تودوروف وروح التنوير

د. هاشم صالح قرأها 12
 

شغل الفيلسوف الفرنسي ذو الأصل البلغاري تزفيتان تودوروف الساحة الثقافية الفرنسية طيلة العام المنصرم. فقد كان88888888888e456u7s46usuye56uye5y5.JPG المشرف العام على المعرض الكبير الذي نظمته المكتبة الوطنية في باريس عن موضوع التنوير على مدار ثلاثة اشهر متواصلة. وقد حظي المعرض بتغطية إعلامية كبيرة في الصحف والمجلات الفرنسية وكرست له ملاحق ثقافية عديدة.

وتذكر الفرنسيون عندئذ عصرهم التنويري الكبير إبان القرن الثامن عشر وقالوا بان إرثه الثقافي لم يمت أبداً. على العكس فانه لا يزال حياً الآن أكثر من أي وقت مضى. لماذا؟ لأن الأصوليات المتعصبة لا تزال تسيطر على مناطق واسعة من العالم خارج حدود اوروبا الغربية وبالتالي فالتنوير الفكري لا يزال ضروريا لانقاذنا منها. نحن لا نزال بحاجة الى فولتير وديدرو وجان جاك روسو وكانط وسواهم من كبار الفلاسفة لمكافحة الطائفية والمذهبية والفهم الخاطئ للدين ورسالته السامية. فحركة التنوير العلمي والفلسفي هي التي أنقذت أوروبا من محاكم التفتيش التكفيرية والحروب الطائفية التي مزقتها على مدار القرون عندما كانت لا تزال أصولية متعصبة او إقطاعية متخلفة. ومعلوم ان أوروبا المسيحية كانت مقسومة آنذاك الى مذهبين أساسيين هما: المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني والمذهب الاصلاحي البروتستانتي الذي لا يعترف بالبابا ولا بالفاتيكان. وقد حصلت مجازر كبيرة بين الطرفين قبل ان تستنير أوروبا وتتحضر وتخرج من جهالاتها الظلامية. لقد حصلت مجازر مرعبة  وتهجير للسكان من مناطق بأسرها تماماً كما يحصل الآن للأسف الشديد في العراق بين ابناء الدين الواحد: أي السنة والشيعة. ويقال بان ألمانيا فقدت ثلث سكانها في القرن السابع عشر إبّان حرب الثلاثين عاماً الشهيرة التي اكتسحتها من شمالها الى جنوبها واكتسحت بلدانا أوروبية أخرى عديدة معها. عندئذ نهض المثقفون الأوروبيون وراحوا يتساءلون بينهم وبين أنفسهم: لماذا يحصل هذا وكل طرف يزعم بانه مسيحيي مؤمن؟ وكيف يمكن للإيمان ان يؤدي الى مثل هذه الأعمال الوحشية؟ لا بد ان هناك خللا في مكان ما. واكتشفوا ان الخطأ يكمن في طريقة فهم العقيدة والنصوص المقدسة. عندئذ راحوا يبحثون عن بلورة تفسير جديد للدين: أي تفسير عقلاني مستنير يكون يكون قادراً على مواجهة التفسير الظلامي الطائفي الراسخ الجذور منذ مئات السنين. هنا تكمن عظمة التنوير في رأي تودوروف. فالتيار العريض للتنوير لم يكن ملحداً على عكس ما نتوهم، وانما كان مؤمناً ولكن بشكل عقلاني محض على طريقة فولتير او كانط او جان جاك روسو. كان ايماناً متسامحاً يقبل الاختلاف في العقيدة والمذهب ولا يعتبره جريمة ما دامت النية صافية والعمل صالحاً.

على هذا النحو انتصر التيار العقلاني الليبرالي في المسيحية الاوروبية على التيار الأصولي الطائفي الذي يلعب على وتر العصبيات الضيقة ويشحن النفوس ضد بعضها البعض ويهدد وحدة المجتمع وتماسكه. وبعدئذ لم يعد أحد يذبح أحداً على الهوية كما كان يحصل سابقاً. ويرى تودوروف ان روح التنوير تكمن أساساً في المبدأ التالي: الجنس البشري واحد على الرغم من اختلاف أجناسه وأعراقه وطوائفه. ولا فضل لأحد على أحد إلا بالنزاهة الشخصية والعمل الصالح وخدمة المجتمع. اما ماذا تعتقد او لا تعتقد فهذه مسألة شخصية بينك وبين ربك ولا يحق لأحد ان يحاسبك عليها. وبالتالي فحرية

الضمير او المعتقد مضمونة فقط في المجتمعات التنويرية المتقدمة. ولذلك أقلعت حضارياً وسبقت غيرها بعد ان حلّت عقدها المزمنة او صفّت حساباتها التاريخية مع نفسها. مجتمعات ما قبل الحداثة هي وحدها المعقدة نفسياً او المشحونة طائفياً ومذهبياً. انظر الى ألمانيا المعاصرة بعد ان تحررت من كابوس الطائفية او المذهبية. من يعرف بان المستشار الذي وحدها كان ينتمي الى الأقلية الكاثوليكية؟ نقصد هيلموت كول الذي حكمها أطول فترة ممكنة. ومن يعرف ان مستشارها السابق شرودر كان بروتستانتياً وكذلك مستشارتها الحالية انجيلا ميركيل؟ لا أحد يهتم بهذه الأمور في ألمانيا الآن. كلهم وطنيون ألمان وكفى.ولكن قبل مائة سنة او مائتي سنة بالأحرى كان ذلك أمراً مستحيلاً وهذا دليل على ان التنوير مرّ من هنا. هذا دليل على ان لايبنتز وليسنغ وكانط وفيخته وهيغل وشيلنغ وعشرات غيرهم مرُّوا من هنا. دلوني على أمثالهم في العالم العربي لكي أقبل أيديهم، لكي أمشي وراءهم، لكي أهتدي بضوئهم. ولذلك يقول تودوروف بان عصر التنوير شكل قطيعة كبرى في تاريخ البشرية بالقياس الى كل العصور التي سبقته. ففي الماضي كان الانسان الكامل المتمتع بكافة الحقوق هو ذلك الشخص الذي ينتمي الى الأغلبية الطائفية او المذهبية في المجتمع. واما بدءاً من عصر التنوير او قل بعد انتصاره السياسي على أيدي الثورة الإنكليزية فالأميركية فالفرنسية فان الناس جميعاً أصبحوا سواسية. وهذا ما أتاح لشخص كليونيل جوسبان ان يحكم فرنسا طيلة خمس سنوات متواصلة في حين انه ينتمي الى أقلية مذهبية صغيرة جداً لا تتجاوز نسبتها اثنين في المائة من عدد السكان. وقل الأمر ذاته عن جون كندي الكاثوليكي الذي حكم أميركا البروتستانتية الخ.. وبالتالي فالمساواة في المواطنية حلّت محل التمييز الطائفي الذي كان سائداً سابقاً. وهنا ايضا تكمن قطيعة التنوير الكبرى. ولذلك فان تودوروف يعرِّف التنوير قائلاً بانه يعني ثلاثة أشياء: انتشار العقلانية العلمية في المجتمع على حساب الأصولية الدينية والعقلية الخرافية زائد سيادة دولة القانون والمؤسسات زائد احترام حقوق الانسان وكرامته أيّاً يكن أصله وفصله او عرقه وطائفته ومذهبه. فالجنس البشري واحد في نهاية المطاف وكل شخص له كرامته. وهناك مبدأ هام جداً لكبير فلاسفة التنوير كانط  يقول بما معناه: لا ينبغي اطلاقا ان نتعامل مع الانسان كأداة او كاجر كرسي وانما كغاية بحد ذاتها وككرامة.

وأخيراً يرى تودوروف ان بذور التنوير كانت موجودة في كل الحضارات ولكنها لم تتفتح وتنضج فعلاً إلا في الحضارة الأوروبية الحديثة. فقد وُجِدت بذور التنويرالاولى في الحضارة الهندية والصينية والعربية الإسلامية بالطبع. وكلنا يعلم حجم الدور الذي لعبته حضارة بغداد وقرطبة في تطوير العلوم والفلسفة العقلانية بل وتدشين النهضة الاوروبية الاولى.

ولكن للاسف الشديد لم يتح لهذه الحضارة الرائعة ان تصل الى نهاياتها كما حصل في اوروبا لاحقاً. ولم يستطع المفكرون العرب على الرغم من جرأتهم ان ينتصروا على التيار الاصولي المعادي للفلسفة او للعلوم الدخيلة كما يقول ابن قتيبة. اما فلاسفة فرنسا وألمانيا وإنكلترا وكل أوروبا فقد استطاعوا تحقيق هذه المعجزة وان بعد معارك طاحنة استغرقت كل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بل وحتى منتصف القرن العشرين. ويرى تودوروف ان المفكرين الأحرار في الإسلام قُمعوا بعنف بعد القرن العاشر الميلادي على الأقل في المشرق وذلك قبل ان تنتقل الفلسفة الى المغرب والأندلس لكي تقمع هناك أيضاً ولكن بعد قرنين من الزمن وبعد ان أنجبت فلاسفة كباراً ليس أقلهم ابن الطفيل وابن باجة وابن رشد. ولم تقم للفلسفة بعدئذ قائمة في أرض الإسلام طيلة عصور الإنحطاط، أي بشكل من الأشكال حتى اليوم. فتدريس الفلسفة محرم او ممنوع في بعض الدول العربية والإسلامية لانه يهدد الاعتقاد الديني بحسب رأي الجهلة والظلاميين المنغلقين عقلياً.

ولكن السؤال الذي نطرحه عليهم هو التالي: لماذا لم يكن يهدد الإيمان في عصر الكندي او الفارابي او أبي بكر الرازي او ابن سينا؟ ولماذا لم تقنعهم محاجّات ابن رشد الواردة بكل وضوح في كتابه الشهير: فصل المقال بين الحكمة والشريعة من الاتصال؟ لماذا قبل أسلافنا العظام بالمزاوجة بين الدين والفلسفة ولا نقبل نحن؟ وهل وصل بنا الانحطاط الى درجة اننا نرفض ما كان مقبولا قبل عشرة قرون؟

لايمكن للعراق ان يتجاوز محنته ولا للعالم العربي ككل ان لم نُحْدِث القطيعة الابستمولوجية الكبرى مع التأويل الظلامي والطائفي للدين ونحل محله التأويل المستنير والعقلاني. فهو وحده القادر على ان يجمع بين كل ابناء الوطن على أرضيته المنفتحة الواسعة. وهو التأويل الذي كانت بذوره موجودة عند فلاسفتنا الكبار ولكنه لم يتحقق كلياً الا على يد فلاسفة التنوير الاوروبي. فلا أحد يسمع عن حصول مشاكل طائفية او مذهبية في الدول الاوروبية المتقدمة. هذا شئ انتهى كلياً وأصبح في ذمة الماضي.الجميع أصبحوا "مواطنين درجة اولى" وعلى قدم المساواة. والواقع ان انفجار المكبوت السحيق في العراق او غير العراق لم يفاجئنا بل كنا نتوقعه ونخشاه منذ اكثر من عشرين سنة. وعندما كنا نتحدث عنه او نحاول التحذير منه في كتاباتنا او ترجماتنا كانوا يستخفون بكلامنا، هذا اذا لم يتهموننا باننا نخلق المشكلة من أساسها. كم كنت أجد الثقافة العربية سطحية آنذاك بل وغافلة عن القضايا الأساسية والمصيرية. وكم كنت أحزن لان أشباه المثقفين العرب يسيطرون عليها من كل النواحي تقريباً. اما الآن فقد تغيرت الصورة قليلاً او قل انها في طور التغير لحسن الحظ. فالتنويريون العرب أصبحوا يظهرون هنا او هناك في أرض المواطن والشتات. فالواقع ان الحاجة ام الاختراع كما يقال. وظهورهم يشعل الأمل في القلب كما ينبت العشب في الأرض البوار. وعليهم تعقد الآمال لتخليص الأمة من براثن الجهل وأخطبوط الانحطاط التاريخي المزمن والطويل.