لا مخرج من المأزق الرهيب الذي نتخبط فيه إلا بمراجعة شاملة لتراثنا الديني العريق
بدعوة كريمة من الدكتور عادل الكندي رئيس اللجنة الثقافية لمهرجان مسقط 2003، أتيح لي ان أمضي اسبوعاً كاملاً في عمان. وكانت هذه هي أول مرة أزور فيها هذا البلد العربي الذي فاجأني بازدهاره العمراني، ونظافته، ورقيّ أهله من حيث التعامل الحضاري والإنساني مع الآخرين، كل الآخرين. كانت الندوة الفكرية التي تلت مباشرة الندوة الشعرية تنقسم الى قسمين: الاول يتركز على موضوع نقد العقل العربي، والثاني حول المشروع الحضاري العربي ومقارنته بالمشروع الياباني. وبالطبع فالسؤال المطروح ضمناً هو: لماذا نجحت النهضة اليابانية وفشلت النهضة العربية على الرغم من ان الثانية سبقت الأولى بخمسين سنة على الأقل؟ فـ"محمد علي" سبق "سلالة الميجي" الى الاتصال بأوروبا بسنوات طويلة. ومع ذلك فان اليابان هي التي أقلعت حضاريا لا نحن..
فيما يخص نقد العقل العربي كنت أعتقد ولا أزال بأن الأمور طُرحت في الساحة الثقافية العربية منذ فترة بشكل مغلوط او غير دقيق. فلا يوجد شيء اسمه عقل عربي، او ياباني، او تركي.. وانما يوجد عقل بشري واحد مشترك لدى الجميع. ولكن هذا العقل يتطور وينضج كلما تطور المجتمع وأصبح متقدماً. فمن الواضح ان عقلية القرون الوسطى المحكومة بأطر ومسلَّمات اللاهوت الديني القديم او فقهه غير عقلية الحداثة التي تحرَّرت من هذه المسلّمات والمقولات بالذات. وبالتالي فالسؤال المطروح ليس هو نقد العقل العربي كما توهَّم "الجابري" وانما نقد العقل اللاهوتي المسيطر على شرائح واسعة من العرب والمسلمين منذ مئات السنين. وهذا النقد لا يعني التجريح والتهديم او الحقد على الدين وانما يعني الفهم العقلاني والناضج للدين. فكل الأحداث التي حصلت مؤخراً تدل على اننا أصبحنا بحاجة الى هذا الفهم لكي نستطيع ان نخرج من ورطة الأصولية الظلامية ونندمج في الحضارة الكونية. وطبقاً للفيلسوف أوغست كونت فقد مرَّت البشرية بعدة عقول او عقليات: من العقل اللاهوتي الغيبي، الى العقل الميتافيزيقي الذي هو ارقى منه بدرجة، الى العقل الوضعي او العلمي الحديث. وهذا التطور التدريجي ينطبق على جميع الشعوب من عرب او فرس او يابانيين او أوروبيين الخ..وبالتالي فلا يوجد عقل عربي او صيني او فرنسي وانما يوجد عقل ما قبل الحداثة وعقل ما بعد الحداثة. يوجد عقل غيبي او عقل علمي، عقل محصور بأطر التراث الطائفي القديم وعقل متحرر منها. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل..والجابري مع احترامي له حاول ان يتهرَّب من المشكلة بدلاً من ان يواجهها وجهاً لوجه. ولذلك قال بنقد العقل العربي وتحاشى مقولة نقد العقل الديني او الإسلامي خوفاً من الأصوليين او مراعاة لهم.
هذه هي الفكرة التي حاولت تمريرها في المؤتمر، ولا أعرف فيما اذا كنت قد نجحت أم فشلت. ولكن المناقشات التي جرت دلت على ان الجمهور العماني كان مستعداً للانخراط في الحوار بدون إدانات مسبقة او مصادرات على الفكر. ويخيل الي ان الجمهور هناك أكثر تسامحاً من أماكن أخرى. بالطبع فان مناقشة هذه المسألة الخطيرة لا تكفيها ندوة واحدة، وإنما تحتاج الى ندوات عديدة. وأعتقد انها سوف تشغلنا طيلة السنوات المقبلة لاننا لم نعد قادرين على تحاشيها ليس فقط بسبب ضغط الخارج علينا لكي نتخلص من تعصبنا الذي أصبح يقلق العالم كله وانما بسبب حاجيات داخلية أيضاً. فالكثير من المجتمعات العربية او الإسلامية تعيش ما يشبه حالة الحرب الأهلية بسبب داء التعصب الأعمى. انظر ما يحصل في العراق حالياً من مجازر وتفجيرات إجرامية وصلت حتى الى شارع المتنبي .والسؤال المطروح في نهاية المطاف هو التالي: هل سينتصر الفهم العقلاني لتراثنا الديني العظيم، ام ان الفهم القديم المتحجر هو الذي سيظل مسيطراً الى أبد الآبدين؟
تجربة عمان أعطتني بعض الأمل وأثبتت لي ان طريق المستقبل لا يزال مفتوحاً على مصراعيه. ففي لقاء مع وزير الأوقاف الذي يشبه وزير ثقافة من حيث استنارة عقله لا وزير أوقاف، فوجئت بتركيزه على اللغة العربية ومدى أهميتها. وكان مما قاله هذه العبارة التي أثلجت صدري: ان اللغة العربية هي الكنز الذي يجمع بيننا على اختلاف أقطارنا وبلادنا. والواقع انك في عمان لا تشعر بأي صعوبة في التفاهم مع الناس حتى ولو كنت قادماً اليها من بلد بعيد جداً. فالعروبة متجذّرة، راسخة، لا لبْس فيها ولا غموض. وفي أوساط الوزارة التقينا بالناقد الأردني الدكتور خليل الشيخ الذي كان يستعد لإصدار مجلة فصلية مهمة بعنوان «التسامح». ونأمل لها النجاح والتوفيق. والواقع اننا بحاجة الى هذا النوع من المجلات التي تنشر فكراً جديداً عن التراث، وتقدم صورة مضيئة عن الحقيقة العربية الإسلامية. كما وتساهم في التفاعل الثقافي مع الحضارات الأخرى التي عاشت أيضاً أزمة التطرف والتشدّد ثم عرفتْ كيف تنتقل بعدئذ الى رحاب الفكر المستنير والمتسامح. أقول ذلك وانا أفكر بالطبع في تجربة أوروبا وكتاب الفيلسوف الإنكليزي جون لوك عن «التسامح» وكذلك كتاب فولتير الذي تلاه بقرن او أكثر ويحمل نفس العنوان. وقد كانت مشكلة التسامح هي الشغل الشاغل لفلاسفة أوروبا في تلك الفترات العصيبة التي شهدت الحروب الأهلية، والمذابح، ومحاكم التفتيش. ولكن مفكّريهم استطاعوا ان يتصدّوا للأمر ويرتفعوا الى مستوى التحدي والمسؤولية.
قبل ذلك كانت مجلة «نزوى» ممثلة برئيس تحريرها الشاعر المعروف سيف الرحبي قد استقبلتْنا جميعاً في مكاتبها الحديثة والأنيقة. وقد جرى حديث شامل عن الأوضاع العربية ومدى خطورتها في هذه اللحظة بالذات. وينبغي القول هنا بان مجلة «نزوى» لعبت دوراً كبيراً في إخراج عمان من عزلتها الثقافية والتعريف بها في شتى أنحاء العالم العربي ـ مشرقاً ومغرباً. فقبلها لم نكن نعرف شيئاً كثيراً عن عمان الثقافية. كنا نعرف انها تحقّق الكتب القديمة والمخطوطات التراثية، ولكن ما كنا نعرف شيئاً يذكر عن شعرائها، وأدبائها، ومفكريها.
اما مدير تحرير «نزوى» طالب العمري الذي يستطيع ان يخرج حتى شوبنهاور من تشاؤمه بواسطة الابتسامة الطيبة والفرح الغامر الذي ينشره من حوله ويعديك به، فقد أتاح لي ان أعيش سهرة ممتعة مع بعض الكتاب والشعراء الشباب. وقد تطايرتْ فيها الكؤوس يميناً ويساراً وجرى الحديث عن بودلير، ولوتريامون، والسورياليين، وعشرات غيرهم. وتطرق النقاش للمستحاثات الشعرية والفكرية العربية وكذلك الديناصورات المنقرضة او المرشحة للانقراض... الخ. وشعرتُ وكأني في بيتي، او بين أهلي وعشيرتي. شعرت وكأني في أوساط المثقفين السوريين، او اللبنانيين، او الفلسطينيين... نعم ان اللغة العربية هي الكنز الوحيد الذي يجمع بيننا كما قال السيد وزير الاوقاف. ويوماً ما ربما تشكلت «الولايات العربية المتحدة» على أساس ثقافي قبل ان تتشكل على أساس سياسي. فالثقافة تسبق السياسة، وليس العكس كما توهمت بعض الأحزاب السياسية العربية في الأربعينات والخمسينات. واذا لم تتشكل ثقافة عربية حرة وديمقراطية فلا معنى لاي نوع من أنواع التقارب والاتحاد. وانا ضد الوحدة العربية بغير هذا المعنى. وهل نتقارب على الطغيان والظلم والاستبداد؟ واذن فالمستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات.
على هامش الندوات تجري، أحياناً، أحاديثُ أهمُّ من الندوات نفسها. ومن بينها تلك التي جرت مع عادل الكندي الذي أدهشني بصفائه ونقائه الشخصي والفكري. كانت الأسئلة تتركز حول التخلف الحضاري العربي وكيفية تداركه وتجاوزه. وكانت تتطرق أيضاً الى مسألة الدِّين والدولة، والتنوير، والحداثة، والتجربة الأوروبية والمقارنة معها، الخ...
وكنت أودُّ ان أقول ما يلي، ولا أعرف فيما اذا كنت قد استطعت إيصال رسالتي كما ينبغي:
منذ عشرين سنة او أكثر وانا أفكر في الموضوع، موضوع التأخر العربي او الخلل العربي. وخلال فترة إقامتي في أوروبا قارنتُ كثيراً بين المسارين، مسار الفكر الأوروبي ومسار الفكر العربي، وضِعتُ كثيراً أيضاً. ولكني توصّلتُ في نهاية المطاف الى النتيجة التالية: لن نخرج من المأزق الذي نتخبط فيه حالياً ما لم نقم بمراجعة نقدية شاملة لتراثنا العربي الاسلامي وكذلك العربي المسيحي. هذه المراجعة قد تتخذ هيئة تصفية حسابات تاريخية لها أوَّل لها وليس لها آخر.. لماذا؟ لان التحجُّر العقلي هيمن أكثر مما ينبغي، وكذلك الجمود والانغلاق التاريخي المزمن والطويل. ولهذا السبب فان فتح باب النقاش يبدو صعباً ومرهقاً وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالمسائل الحسَّاسة والحارقة. هذه المراجعة لم تنجح حتى الآن في الساحة الثقافية العربية على الرغم من كل ما قيل عن «نقد العقل العربي»، بل ربما لم نكن قد دخلنا بعد في صلب الموضوع! ما يلزمنا هو نقد العقل الاسلامي على طريقة أركون لا نقد العقل العربي..ما يلزمنا هو ان ينتقل العقل العربي من عقلية القرون الوسطى الطائفية والمذهبية الى عقلية القرون الحديثة التي تحترم كرامة الإنسان أيَّاً يكن أصله وفصله او عِرْقه ودينه ومذهبه. هنا تكمن قطيعة الحداثة الكبرى. هنا تكمن القطيعة الابستيمولوجية والسياسية والفلسفية. وهي القطيعة التي نحسد شعوب اوروبا المتقدمة عليها.
فهذه المراجعة الجذرية الشاملة للتراث المسيحي القديم كانت قد حصلت في اوروبا قبل مائتي سنة.
وينبغي علينا ان نعرف كيف نستفيد منها اذا ما أردنا الخروج من محنتنا يوماً ما. ففلاسفة أوروبا تجرَّأوا على مواجهة الحقيقة اللاهوتية المرعبة وجهاً لوجه دون أي مناورة او مداورة كما يفعل بعض المثقفين العرب اليوم ان لم يكن جلهم.. وهنا تكمن عظمة مفكري أوروبا من ديكارت، الى سبينوزا، الى فولتير وروسو، الى كانط وهيغل، وعشرات غيرهم. فقد استطاعوا ان ينتقلوا بالبشرية الأوروبية من المرحلة اللاهوتية القروسطية، الى مرحلة العقل الفلسفي والعلمي الحديث. وهذه «النقلة» النوعية تعتبر أهم حدث فكري في تاريخ البشرية.
في ختام الندوة، او قبلها بقليل، أُتيح لي ان أدخل الى احدى المكتبات برفقة بعض الأساتذة المشاركين. وكانت أنيقة، نظيفة، مرتبة، لا تحسد مكتبات باريس على شيء. وجميع الكتب كانت متوافرة فيها، بما فيها الكتب النقدية والراديكالية. وأتيح لي أيضاً ان أقوم بنزهتين على الشاطئ برفقة ناصر الغيلاني، الكاتب الشاب والمدهش من حيث عمق التساؤلات الفكرية التي يطرحها. لقد تحدثنا عن أشياء كثيرة، شخصية وعامة، أمامنا البحر ووراءنا مسقط العامرة ببيوتها البيضاء وسلسلة الجبال التي تحيط بها كالإطار.
لكن نسيت السوق القديم والكورنيش وبعض الذكريات...
تحية إذن الى مسقط الجميلة، تحية الى عمان قيادة وشعباً.