عابرونَ في كلامٍ عابر

محمود درويش قرأها 6
 

أيها المارُّون بين الكلماتِ العابرةْ
احمُلوا أسماءَكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتِكم من وقتِنا

وأنصرفوا
وخذوا ما شئتمُ من زُرقةِ البحر ورملِ الذاكرةْ
و خذوا ما شئتمُ من صورٍ، كي تعرفوا
أنَّكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقفَ السماءْ

أيها المارُّون بين الكلماتِ العابرةْ
مِنكُمُ السَّيفُ .. ومِنَّا دَمُنا ..
مِنكُمُ الفولاذُ والنَّارُ .. ومَنَّا لحمنا ..
مِنكُمُ دبَّابةٌ أُخرى .. ومَنَّا حَجَرُ ..
مِنكُمُ قُنبُلةُ الغازِ .. ومِنَّا المَطَرُ ..
وعلينا ما عليكُمْ مِن سماءٍ وهواءْ
فخذوا حصَّتَكُمْ مِن دمنا ..

وانصرفوا
وادخُلوا حفلَ عشاءٍ راقصٍ ..

وانصرفوا
وعلينا ، نحنُ، أنْ نحرسَ وردَ الشُّهداءْ
و علينا ، نحنُ، أنْ نحيا

كما نحنُ نشاءْ

أيها المارُّونَ بين الكلمات العابرة
كالغُبار المُرِّ مُرُّوا أينما شِئْتُمْ

ولكن ..
لا تمرُّوا بيننا كالحشراتِ الطَّائرةْ
فلنا في أرضنا ما نعملُ
و لنا قمحٌ .. نُربِّيهِ .. ونسْقيهِ ندى أجسادِنا
ولنا ما ليس يُرضيكُمْ هنا
حجرٌ.. أو خِنجرُ
فخذوا الماضي، إذا شئْتُمْ، إلى سوقِ التُّحفْ
وأعيدوا الهيكلَ العظميَّ للهُدْهُدْ،

إذا شِئتُمْ، على صحنِ خزَفْ
لنا ما ليس يُرضيكُمْ ..

ولنا المُسْتقبلُ ..

ولنا في أرضنا ما نعملُ

أيها المارُّونَ بين الكلمات العابرةْ
كَدِّسوا أوهامَكُمْ في حُفرةٍ مهجورةٍ،

وانصرفوا
وأعيدوا عقربَ الوقت إلى شرعيَّة العَجْلِ المُقدَّسْ !

أو إلى توقيت موسيقى مُسدَّسْ
فلنا ما ليس يُرضيكُمْ هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم:

وطنٌ ينزُفْ .. وشعباً ينزُفُ ..
وطناً يصلحُ للنُّسْيانِ أو للذَّاكِرةْ
أيُّها المارُّونَ بين الكلماتِ العابرهْ

آنَ أنْ تنصرفوا
وتُقيموا .. أينما شئْتُمْ ..

ولكن ! لا تُقيموا يننا
آنَ أنْ تنصرفوا
ولْتموتوا .. أينما شِئْتُمْ ..

ولكن ! لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا مانعملُ ..
ولنا الماضي هنا
ولنا صوتُ الحياة الاوَّلُ ..
ولنا الزمنُ الحاضرُ والمستقبلُ ..
ولنا الدُّنيا هنا .. والآخرة !
فاخرجوا مِن أرضنا ..
مِن بَرِّنا .. مِن بحرِنا ..
مِن قمْحِنا .. مِن مِلْحِنا .. مِن جُرْحِنا ..
من كل شيء، أخرُجوا
من ذكرياتِ الذَّاكرةْ
أيها المارُّون بين الكلماتِ العابرة !..