جان جاك روسو: الإلهام يهبط على طريق فانسين

د. هاشم صالح قرأها 16
  

في شهر أكتوبر من عام 1749، كان هناك شخص يائس جداً ويمشي وحيداً على الطريق الفاصلة بين مدينة باريس وضاحية eges66666666666666sahygertgs.JPGجميلة تدعى «فانسين» حيث توجد الغابة الشهيرة وحيث أسكن مقابلها حالياً. كان ذاهباً لزيارة صديقه المعتقل في سجن هذه الضاحية منذ فترة قصيرة بسبب أفكاره الجريئة أكثر من اللزوم عن الدين. وهي أفكار صدمت الأصوليين او الاخوان المسيحيين الذين كانوا يسيطرون على فرنسا آنذاك بكل قوة وجبروت. وبما أنه لم يكن يمتلك أجرة عربة الخيول (نحن نقول الآن أجرة التاكسي)، فإنه كان يقطع تلك المسافة، مرة كل يومين، سيراً على الأقدام. ولكيلا يضجر فإنه اصطحب معه العدد الأخير من مجلة كانت تصدر في ذلك الزمان، وكان يقرأ فيها ويقلّب صفحاتها لكي ينسى طول الطريق. وفجأة تسمَّرت عيناه على إحدى الصفحات، حيث يوجد السؤال التالي الذي طرحته أكاديمية مدينة ديجون كمسابقة للعام 1750. يقول السؤال في صياغته المشهورة التي سجلتها كتب التاريخ: هل ازدهار العلوم والصناعات والفنون الذي نشهده في عصرنا الراهن ساهم في تهذيب الأخلاق أم إفسادها؟ بالطبع فان مجرد طرح السؤال بهذه الطريقة كان يمثل استفزازاً ما بعده استفزاز. فهل هناك من عاقل يشك في ان التقدم العلمي لا يؤدي الى تحسين الأخلاق وتهذيبها؟ سوف نجد فيما بعد ان الأمور أكثر تعقيداً مما نظن..

في ذلك الوقت كان الكتّاب الشباب يُقبلون بكثرة على هذا النوع من المسابقات، لكي ينالوا الجائزة ويشتهروا بها. لكن صاحبنا ما إن وقعت عيناه على السؤال، حتى أحسّ وكأن صاعقة ضربته وثبّتته في أرضه! ثم دارت الدنيا في رأسه وداخ قبل أن يسقط مغشياً عليه تحت شجرة.. وعندما استفاق وتلمَّس جسمه، أحسّ بأن قميصه أو صدره كله مبلَّل بالماء. وعرف بعدئذ أنه كان يسفح الدموع دون أن يشعر. كل ما شعر به، هو أنه بعد أن قرأ السؤال راح قلبه يخفق بشدة حتى ليكاد يخرج من صدره، وأحسّ بالاختناق، ثم فقد الوعي تماماً. لكن هناك أشياء أخرى رآها بين الوعي واللاوعي، رأى آلاف الأفكار والأنوار تنهمر عليه دفعة واحدة. وما كان ممكناً القبض عليها كلها قبل أن تتبخَّر وتهرب. إنها لحظة الخطف، لحظة الإشعاع والتوهج، لحظة اللحظات.. يقول بالحرف الواحد: «بدءاً من تلك اللحظة، رأيت كوناً جديدا لا يخطر على بال بشر، وأصبحت رجلاً آخر..». وبدءاً من تلك اللحظة أصبح هذا الشخص النكرة المجهول الذي لا قيمة له ولا وزن تلك الشخصية الشهيرة التي خلّدتها كتب الأدب والفلسفة تحت اسم: جان جاك روسو. لكن ما الذي حصل له لكي ينقلب رأساً على عقب أمام سؤال عادي كهذا؟ وهل يستحق السؤال كل هذا الهيجان الذي لا يكاد يصدق؟ في الواقع انه كان الانفجار الذي جاء بعد الاحتقان المزمن والطويل.

كان فيكتور هيغو يقول: تلك التفاهات التي كنت أكتبها قبل ولادتي.. المقصود ولادته الثانية بعد ان جاءته لحظة المخاض، لحظة الكشف والتجلي: أي بعد ان أصبح فيكتور هيغو فعلاً. ولكن هل كانت تلك اللحظة التي هبطت على روسو عبارة عن صدفة مطلقة يا ترى، عن مفاجأة بالكامل؟ ظاهرياً نعم ولكن باطنياً كانت الأشياء أكثر تعقيداً. في الواقع أنه كان قد حُضِّر لها منذ زمن طويل في أعماق أعماقه قبل أن تنفجر كقنبلة موقوتة. كانت الأشياء تعتمل في نفس روسو دون أن يشعر. كانت المخاضات الداخلية تفعل فعلها دون ان يعي.. وقد اعترف بذلك بعد سنوات طويلة عندما قال متحدثاً عن تلك اللحظة التي غيرت مجرى حياته:

«كنت ساخطاً على الدنيا، وذا روح متألمة ومعذَّبة بسبب الإهانات التي تعرضت لها في حياتي. وكذلك بسبب الإهانات التي تعرض لها آخرون ايضاً، وكنت شاهداً عليها. وكنت مصاباً بالاضطراب والبلوى كغيري من الناس بسبب تركيبة المجتمع الجائرة ومجرى الأشياء فيه. ولهذا السبب رحت أحتقر عصري ومعاصريّ»، لكنه نسي أن يقول بأنه كان يحتقر نفسه بالدرجة الأولى. في الواقع أنه لم ينس، وذلك لأنه يردف قائلا: «كنت ناقماً على نفسي وعلى الآخرين، فقلبي كان واقعاً في تناقض مستمر مع عقلي، وفجأة حصلت لي مفاجأة سعيدة وأضاءت لي سرّ هذا التناقض. فانحلّت عقدةٌ في نفسي وهدتني إلى ما ينبغي أن أفعله تجاه نفسي وتجاه الآخرين والمجتمع أيضاً»..

في الواقع ان روسو عندما جاءته اللحظة التي لا تعطي نفسها إلا للانبياء وكبار الفلاسفة، كان قد تقدم في العمر وأوشك على الأربعين دون أن يحقق شيئاً في حياته. ولم يكن أحد يتوقع له أي مستقبل. فمستقبله أصبح وراءه لا أمامه. من المعلوم انه قدم إلى العاصمة من الأقاليم البعيدة المحاذية لسويسرا بحثاً عن الشهرة، والمال، والوصول كغيره من شبان ذلك الزمان. وزحف على بطنه كما يزحف الآخرون، ونافق ومالق، وتقوَّس ظهره من كثرة ما انحنى للكبار والصغار، ولكن عبثاً.. فالحياة ترفض ان تبتسم له والحظ يرفض أن يفتح أبوابه. وبالتالي فالشخص الذي كان يمشي على طريق غابة فانسين في تلك اللحظة لم يكن ينتظر الكشف أو التجلّي، وإنما كان ينتظر الخلاص! فقد كان منهكاً، فاشلاً، تراوده فكرة الانتحار كحل أخير. كان ناقماً على نفسه ويتخبط في تناقضات داخلية لا حصر لها ولاعد. كان قد وصل إلى قعر الوجود أو لامسه، وذاق طعم المرارات.. في تلك اللحظة بالذات تجيء لحظة الكشف الاعظم لكي تقلب حياته رأساً على عقب، ولكي تجعل منه أهم شخصية في تاريخ العصور الحديثة . كان هناك تناقض حاد ينخر فيه من الداخل ولا يتركه يرتاح. كان يتساءل مثلاً: لماذا يصل غيره إلى الشهرة والمجد وهو لا يصل؟ لماذا استطاع صديقه ديدرو المعتقل في سجن «فانسين» والذي هو ذاهب لزيارته الآن أن يلفت انتباه الكثيرين إلى موهبته في حين فشل هو؟ هل هو تافه وضعيف إلى مثل هذا الحد يا ترى؟ لماذا هو معقد وعاجز عن الانسجام مع المجتمع؟ لماذا لا يستطيع ان يتصالح مع نفسه ومع الآخرين؟ ثم كان هناك سؤال آخر يؤرقه، وهو أهم بكثير ويطرح علامة استفهام كبرى على الحضارة الغربية بمجملها، بل ويستبق على مآلها وانحرافاتها بمائتي سنة على الأقل. يقول هذا السؤال: لماذا لا يؤدي التنوير الفكري بالضرورة إلى انتشار المزيد من النزاهة والصدق والشفافية في العلاقات الاجتماعية؟ لماذا نضطر الى النفاق والممالقة لكي نعيش؟ لماذا لا يصبح الإنسان- بالضرورة- أكثر استقامة وأخلاقية عندما تزداد معارفه وشهاداته وعلومه؟ لماذا نجد أحياناً الانسان الأمي البسيط  مليئاً بالطيبة وحب الخير والانسان العالم ميالاً الى الشر؟

هذه هي بعض الأسئلة التي كانت تعتمل في أعماق جان جاك روسو وتؤرقه قبل أن تجيء لحظة الكشف على طريق غابة فانسين وتحل التناقض. وبالتالي فالسؤال الذي طرحته أكاديمية «ديجون»، والذي وقع بصره عليه بالصدفة لم يكن إلاّ القشّة التي قصمت ظهر البعير.. أو القطرة التي جعلت الكأس تفيض. كان ينتظر هذا السؤال على غير وعي منه منذ زمن طويل. باختصار شديد: كان جان جاك روسو في تلك اللحظة بالذات على موعد مع القدر.. لم يكن روسو متصالحاً مع نفسه ولا مع العصر. كان عاجزاً عن التأقلم مع المجتمع في صيغته الراهنة، كان ينتظر ان يجد علاقات شفافة، دقيقة، واضحة، علاقات تذهب من القلب إلى القلب. كان يعتقد ان الانسان الطيب يكافئه المجتمع والانسان السيئ يعاقبه فاذا به يفاجأ بالعكس تماماً. فالانسان الخبيث الذي يعرف كيف يناور ويداور هو الذي يصل. إذا به يفاجأ ببحر من الرياء والنفاق، بغابة مليئة بالذئاب، والغدر، والمكر، والمناورات، ومحاولات  الإيقاع والوقيعة. اذا بك لم تعد تعرف من هو الشخص الذي يقف أمامك ولماذا يبطن غير ما يظهر.. هذا هو مجتمع عصره. وكل ذلك من أجل التنافس على الفتات، عفواً: الأرزاق والمناصب.. عندئذ قرر ألا يصل أبداً، الا يزحف بعد اليوم من أجل الوصول.. عندئذ قرر ان ينعطف بمصيره مائة وثمانين درجة، أن يمشي عكس التيار. عندئذ عرف سبب عذابه الشخصي الذي لا يكاد يهدأ لحظة واحدة، وعرف لماذا كان التناقض ينهشه من الداخل فيجعله في خصام مستمر مع نفسه. وفي الوقت الذي اكتشف فيه سرّ عقدته الداخلية، راح يكتشف سر عقدة المجتمع ككل. وبضربة عبقرية واحدة، راح يحلّ العقدتين!

كان السؤال الأساسي الذي يؤرقه منذ سنوات وسنوات دون ان يدري هو التالي: لماذا لا توجد علاقة اوتوماتيكية بين التقدم العلمي أو المادي للمجتمع وبين ازدياد الأخلاق والفضيلة والمساواة ؟  لماذا لا تتقدم الأخلاق والشفافية والحقيقة والعدالة والنزعة الانسانية كلما تقدمنا علميا وتكنولوجيا وزادت معلوماتنا أضعافاً مضاعفة؟ لماذا لا تزال الأساليب الملتوية سائدة  حتى بعد ان استنارت البشرية الاوروبية او ابتدأت تستنير وتحقق قفزات كبيرة الى الامام؟ لماذا نصبح أحياناً اكثر خبثاً وانتهازية كلما أصبحنا أكثر معرفة وعلماً؟ ثم ما هذا المجتمع الذي يتقدم من جهة ويظل طبقياً ارستقراطياً متعجرفاً من جهة اخرى؟ ولماذا كل هذا الإحتقار لكل من لم تشأ الصدفة ان يولد في عائلة اقطاعية محترمة؟هذا هو التناقض الأساسي الذي حلّته لحظة الكشف على طريق «فانسين»، هذه اللحظة التي صرعته في أرضه. لكن بعد ان اكتشف روسو الحقيقة، بعد أن رآها بأم عينيه، بعد أن اقترب منها قاب قوسين أو أدنى، أوجس خيفةً واضطرب. فالحقائق لا تقال مجاناً ولا تمرّ دون عقاب. وويلٌ لمن يقترب منها أو يكشف عنها النقاب. «بدءاً من تلك اللحظة ضيَّعت نفسي وعرَّضتها للتهلكة»، يضيف ايضا. نقول ذلك وبخاصة إذا كانت حقائق كبرى من النوع الذي اكتشفه. انها حقائق تزلزل اليقينيات الاجتماعية والدينية والسياسية الأكثر رسوخاً. ومن يصرح بها يجازف بنفسه لا محالة. انها حقائق تمسّ الامتيازات والمقامات وتزعزع النظام الاجتماعي زعزعة بل وتقلبه رأسا على عقب. هنا تكمن ثورية جان جاك روسو المرعبة التي دفع ثمنها غالياً. وهذا ما حصل لاحقاً بعد صدور كتبه الأساسية كـ"أميل" و"العقد الاجتماعي" وسواهما. فقد لاحقوه في كل مكان، ووضعوه تحت التهديد المباشر، ونغّصوا عيشه. فالكبار يريدون ان يظلوا كباراً والصغار صغاراً وكل واحد في موضعه.. فابن الست غير ابن الجارية وابن الأغلبية الكاثوليكية غير ابن الأقلية البروتستانتية.. وويلٌ لمن يتجرأ على نقد هذا النظام الاجتماعي او وضعه مجرد وضع على محك الشك. فهو نظام أبدي خالد مختوم عليه بالشرعية الإلهية. لم يغفروا له نزاهته وصدقه في مجتمع مليء بالكذب والمجاملات واللغة المزدوجة التي تظهر عكس ما تبطن. لم يغفروا له هوسه بالمساواة والعدل وحبه للشعب الفقير واستماتته من أجل الحقيقة. لم يغفروا له انه عرَّى المجتمع على حقيقته وكشف عن نواقص الكبار وكل انواع الظلم والقهر والفساد السائدة فيه. لم يغفروا له انه قام بأكبر انقلاب على المجتمع الطائفي الأصولي الإقطاعي الاستبدادي القديم وأرهص بالمجتمع الديمقراطي العلماني الحر الحديث. لم يغفروا له انه ربط العلم بالفضيلة رافضاً كل حضارة تفصل بينهما لأسباب تكتيكية او انتهازية. فالتقدم العلمي اذا لم يرافقه تقدم أاخلاقي لاخير فيه. فالتنوير اما ان يكون كاملاً متكاملاً او لا يكون. لم يغفروا له انه أسَّس التربية الحديثة للأجيال الأوروبية المقبلة. لم يغفروا له انه قوَّض المجتمع القديم وأسس على أنقاضه المجتمع الشفاف الحديث الذي جعل من اوروبا منارة للعالم كله.. وسوف يضغطون عليه من كل النواحي لكي يتراجع او يكسروا ظهره. سوف يقلّبونه ذات اليمين وذات الشمال. سوف يقلبونه على الجمر وما هو أحر من الجمر، ويذيقونه الحلو والمر. سوف يُرونه بأم عينيه نجوم الظهر.. ولكنه سوف يظل مصرّاً على حقيقته كالمجنون الهارب من مكان الى مكان،  كالمنبوذ  المطارَد الذي لم يعد له من أمان على وجه الأرض.

على هذا النحو دخل جان جاك روسو في معمعة لا أول لها ولا آخر، ولم يعد يعرف من أين تجيئه الضربات، ولا كيف تصطرع حوله الأجهزة والمخابرات!