بودلير أمام محاكم باريس: الشعر والنور الوهاج...

د. هاشم صالح قرأها 8
  

كان يحدث عندهم كما يحدث عندنا الآن من ملاحقات للابداع والمبدعين. بمناسبة مرور مائة وخمسين سنة على ظهور أشهر ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي.

ftjdyjdryjdryj666666666666usr6us6.JPG

مضى العهد الذي كان فيه كتْاب فرنسا وعموم أوروبا يقدَّمون الى المحاكم، كما يحصل الآن في مصر مثلا أو في انحاء شتى من العالم العربي والاسلامي. فحرية التعبير والنشر أصبحت مضمونة في المجتمعات التقدمية المليئة بالحريات. ولكن يكفي ان نعود في الزمن قليلا الى الوراء لكي نجد ان الوضع عندهم كان يشبه الوضع عندنا حالياً. قلت قليلاً وكان ينبغي ان أقول كثيراً: أي قرناً ونصف القرن، فهذه هي مسافة التفاوت التاريخي بيننا وبينهم. فرواية فلوبير الشهيرة «مدام بوفاري» قُدِّمت الى المحاكمة قبل ديوان بودلير «أزهار الشر» بشهور معدودة. ولم ينجُ الروائي الفرنسي الكبير من العقوبة الا بعد تدخُّل الأميرة «ماتيلد» أخت الامبراطور نابليون الثالث. ولكن حظ بودلير كان أقل لأنه لم يستطع ان يجد شخصيات كبرى تحميه، فدفع الثمن. في الواقع ان بودلير كان يعرف انه خرج على الخط المألوف وانتهك المحرمات الاجتماعية والدينية في هذا الكتاب. والدليل على ذلك انه تردّد في نشره سنوات طويلة. فهو ثمرة خمسة عشر عاماً من الكتابة الشعرية المضنية والمتواصلة. انه حصيلة عمره في الواقع. فهو لم ينشر ديواناً آخر غيره باستثناء قصائد نثر صغيرة.

وبعد ان نشره عام 1857، أي قبل قرن ونصف القرن من الآن بالضبط، تردّد في إرسال نسخة منه الى أمه خوفاً من ردود فعلها. فقد كان يعرف انها بورجوازية محافظة أو كاثوليكية متدينة ولا تقبل بالخروج على الخط العام أبداً. كان يهمّها جداً احترام المجتمع لها ورضى كاهن الكنيسة عنها، وكان هذا الكاهن يعتبر ابنها بمثابة الشيطان، لا أكثر ولا أقل..

ولكن بودلير كان يعرف انها ستسمع عاجلا أو آجلا بظهور ديوانه، وبالتالي فلم يكن له مفر من استباق الأمور وإرسال نسخة لها على مضض. ثم أرفق النسخة برسالة تبريرية جاء فيها: «انتِ تعلمين اني أعتبر الأدب والفن شيئاً، والأخلاق شيئاً آخر ولا علاقة بينهما، وبالتالي فيكفيني كشاعر جمال التصميم والأسلوب. ان عنوان هذا الكتاب «أزهار الشر» يلخص كل شيء. انه مكسو بجمال كثيب وبارد. وقد كتب في جو من الهيجان المسعور والصبر الطويل. وهو يضع الناس، اذا ما قرأوه في نوع من الهيجان المسعور أيضاً". ثم يعطيها بعض النصائح لكيلا تظهر الكتاب أمام جيرانها البورجوازيين المليئين بالأحكام المسبقة والامتثالية الاجتماعية. ولكنه سمح لها بأن تُظهر الكتاب أمام الخوري قائلا: «اما فيما يخص الخوري الذي أعرف انك تستقبلينه في بيتك، فبامكانك ان تُريه الكتاب. سوف يعتقد حتماً بأني شخص ملعون ومُدان دينياً، ولكنه لن يجرؤ على أن يقول لك ذلك..». ثم يختتم رسالته قائلاً: «هناك إشاعات مبثوثة تقول بأني سوف ألاحَق بسبب هذا الديوان. ولكن هذه أوهام لا أساس لها من الصحة. فالحكومة المشغولة الآن بانتخابات باريس الهامة جداً لن يكون لديها الوقت الكافي لكي تلاحق شخصاً مجنونا مثلي..».

في الواقع ان بودلير كان هو الواهم، فالإشاعات كانت صحيحة ومحاكمته أصبحت على الأبواب! والحكومة الرجعية لنابليون الثالث لديها أكثر من الوقت الكافي للاهتمام به وتصحيح اعوجاجه.. وقد ابتدأت المعركة كالعادة بالحملة الصحافية ضده وضد كتابه (هذا ما يحصل في مصر أيضاً. فالحملات الصحافية تسبق المحاكمات..). ففي جريدة «الفيغارو»، أعرق الجرائد الفرنسية والتي لاتزال تظهر حتى الان، كتب أحد النقاد يقول: «اذا كان مسموحا لشاعر في العشرين من عمره ان يعالج مثل هذه الموضوعات الخلاعية والمهرطقة، فإنه لا يحق لشخص تجاوز الثلاثين ان يطلع علينا بمثل هذه الحماقات..». من المعلوم ان بودلير كان في السادسة والثلاثين عندما أصدر ديوانه. ولم يدينوا الديوان كله، وانما فقط القصائد التي تتعرض لموضوعات دينية مسيحية أو لموضوعات جنسية، وهي لا تتجاوز الخمس أو ست قصائد في الديوان كله. وفي جريدة بروكسيل قال أحدهم: «ان مدام بوفاري»، تلك الرواية الشائنة، تعتبر بمثابة كتاب مليء بالتقوى بالقياس الى ديوان هذا الشخص الخليع المدعو شارل بودلير!..». ثم وصل تقرير سري الى الادارة العامة للأمن العام (أي وزارة الداخلية والمخابرات بلغتنا المعاصرة) يقول: ان «أزهار الشر» تشكل تحديا للقوانين الفرنسية التي تحمي الدين والأخلاق.

هكذا انطلقت الحملة من كل الجهات وأصبحت الأعاصير والعواصف تحوم حول رأس بودلير. فكتب رسالة مستعجلة الى ناشره ينصحه فيها بأن يخبئ جميع النسخ بأقصى سرعة ممكنة، ويلومه لأنه أرسل نسخة الى جريدة «الفيغارو» لكي تتحدث عنه!. والواقع ان أصدقاء بودلير الخلّص كانوا قد نزلوا الى السوق وجمعوا كل النسخ لكيلا يشتريها أحد. ولكن الديوان راح يباع عندئذ في السوق السوداء وبأسعار مضاعفة. وهذا ما يحصل عادة لمعظم الكتب التي تمنع أو تلاحق رسمياً أو تثار ضجة كبيرة حولها. وعندما شعر بودلير ان الأرض أخذت تهتز من تحت قدميه شعر بالهلع والجزع وكتب رسالة يستشفع فيها رئيس الوزراء: «يا سيدي، اني لا أشعر أبدا بأني مذنب. على العكس، فإني فخور جداً لأني ألفت كتابا تُشْتَمّ منه رائحة الخوف الشديد من الشر. وبما انك حامي حمى الآداب والفنون، فأرجوك يا سيدي أن تخلع عليّ حمايتك..»، لكن بالطبع لم يوْلِ رئيس الوزراء أي اهتمام لمشكلته، وأحال الأمور كلها إلى وزارتي الداخلية والعدل.

ولكن ماذا كان موقف المثقفين من هذه الورطة التي وقع فيها بودلير؟، هل تضامنوا معه، أم تخلّوا عنه وتركوه يدبّر أمره بنفسه؟.. لقد انقسموا إلى فرق وشِيَع كما هي العادة دائماً، فهناك دائماً أولئك الذين يداهنون السلطة ويخشون مخالفتها ولو بشكل بسيط.. وهؤلاء لا يرجى منهم خير كثير. وهناك المثقفون الكبار الذين يتمتعون باستقلالية ذاتية ولهم كلمتهم وهيبتهم عند الجمهور. من بين هؤلاء فيكتور هيغو و فلوبير نفسه. يقول له فيكتور هيغو في رسالة بعثها إليه من منفاه الذي أجبره عليه نظام نابليون الثالث: «إن «أزهار شرك» تشعّ على العالم كالنجوم.. استمرْ على ما أنت عليه.. إني أصرخ «برافو» لك بكل قوة.. إني معجب بروحك الوثابة الجريئة. لا يمكن للنظام الحالي أن يقدم لك وساماً أفضل من هذا الوسام.. إن إدانته شرفٌ لك.. لقد أدانتك عدالته باسم ما يدعوه بالأخلاق، وإدانته هذه تاج يوضع على رأسك. أشدّ على يديك بكل قوة، أيها الشاعر!».

هنا تتجلّى عظمة فيكتور هيغو. فبدلاً من أن يشعر بالحسد أو الغيرة تجاه شاعر جديد صاعد في الساحة قد ينافسه ويحلّ محله، نجده يتضامن معه بكل قوة ويشد على يديه. ينبغي القول بأن هيغو كان آنذاك في أوج مجده، وبودلير لا يزال في بداية طريقه الطويل إلى الشهرة والمجد. وهي شهرة لن يستمتع بها حقيقة إلا بعد موته. لكن هل كان فيكتور هيغو يعرف أن هذا الشاعر الشاب الذي يعتبر بعمر أولاده، سوف ينتصر عليه لاحقاً أمام محكمة الشعر؟ هل كان يعرف انه سيبزّه شعرياً ويتفوق عليه؟ أشك في ذلك كل الشك. لكن على الرغم من هذا، فإننا لا نملك إلا أن نعجب بموقف شخص كبير كفيكتور هيغو. وأما فلوبير الذي كان قد ذاق طعم الملاحقات وخرج للتو منها، فكتب له رسالة تضامن يقول فيها: «ضعني في صورة الأحداث، إذا كان ذلك لا يزعجك كثيراً. إني أتابع قضيتك وكأنها قضيتي الشخصية. هذه الملاحقة لا معنى لها، إنها تثير غضبي واستفزازي، إنهم يتهمونك بالمسّ بالمقدسات والأخلاق.. يا له من جهل!».. وأما الناقد الكبير «سانت بيف»، الذي كان بمثابة أستاذ لبودلير وجيله، فإنه قدم له بعض النصائح لكي يوصلها لمحاميه من أجل المرافعة والدفاع، ومن بين هذه النصائح هو أن الشعراء الذين سبقوه تناولوا كل الموضوعات النبيلة، وبالتالي فلم يتبقّ لبودلير إلا أن يتحدث عن موضوع الشر!، وهذا عذر أقبح من ذنب.. فسانت بيف يعتقد أن لامارتين احتكر شعرياً موضوع السّماء والأعالي. وأما فيكتور هيغو فاحتكر موضوع الأرض وما هو أكثر من الأرض. وأما الشاعر «لابراد» فتحدث عن موضوع الغابات حتى استنفده. وأما الفريد دوموسيه فاستنفد موضوع الحب والمتع والأهواء الجامحة. وأما شعراء آخرون فتحدثوا عن موضوع العائلة، والحياة الريفية.. إلخ. وأما الشاعر تيوفيل غوتييه، فركز اهتمامه على اسبانيا وألوانها الزاهية.. وبالتالي فماذا بقي لبودلير لكي يتحدث عنه؟ و "هل غادر الشعراء من متردم" كما يقول عنترة العبسي في مطلع معلقته الشهيرة؟ أليس مضطراً لاختراع موضوع جديد لكيلا يكرّر ما قاله أسلافه؟.. وبالتالي فهناك ظروف موضوعية تخفّف من جريمته.. ولا ينبغي على المحكمة أن تكون قاسية معه أكثر مما يجب. هذا هو مضمون كلمة سانت بيف التي على حذاقتها تدل على انه لم يفهم جيداً مشروع بودلير الشعري الذي كان أعمق وأعظم من ذلك بكثير. وبالتالي فاذا كان ناقد كبير كسانت بيف لم يفهمه فما بالك بالآخرين؟ لكن كل ذلك لم يشفع لشاعرنا الصاعد في نهاية المطاف. ففي تاريخ 20 أغسطس (آب) من عام 1857، قُدم شارل بودلير الى محكمة الجُنَح في قصر العدل بباريس.. وهي نفس المحكمة التي استقبلت قبله الزعران، واللصوص، والسكّيرين، والقوّادين، والعاهرات.. وهكذا عومل أكبر شاعر في تاريخ فرنسا وكأنه لص أو مجرم!.. لكن لحسن حظ بودلير فإن الاتهام ركز على «طبيعته النفسية القلقة وغير المتوازنة»، الشيء الذي أدى إلى تخفيف فداحة الحكم ضده، فلا أحد يعاقب المجانين... وأما محامي الدفاع فركز على الأطروحة القائلة بأن «التحدث عن الشر لا يعني الموافقة الإجرامية عليه أو التعاطف معه». فبودلير يريد تشريح الشر والكشف عن تجلياته ومظاهره لكي يتحاشاه الناس لا لكي يتبعوه..معاذ الله. وهناك كتّاب كبار قبله تحدثوا عن موضوعات لاأخلاقية دون أن يقدَّموا للمحاكمة، نذكر من بينهم: فولتير، جان جاك روسو، بلزاك، لامارتين، جورج صاند، الفريد دوموسيه.. إلخ، فالأدب لا يستطيع أن يهمل مسألة الشر، وإهماله لها لا يعني أنها غير موجودة، أو سوف تختفي عن الأنظار، فهذا موقف يشبه دفن الرؤوس في الرمال كالنعامات. وبودلير أراد أن يواجه المسألة وجهاً لوجه، لا أن يشيح عنها البصر. فالشر موجود في العالم شئنا أم أبينا، وأزهاره تتفتح كل يوم تحت سمعنا وأبصارنا، فلماذا نخادع الحقيقة والواقع؟ لماذا هذه المغالطة؟. انتهى كلام الدفاع. وفي النهاية حكم على بودلير بدفع ثلاثمائة فرنك فرنسي، وهو مبلغ ضخم بقيمة ذلك الزمان. وبما أنه مفلس كمعظم الكتّاب والشعراء، فإنه استأنف الحكم، وقبلوا بتخفيض المبلغ إلى خمسين فرنكا فقط!، كما وحكم على الناشر بدفع غرامة مالية تصل إلى مائة فرنك. وأمرت المحكمة كذلك بحذف القصائد المدانة، وهكذا نشر الديوان مبتوراً.. هذه هي قصة ديوان «أزهار الشر» الذي يعتبره الفرنسيون الآن مفخرة آدابهم. ولكن من كان يعلم آنذاك ان هذا الديوان سوف يصبح لاحقاً أشهر دواوين الشعر الفرنسي؟ ربما بودلير وحده كان يحس بذلك، ولكنه حتماً لم يكن يعرف حجم الضربة التي ضربها او الخرق الذي أحدثه في تاريخ الشعر الفرنسي بل وحتى العالمي. فهذه أشياء لا يمكن ان تفهم في وقتها، وانما يلزمها زمن طويل لكي تنضج وتتفتح. في الواقع ان الشيء الذي يجذب في قصائد بودلير ويصدم في ذات الوقت هو عنف الموضوعات المطروحة وغرابتها. فقصيدته مثلا التي تحمل عنوان «جيفة» مرعبة وتثير القرف والاشمئزاز في ذات الوقت. لماذا؟ لأنه يتحدث فيها عن امرأة جميلة ماتت وأنزلوها في القبر تحت الصفائح الثقيلة وراح الدود يقرض جسمها كما يقرض الاحساس بالذنب ضميرنا!..

انها قصيدة قوية جداً، ولكن سوداوية الى حد لا يوصف. وانا شخصياً شعرت بالقشعريرة والرعب عندما قرأتها لأول مرة. وأعترف بأني أتحاشاها عندما أمسك بديوان بودلير وكثيراً ما أمسك به. بالمقابل، وبشكل معاكس تماماً، هناك قصائد مشوقة ورائعة كقصيدة «نداء السفر» او «دعوة الى الرحيل». فهنا نلاحظ التناغم والانسجام سائدين في جو من الجمال المتناغم الأخّاذ. في الواقع أن الديوان كله من أوله الى آخره يقدم نفسه كاعترافات ذاتية لشخص مجنون يتأرجح باستمرار بين الفوق والتحت، بين القمة والحضيض، بين الظلمات والأنوار.. ولم يكن كتاب بودلير ديواناً مصمماً لكي يعجب الجمهور أبداً، وانما كان عبارة عن سيرة ذاتية لاهثة لشخص مريض نفسياً وجسدياً. ولكنها لشخص عبقري. ألم يدع ديوانه في بعض الاحيان بالأزهار المريضة؟ انه شخص مريض يطمح الى الجمال والسمو، ولكنه في ذات الوقت يجد نفسه متخبطاً في القبح والبشاعة، شخص يريد الخير وينصاع الى الشر، شخص يحتقر نفسه ويعبدها في آن معاً. انه منطو على نفسه ويرفض الاندماج في العالم. وهذه التعرية الفجّة للمهاوي السحيقة للذات الداخلية هي التي أرعبت معاصري بودلير وجعلتهم ينفرون منه و يرون فيه شخصا شيطانياً خطيراً. فقراءته تُشعرك وكأنك تشهد عملية جراحية للأحشاء الداخلية كما يقول «هنري ترويا» في تحليل ممتاز. والانسان لا يحب ان يرى ذاته معراة على حقيقتها بكل مهاويها ونواقصها،او بكل شرورها وسقوطها الى الدرك الاسفل أحيانا. الإنسان يحب تجميل ذاته، أو الكذب على نفسه وتشكيل عالم مثالي يختلف عن العالم الواقعي. وهذا ما يفعله الكثير من الأدباء والشعراء.أما بودلير فقد اراد ان يعبر عن الواقع كما هو بكل بشاعته ورعبه، الشيء الذي أزعج معاصريه أيما إزعاج. ولكن فوق كل هذا الدم النازف او القيح والصديد، كم هو سام ورائع ذلك النور الوهاج؟!