ان يجد نفسه محصوراً بين شخصين في رحلة سفر! عندئذ كان يشعر بالاختناق، وربما بالهلع الشديد. لا. أفْضل شيء هو ان تكون حرَّاً داخل القطار وخارجه: أي جسدك في الداخل وعيناك وروحك كلها في الخارج.

وابتسم الحظ لريلكه فاذا بامرأة حسناء شابة تجيء لكي تجلس الى جانبه. لنتخيل، ولو للحظة، ان موظفاً كبيراً بكرشٍ كبيرٍ هو الذي جاء وجلس بدلاً من هذه المرأة.. ما الذي كان سيحصل؟ كان ريلكه سيتضايق حتماً وسيتنغَّص عيشُه طيلة الرحلة. وربما رمى نفسه من الباب او الشباك.

وفجأة تدخل امرأة مريضة وتقف في الممر الى جانبهما بعد ان امتلأ القطار بالبشر، فاذا بالشابة الحسناء، جارة ريلكه، تنهض مباشرة لكي تعطيها مكانها. للوهلة الاولى لم ينتبه الشاعر للأمر. ولكن عندما أدرك ما حصل اذا به يقفز هو الاخر من مكانه دفعة واحدة ويقترح مقعده للمريضة، ويعتذر لأنه تأخر في عرضه عليها.

واتفق ريلكه مع الشابة الحسناء على تبادل الجلوس في المقعد المتبقي. فعندما تكون هي جالسة يكون هو واقفاً، والعكس بالعكس.. ولحسن الحظ فإن هذه الحالة لم تطل، فقد وجدوا مقعداً للمريضة.. وهكذا عاد ريلكه للجلوس الى جانب جارته. وابتدأ الحوار الذي يحصل عادة بين مسافرين في رحلة طويلة.

قال لها ريلكه بأنه يشعر بالفرح والاثارة لامكانية السفر من جديد بعد ان جمَّدته الحرب طيلة خمس سنوات في ميونيخ. ثم انتقل الحديث من موضوع الى آخر حتى وصل الى الأدب. وقالت له المرأة بأنها تقرأ حاليا رواية «رومان رولان» التي ظهرت للتو. فأجابها ريلكه بأنه يعرف رومان رولان الذي كتب نصاً عام 1912 في اسبانيا. وفيه وردت هذه العبارة المهمة التي تتحدث عن «الأحاسيس القصوى للوجود»: اي عن الحالات الحديّة المتطرفة، التي لا يعرفها الا «المجانين» تقريباً.

ثم تشعَّب الحديث وطال دون ان ترد فيه كلمة واحدة عن أعمال ريلكه. والواقع انه كان يشعر بالمتعة الداخلية لأنها لا تعرف من هو، لانه شخص مجهول بالنسبة لها، شخص عادي كبقية الاشخاص الذين يمكن ان نلتقيهم صدفة في السفر. ولكن فجأة راح يطرح عليها هذا السؤال:

ـ هل تهتمين بالشعر يا سيدتي؟

فأجابته بعد تردُّد وتلعثم: أهتم «بأصدقائي» القدامى من أمثال غوته و«موريكه»، وهو شاعر مشهور في المانيا، ولكن غير معروف كثيراً في الخارج. واما من المحدثين فلا يعجبني الا رينيه ماريا ريلكه!..

على المقعد اهتز ريلكه وانفعل، ولكن دون ان يكشف عن هويته حتى الآن. فهو يريد ان يظل مجهولاً بالنسبة لها لكي تظل المحادثة طبيعية، عفوية، على طول الخط. ثم لكي يعرف رأي الناس فيه بشكل حقيقي.

عندما اقترب القطار من الحدود السويسرية اخذ ريلكه يشعر بالقلق لأن الشرطة سوف تفحص أوراق المسافرين. وبما انه مشهور بهلعه الداخلي بسبب وبدون سبب، بما انه مسكون بشيء لا يستطيع ان يسيطر عليه تماماً، فإنه خاف من ان يكون جواز سفره ناقصاً او لاغياً مثلا. وبدا كل ذلك على وجهه وتغير..

عندئذ استدارت المرأة نحوه ونظرت اليه بنوع من الثقة والاستعلاء وقالت: عندما نصل الى الحدود اتبعني فقط، ولا تهتم.. ثم ذهبت لكي تأكل شيئاً في القطار تاركة ريلكه وراءها. وعندما عادت، او في طريق العودة، اعترضها شخص وسألها:

من اين تعرفين رينيه ماريا ريلكه؟ فأجابته مندهشة: ولكن لا اعرفه على الاطلاق! بحياتي لم أره..

فرد عليها الرجل: مستحيل. كنت جالسة معه طيلة الرحلة، وقد رأيتكما منخرطين في حديث طويل.. عندئذ فهمت المرأة من هو هذا الشخص الذي يجلس الى جانبها، فعادت  الى المقعد بسرعة البرق.  وعندئذ وجدته يستقبلها واقفاً والابتسامةعلى وجهه بعد ان شعر بأن أمره قد انفضح وانفجرا بالضحك معاً.

هذه هي باختصار قصة الرسائل الموجهة الى رفيقة في السفر. وقد ترجمها الفرنسيون مؤخراً ونشروها لأول مرة. وقدم لها الناقد «مارك بيتي» بدراسة ممتعة تحت عنوان: «شاعرية اللقاء». وهل هناك اجمل من لقاء الصدفة، اللقاء غير المتوقع؟ أليس هو الشعر بعينه؟ ما أجمل اللقيا بلا ميعاد؟

كان ريلكه، مثل هولدرلين، يسكن العالم شعرياً. كان يحوّل كل شيء الى شعر، الى لحظة متوترة، كثيفة. هل كان يحلم بعلاقة جنسية او غرامية مع تلك المرأة؟ أم بعلاقة عاطفية روحية فقط؟ أم بالكل دفعة واحدة؟ أم باللاشئ؟ لا يهّم.. المهم انه كان يحلم بعلاقة حرة تصل الى حد «اللاعلاقة» اذا جاز التعبير، علاقة قائمة على الدهشة والمفاجأة، علاقة قادرة على ان تخرجه من نثرية العالم. والواقع ان العلاقة انتهت بعد وصول القطار الى محطته الأخيرة. او قل انها استمرت بعد ذلك لفترة قصيرة وبشكل روحاني خالص، ثم توقفت نهائياً. ولم يبق منها الا تلك الرسائل التي تبادلاها عن بعد، وربما كان هذا كل ما يطلبه ريلكه. كان يريد ان يظل نقطة صغيرة او حتى فاصلة عابرة في حياة تلك المرأة المجهولة التي لن يراها بعد الآن أبداً. فقط الرسائل سوف تكون صلة الوصل بينه وبينها. انها علاقة ليست بحاجة الى مصالح جنسية صغيرة لكي تصبح علاقة. وليست بحاجة حتى الى لقاء آخر.. إلا على الصفحات البيضاء...

فهذه هي الحالة الشعرية ايضا. الشعر لا يزدهر الا بالفراق. بحياته الوصالُ لم ينتج شعراً له معنى. انظروا الى ابن زيدون: أضحى التنائي بديلا عن تدانينا.. أو تلك الأبيات الأربعة القاتلة من روعتها: ودع الصبر محب ودعك..

لقد كانت تلك المرأة إشراقة خاطفة او لمعة في حياة شاعر ضخم لم يعرف منذ طفولته الا الكوابيس السوداء والدهاليز الداخلية. وهذا يكفي. شكراً له اذن. ينبغي عدم تعقيد العلاقة اكثر من ذلك او تطويرها، ينبغي تحويلها الى «لا علاقة»: اي الى ذكرى منسية، الى قصيدة.. كل العلاقات تتحول يوما ما الى لاعلاقات: تتفكَّك، تنحلّ، تذوب، ولا يبقى منها إلا بقايا في أعماق القلب المهجور. تبقى ندوب، جراحات غائرة، وأطلال..

الشاعر، بهذا المعنى، هو اكبر «انتهازي» على وجه الأرض. انه يحول كل شيء الى شعر، او قل انه ينتهز كل فرصة، يستثمر كل حادثة من أجل توظيفها كوقود للقصيدة الشعرية.

يقول «مارك بيتي» في المقدمة العامة للكتاب بما معناه: الشاعر بحاجة الى مُعاش، وتكدّسات المعاش. ثم يتخمر هذا المعاش ويتكثف في أعماق الذاكرة، او أعماق اللاوعي. وبعدئذ، وكأنما بقدرة قادر، ينفجر فجأة على هيئة قصيدة. لهذا السبب تبدو لنا القصيدة وكأنها معجزة عندما تحصل، عندما يقذف بها الشاعر على الورق، وتنجح. القصيدة بهذا المعنى حظ نادر، انها غلطة، او فلتة لا يجود بها الزمان الا قليلا.

انها عبارة عن تفاعلات كيميائية تصهر الحياة المعاشة والذكريات عن طريق النسيان، ثم تحولها فيما بعد الى حقيقة شعرية في لحظة ما لا نعرف متى تحصل. بهذا المعنى فليس الشاعر هو الذي يكتب القصيدة، وانما هي التي تكتب نفسها من خلاله، او تملي نفسها عليه. الشاعر عبد ذليل أمام القصيدة. وعندما تجيء لحظة المخاض او الولادة تكاد تزهق روحه، ثم ينتشي ، يرتفع الى أعلى عليين.. لقد حصلت المعجزة.

وبالتالي فأول شيء ينبغي ان يحسنه الشاعر هو: الهضم والنسيان. الشاعر بالوعة او إسفنجة او أي شئ اخر من هذا القبيل.. الشاعر ينبغي ان يهضم كل العلاقات والذكريات، ويسحقها ويصهرها من خلال هذه التفاعلات الكيميائية. وبعدئذ ما عليه الا ان ينتظر لكي تجيء القصيدة، او لا تجيء..

وهذا الكلام ليس الا ترجمة شبه حرفية لما يقوله ريلكه نفسه في مقطع شهير من كتابه الذي يشبه السيرة الذاتية «دفاتر مالت لوريدز بريج»: «لكي تكتب بيتاً واحداً من الشعر ينبغي ان تكون قد رأيت مدنا عديدة، وبشراً عديدين وأشياء لا تحصى ولا تعد. وينبغي ان تعرف حتى الحيوانات. ينبغي ان تكون قد عرفت كيف تطير العصافير، وكيف تتفتح الأزهار في الساعات الأولى من الفجر. ينبغي ان تستطيع التفكير او إعادة التفكير بدروب في مناطق مجهولة، وبلقاءات غير متوقعة، وبرحيل كنا نراه يقترب منذ زمن طويل. ينبغي ان تستطيع التفكير بأيام الطفولة التي لم تتوضح مجاهيلها بعد.. ينبغي ان تستطيع التفكير بصباحات على شاطئ البحر، بل وبالبحر نفسه، بالبحار، بليالي السفر التي ترتعش عالياً جداً والتي تطير مع كل النجوم. ولكن لا يكفي ان تفكر في كل ذلك او تتذكره، وانما ينبغي ان تتجمع لديك ذكريات كثيرة عن ليالي حب مختلفة.. وينبغي ان تعرف كيف يحتضر الموتى وان تجلس الى جانبهم لكي تعرف كيف يموتون، وينبغي ان تكون النافذة مفتوحة مع الضجة التي تجيء من الخارج، من بعيد.. بل ولا يكفي ان تكون لك ذكريات. وانما ينبغي ان تعرف كيف تنساها عندما تكون عديدة. ينبغي ان تكون مقدرتك على الصبر كبيرة لكي تنتظر عودتها بعد نسيانها. وذلك لأن الذكريات لا معنى لها الا بعد ان تنصهر فينا، بعد ان تختلط بدمائنا وعروقنا. وعندما لا يعود لها اسم ولا هوية، عندما تصبح منصهرة فينا انصهاراً كاملاً، عندئذ، وعندئذ فقط، يمكنك ان تكتب الكلمة الاولى من بيت الشعر..».

هذا الكلام يذكرنا بالطبع بكلام ابي تمام، او ابي نواس عندما جاءه شاب يريد ان يصبح شاعرا وطلب نصيحته فقال له: احفظ مائة الف بيت من الشعر، ثم انسها، وبعدئذ اكتب الشعر.. (اقول ذلك وانا انقل من الذاكرة البعيدة)..

النسيان اذن عملية أساسية: انه يعني الهضم، فالتمثل، فالاستيعاب. الشخص الحفَّّاظ الذي لا يستطيع ان ينسى لا يمكن ان يكون مبدعاً. قد يصبح أكاديميا كبيراً، او استاذاً جامعياً خطيراً، ولكنه لا يمكن ان يكون شاعراً عبقرياً. العبقري هو شخص يسحق الأشياء في داخله سحقاً ويحوّل حتى المعادن الرديئة الى ذهب. والقصيدة ماهي الا حصيلة لتلك التفاعلات الكيميائية المعقدة التي لا يعرف الا الله  مداها  وأبعادها.

لكن لنستمع الى بعض المقاطع من شعر ريلكه الذي يعلو على كل ترجمة أيا تكن:

ـ 1 ـ

أحيانا،

في جوف الليل،

يحصل ان تستيقظ الريح كطفل،

ثم تنزل وحدها على طول الممر بخطى رشيقة،

حتى تصل الى القرية

ثم تتقدم الريح

او تتعثر

حتى تصل الى المستنقع

وهناك تقف

لكي تصغي الى ما حولها

دائر ما اندار:

البيوت كلها شاحبة، وأشجار السنديان خرساء.

...

ـ 2 ـ

آه، منحلاًّ في الريح

كم من العودات الفارغة!

أكثر من شيء يقذفنا، لاحقاً، عندما نكون قد عَبَرنا، ويفتح ذراعيه هلعاً.

ذلك انه لا عودة في الاتجاه المعاكس..

 كل شيء يجرفنا، والبيت المفتوح في ساعة متأخرة، يظل فارغاً.

...

ـ 3 ـ

النَفَثْ العتيق للبحر

يا نسمات البحر الليلية،

انتِ لا تجيئني لأجل أحد، لأجل ذلك الذي يسهر، لكي يرى كيف يتلقاك..

يا نسمات البحر العتيقة، التي يقال بأنها لا تهبّ الا للعنصر الأول، منفجرة، من بعيد، من ذلك الفضاء الأبيض اللانهائي..

آه، كم تحملين معك رائحة شجرة التين المليئة بالنسغ،

هناك في الأعالي،

تحت ضوء القمر

...

* الكتاب: رسائل إلى رفيقة في السفر Lettres a une Compagne de Voyage

* المؤلف: رينيه ماريا ريلكه Rainer Maria Rilke

* منشورات باريس: Paris