فلسفة كعزاء في عالم خائب لا عزاء فيه
اطّلعت مؤخراً على كتاب * لفيلسوف بريطاني شاب ذي اسم فرنسي هو: آلان دو بوتون! وكان قد ولد في زيوريخ عام 1969، ولكنه يعيش ويكتب الآن في لندن. وبالاضافة الى اهتمامه بالفلسفة فهو يكتب الرواية ويشتغل في الصحافة وينشر المقالات المتفرقة هنا او هناك..
وقد لفت كتابه هذا انتباه الكثيرين ولذلك سارع الفرنسيون الى ترجمته. والفكرة الأساسية فيه هي انه اذا ما ألمت بك ضائقة معينة او أصابتك مصيبة فإن الفلاسفة هم وحدهم القادرون على تعزيتك ومواساتك. فالفلسفة تعني أساسا حب الحكمة والتدرُّب عليها والصبر على نوائب الحياة. وبالتالي فاذا ما نقصت شعبيتك او كرهك الناس في عصرك فإن سقراط يعزّيك. فقد كرهه الناس الى درجة انهم قتلوه.. واذا ما أعوزتك النقود وأصبحت شبه مفلس فانك تجد العزاء عند الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي كان يعرف كيف يعيش بأقل القليل. واذا ما تعبتَ من مواجهة صعوبات الحياة ومشاكلها التي لا تنتهي، فإنك ستجد العزاء الجميل عند نيتشه. وحتى اذا ما اصابتك جرثومة الحب وتغلبت على عقلك وخيالك صورة امرأة معينة وسيطرت عليك مثل الامبريالية الاميركية او اكثر، فإن شوبنهاور ـ نعم شوبنهاور! ـ يستطيع ان يجد لك الوصفة والعلاج...باختصار فان الفلاسفة قادرون على كل شيء، كل بحسب نوعيته واختصاصه.
الكتاب يجمع بين الجدية العميقة والنزعة الهزلية الساخرة في آن معا. ولذلك فانه يقرأ بسهولة ومتعة على عكس معظم كتب الفلسفة الأخرى التي تتّسم عادة بالصرامة الزائدة عن الحد والتجهم والتعقيد والتجريد الذي قد يصل أحيانا الى حد الطلاسم والألغاز.
الكتاب يبتدئ بسقراط، أب الفلسفة ومؤسسها، وهنا تكمن الجدية المطلقة وينتهي كل هزل او مزاح. فالمسألة مسألة قتل او موت بالسّم الزّعاف. فقد اتهمته سلطات أثينا ـ اي الدولة التي ينتمي اليها ـ بأنه لا يؤمن بدينها، وانه زنديق حقيقي، بل ويحاول ان يبلور عقائد أخرى غير عقائدها المقدسة التي تؤمن بها أبا عن جد منذ مئات السنين ... والأخطر من ذلك هو انه يفسد شبيبة البلد، وبخاصة أبناء العائلات الغنية والراقية، بأفكاره الجديدة والغريبة الخارجة على المألوف.
وهكذا حكموا عليه بالإعدام. ولكنهم اثناء المحاكمة تركوا له مخرجاً سلمياً اذا ما تراجع عن أفكاره، او تنكر لها. وهنا وقف سقراط موقفاً بطولياً، او انتحارياً، عندما رفض ذلك. وقال بأنه يفضل ان يموت ألف موتة على ان يتراجع عن أفكاره او عما يعتقد انه الحق وانه مفيد للشبيبة والمجتمع.. وهناك تهمة أخرى وجَّهوها اليه وهي انه شخص غريب الأطوار او حتى شبه مجنون، بل ويشكل خطراً على المجتمع ككل، كما انه يؤلِّب الأبناء على آبائهم ويحْدث الفرقة، وبالتالي فلا بد من إخراسه بشكل او بآخر.
واعترف سقراط أثناء المحاكمة بأنه شخص غريب فعلاً. فقد أهمل حياته الشخصية وعاش فقيراً بدلاً من ان يركض وراء الرّزق وتجميع الأموال كما يفعل معظم الناس. ورفْض كل أنواع الوجاهات والتكريمات والجوائز التي يتسابق عليها المثقفون عادة بأيديهم وأرجلهم .. وكرَّس حياته من أجل خدمة الآخرين والبحث عن الحقيقة، وكل هدفه كان يكمن في إرشاد الناس الى طريق الفضيلة والنزاهة والصراحة. فاذا كان قد فشل في ذلك، او اذا كانت محصلة كل ذلك هي ان يحكموا عليه بالإعدام فإنه سوف يقبل هذا الحكم بطيبة خاطر ويرضخ للأمر الواقع.
وهكذا شرب كأس السم بكل شجاعة ورباطة جأش وتلامذتُه يبكون من حوله ويولْوِلون وهو يحاول ان يواسيهم ويعزّيهم.. وكان أول شهيد في تاريخ الفلسفة، انه شهيد الحقيقة المبكرة، الحقيقة السابقة لأوانها. ولكنه لن يكون الأخير. فبعده طالما حُورب المفكرون من أجل أفكارهم، وطالما دفعوا الثمن باهظاً: إمّا عن طريق السجن او التعذيب، او التجويع والملاحقة على لقمة العيش، او حتى التصفية الجسدية كحل أخير.
على هذا النحو يمكن القول بأن سقراط لم يمت، او قل انه يموت ويحيا في كل مرة يتعرّض فيها مثقف ما للاضطهاد بسبب تشبثه بحقيقته وأفكاره. بهذا المعنى فإن المسيح هو سقراط، وجان جاك روسو هو سقراط، وبعض الآخرين القليلين جداً على مدار التاريخ هم سقراط.
لننتقل الآن الى صديقنا فريدريك نيتشه الذي يختتم به الكتاب من خلال فصل طويل وممتع. يقول المؤلف بما معناه:
قلة هم الفلاسفة الذين يعتقدون بأن التعاسة هي شيء جيد، او إيجابي. فالحكمة مرتبطة تقليديا بمحاولة تخفيف الألم والعذاب في الوجود. انها عموماً تساعدك على التوصل الى السعادة والنجاح في الحياة.. ما عدا عند نيتشه .. فهو يرى ان أعظم نعمة يمكن ان تحظى بها هي ان تنهال عليك المصائب من كل حدب وصوب! وكلما كانت مصيبتك أكبر كان ذلك أفضل، وذلك لأن الفلسفة لا تزدهر الا في بحر من الصعوبات والآلام. والرجال العظام هم أولئك الذين خاضوا الأهوال واحترقوا في أتون المعاناة. واما أناس السهولة وبحبوحة العيش «وأبناء العائلات» كما يقال فهم عادة من أسخف الناس وأكثرهم سطحية. ولا يستطيع نيتشه ان يجلس معهم أكثر من خمس دقائق، هذا اذا ما جلس. لا. نيتشه يريد شخصاً دمَّرتْه الحياة وسحقته سحقاً، ثم خرج بعد ذلك كالذهب المصفّى وقد عركته الحياة. نيتشه ليس عنده وقت للناس السطحيين الذين يمضون معظم وقتهم في الاحتفالات والمهرجانات والاستقبالات ولا يعرفون من الحياة إلا السخافات والمجاملات.
لكن من هم هؤلاء الأشخاص الذين يعجبون نيتشه الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب؟ انهم أشخاص من نوعية الفيلسوف الفرنسي مونتيني، اوالروائي الفرنسي ستندال، اوالكاتب الالماني غوته.. الخ. وكلهم أشخاص كانوا قد عاشوا و ماتوا منذ زمن طويل في عهد نيتشه، يقول بالحرف الواحد:
«لا يوجد حاليا أي شخص استطيع ان أحترمه فعلاً. كل الذين أحترمهم وأقدّرهم ماتوا منذ زمن طويل» ثم يختتم: «ربما كنت آخر شخص يحترم نفسه»!.
ولكن نيتشه لم يكن دائماً هكذا، ففي بداية حياته كان من أتباع شوبنهاور ولم يكن يحلف الا باسمه ولا يضرب الا بسيفه. وشوبنهاور، كما هو معلوم، يعتبر الزعيم الأكبر للتيار المتشائم في تاريخ الفكر والفلسفة. وهو يقول لنا بأن السعادة مستحيلة على هذه الأرض وبالتالي فمن العبث ان نركض وراءها. فالحياة، التي تشبه الأفعى الحقيقية، او المرأة الجميلة جداً، ما ان تذيقنا لحظة سعادة حتى تدفعنا مقابلها سنواتٍ من العذاب والآلام. ولذا ينصحنا الدكتور شوبنهاور «بالإمساك» عن الحياة، بتحاشيها الى أقصى حدٍّ ممكن. فالإنسان العاقل هو ذلك الشخص الذي لا يبحث عن المتعة ولا عن الإنخراط في الحياة، وانما هو ذلك الذي يحاول الانسحاب من الحياة جملة وتفصيلاً. فالحياة مسخرة، او مهزلة، او حتى مؤامرة كبرى مثلها في ذلك مثل المرأة والحب والزواج وإنجاب الأطفال الخ..
هذا الموقف الحذر جداً، بل والجبان في نهاية المطاف كان هو موقف نيتشه طيلة سنوات وسنوات حتى التقى بسيدة أرستقراطية تدعى «مالفيدا فون هيزينبوغ». وكانت تحب الآداب والفنون وتفتح صالونها لكبار الكتاب. ولذا دعت نيتشه مع آخرين لقضاء بعض الوقت في فيلتها الفاخرة المطلة على خليج مدينة نابولي بإيطاليا. وكان منظراً ساحراً يخلب الأبصار.. وعندئذ ذاق نيتشه طعم الحياة لاول مرة وعاش أجمل لحظات حياته. واكتشف فجأة ان هناك شيئاً اسمه الحياة والحب والجمال وحتى الوجبات الشهية للمطعم الإيطالي، وشمس الجنوب الآسرة. وأخذ يكفر بشوبنهاور وكل فلسفته ويكتب رسالة الى «كوزيما فاغنر» زوجة الموسيقار الشهير يقول فيها: «سوف تندهشين اذا ما بُحْتُ لك بسر لم أقله لأحد حتى الآن: لقد أصبحت ضد شوبنهاور في ما يخصّ معظم المسائل العامة تقريبا».
على هذا النحو حصل الانقلاب الكبير على شوبنهاور لدى نيتشه. وقد حصل بشكل طبيعي، تدريجي، وتقريباً لا شعوري. وعندئذ اكتشف نيتشه الحقيقة التالية: وهي انه ينبغي على الإنسان ان ينخرط في الحياة الى أقصى حدٍّ ممكن حتى ولو احترقت أصابعه بها، حتى ولو ذاق مرّ العذاب. فالاكتمال او النضج لا يمكن ان يحصل الا بعد الانخراط في التجربة ودفع الثمن. وإذن: فأهلا بكِ أيتها المصائب والصعوبات! والمشكلة التي لا تقتلني تقويني.. عندئذ راح نيتشه يطرح مصطلح «السوبرمان»، اي الإنسان المتفوق الذي تغلَّب على كل العقد ونقاط الضعف التي يعاني منها الانسان العادي التافه: اي انا وانت والآخرون.. وراح يجد هذا النوع النادر من البشر في شخصية غوته الذي يقول عنه «بأنه رائع، وآخر الماني احترمه!» . ومعلوم ان غوته كان جميلاً شكلاً ومضموناً، كان ذا شخصية آسرة ومهيبة الى درجة ان نابليون عندما رآه لأول مرة صرخ قائلاً: "هذا رجل! هذه شخصية حقيقية!". فاذا كان نابليون الذي تخشاه الجبابرة يقول ذلك فما بالك بنا نحن؟! وكان غوته آنذاك قد تجاوز الستين وبدتْ على ملامحه إمارات النضج والعبقرية المنصهرة بتجربة العمر والحياة.
ينتج عن ذلك ان الشخصيات العظيمة لا تصبح عظيمة الا بعد ان تكون قد شبعتْ معاناةٍ وتجربة واحتراقا. وكل شخص ليس وراءه تاريخ من الهزائم والانتصارات ليس شخصا.. ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن المشاريع الفكرية او السياسية الكبرى التي تقفز بالبشرية قفزات واسعة الى الامام. فهي عادة تكون مصحوبة بآلام مبرحة ومصائب وانهيارات تشيب الرأس. والدليل على ذلك الثورة الفرنسية مثلا. فقد دفع الشعب الفرنسي ثمنها بحراً من الدّماء والدّموع، ثم تمخّضت أخيراً عن عالم جديد ومستقبل باسم.
وماذا يمكن ان نقول عن العالم العربي إذن؟ او عن العراق بالدرجة الاولى؟
ألا ينطبق عليه هذا القانون التاريخي الكبير؟ اشتدي أزمة تنفرجي..
- عزاءات الفلسفة: Les Consolations de la Philosophie
- المؤلف: آلان دو بوتون
- دار النشر: ميركور دو فرانس ـ المكتبة الأجنبية ـ باريس