فلسفة مبسطة: "المضامين"

نبيل عودة قرأها 1,185

فلسفة مبسطة: "المضامين" 

"لا يمكن ان يحمل أي إنسان مضمون جوهر الإنسان إذا اختار الصمت على الجرائم التي ترتكب ضد أخيه الإنسان"

تميزت الفلسفة منذ ظهورها في بلاد الإغريق بقدرتها على الفرز بين المضامين الجوهرية والمضامين العرضية (غير الجوهرية)!!

الفيلسوف ارسطو (384 ق.م - 322 ق.م) ميز بين شكلي المضامين Essentialism)) وأوضح ان المضامين الجوهرية هي المضامين التي بدونها لا يكون الشيء ما هو عليه، والمضامين العرضية، هي التي تقرر كيف هو الشيء وليس ما هو. رأى أيضا بنفس العلاقة مع المضامين الجوهرية ان العقلانية ضرورية من اجل ان تكون كائنا بشريا، وربط ذلك مع ماهية العقل. أي بكلمات أخرى عالم عظيم مثل نيوتن، الذي أحدث ثورة في العلوم، لن يكون هو نفسه بدون مضامينه الجوهرية (عقله مثلا) أما المضامين العرضية قد تحدد شكل أنفه، طوله، وزنه، لون بشرته حركاته، هذه مضامين عرضية لا تقرر عبقرية نيوتن.

"المضامين" إذن هي مفهوم فلسفي يبحث في الموضوع الوجودي (ما هو موجود) أي ما يتبع للواقع وما هو قائم يطلق على ذلك تعبير اناطولوجي (ontologist).

بناء على ذلك ما يقرر تعريف الشيء أو الظاهرة هو مضمونها الجوهري.

من هنا حاجتنا أيضا لتطبيق المفهوم الفلسفي للمضامين على الواقع السياسي، من منطلق ان لكل فعل توجد فكرة ذات مضمون جوهري، ومنها يأخذ الأفراد أو المجموعات، أو الأحزاب، أو الدول مضامينهم الجوهرية. المجموعات او الأحزاب او الدول حين تصبح مضامينهم عرضية، تعتمد على الانتماء الإثني أو الديني.. هذا يعني انهم يعيشون على حسب زمن ضائع!!

في عصرنا الحديث نجد ان فلسفة المضامين اخترقت العلوم الاجتماعية بمفهوم ان البنى أو العوامل الاجتماعية هي ذات مضامين تسبق تعريفها الاجتماعي. المضامين في عصرنا تشمل جميع النظريات الحديثة وجميع الأيديولوجيات الأهم التي ظهرت في التاريخ البشري.. وعلى رأسها أبرز ثلاث أيديولوجيات في عصرنا:

1-      مضامين الأيديولوجيا النازية (الفاشية عامة)- تطرح مفهوم انه للقومية يوجد واقع (وجودي) كان قائما كل الوقت، يوجد له طابع ومن اجله يمكن التضحية بكل شيء.

2-      الايديولوجيا الليبرالية- ترى المضامين في اصطلاح حقوق الإنسان، يشمل ذلك الافتراض انه توجد حقوق طبيعية للإنسان وهي ضمن الحقوق الجوهرية لكونهم بشرا.

3-      الأيديولوجيا الاشتراكية وبالأساس في الطرح الماركسي- تطرح مفهوما يرى في القومية، الدين وغير ذلك من الهويات الشخصية، أنها بمثابة "مضامين كاذبة" وان الانتماء الطبقي هو الذي يوحد بشكل حقيقي وجوهري بين البشر.

لا بد من إشارة عابرة ان المفهومين النازي والماركسي لم يثبتا صحتهما الفكرية والفلسفية، ولا بد من إضافة أراها هامة: اكتسب الفيلسوف الألماني نيتشة شهرة كبيرة عندما صرح ان الله قد مات، وكان قصده واضحا انه يعني فقدان الأخلاق والحقيقة معا. فهل يمكن تحت شعارات وعود إلهية خرافية سحق مجموعة بشرية، بسبب انتمائها الإثني أو الديني؟!

ما أعادني لهذا الموضوع هو احتفال إسرائيل بيوم استقلالها. هل هو ضمن المفاهيم الجوهرية لحقوق الإنسان بسحق حقوق إنسان آخر، أم هي ظاهرة عرضية غير جوهرية بحكم كونها جاءت ضمن رؤيةٍ أقرب للرؤية القومية (الفاشية) المتحالفة مع الأسطورة الدينية؟

الحرب العالمية الثانية التي انطلقت من المفاهيم القومية النازية، دفعت فيها شعوب العالم عامة والشعب اليهودي ضمنها، ثمنا رهيبا لا يمكن تخيّله. هل هذا الثمن يبرّر ان يدفع شعبي الفلسطيني ثمنا مأساويا لا يتوقف منذ سبعة عقود تقريبا، ضمن نظرية قومية شوفينية– دينية أصولية لا تقع بعيدا عن الفكر القومي النازي والفكر الإيماني السلفي سوية؟!

هذا يجعلني أعيد التفكير بجوهر الإنسان المعاصر. لا يمكن ان يحمل صفة إنسان من يفتقد لجوهر الإنسان بصمته على جرائم ضد الإنسان؟ ان كان في فلسطين أو العراق أو سوريا أو نيجيريا أو اليمن أو ليبيا أو أفغانستان أو اوكراينا أو أي مكان يجري فيه سحق المضمنون الجوهري للإنسان!!

في (15-02-1968) كتبتُ قصة بشكل تلقائي لأديب ناشئ تحمل العنوان "لقاء بعد عشرين عاماً" تناولت المضامين التي تصور واقعا بلا مضامين إنسانية. بلا أخلاق وبلا حقيقة. حاولت ان أصور مأساة شعبي الذي وعيت والمآسي تتقاذفه. هل هذا ضمن المضامين الجوهرية لمرتكب الجريمة؟ أم ضمن عالم فقد الأخلاق والحقيقة وفقد المعايير الإنسانية في تعامله مع قضايا الإنسان؟!

إلى أين ينحدر عالمنا بتخليه عن مضامينه الجوهرية، وعلى رأسها مضمون العقلانية!!

*****

لقاء بعد عشرين عاما

قصة قصيرة

نبيل عودة

15/2/1968