الأسس الفلسفية والمنهجية لتقدم المجتمعات
لا تتقدم المجتمعات إلا إذا كانت هنالك ثمة مقومات اسسية ومنهجية أو فلسفات ومنطلقات ميثدولوجيه أو معطيات قيمية ذات طابع ديناميكي يحِدث سيرورة من التحولات في المعنى والمفهوم والتواصل العملاني الحسابي الأداتي أو خلق فلسفة غائية من شأنها ومهامها ترمي إلى تقويم وتأسيس منهج تأصيلي ميكانيكي يساعد على الوصول إلى المرام وهذا ما يقتضي الاشتغال عليه والانشغال إليه حتى يتسنى لنا مواكبة التطورات والتحولات العلمية المهولة والتي تنبثق من مواطن متعددة وبأساليب لا تنفك عن التوقف والتكاثر أو الانتشار والتناثر بالكم المعلوماتي والموضوعاتي للأفكار والمفاهيم والتي هي الآن قيد الإنتاج والتشغيل أو الابتكار والتنظير في شتى الميادين الابيستيمولوجيه.
أن فلسفة تقدم المجتمعات ينبثق من قواعد منهجية سنحاول في هذه المقالة عرضها وبسطها ومناقشتها بأسلوب فلسفي حداثي نستطيع من خلاله توظيف المبادئ والأسس المنهجية لخلق روىء تقدميه عقلانية تستهدف المنحى والجانب النهضوي/ التنموي لدى المجتمعات وهذا ما هو ملحوظ وملموس بقدر ما هو محسوس وموجود على ارض الحدث والواقع لمن أمسك بزمام مفاتيح النهضة والتقدم في ميادين العلم وتطبيقاته العملية وما أحوجنا في الوقت الراهن إلى جهود النابهين أو العلماء والمفكرين أو المشتغلين من فلاسفة وأساتذة زمنيين حتى نستطيع قطع المسافة التي تفصل بيننا وبين سائر الأمم الأخرى لنساير ركب التطور العلمي الحديث عبر إنشاء شبكات فعالة من التواصل والتدارس أو التعرف على التجارب والمناهج الحداثوية التي من شأنها فتح آفاق فكرية نستطيع بواسطتها الولوج إلى عالم التقدم عبر التوافق الاجتماعي للملمة كل ما هو في الشتات عبر صياغة خلاقة تتغير معها العلاقة الخارقة نحو الإيجاب والهدف المرجو.
أن أهم عامل يقتضي علينا معرفته وصياغته لتحقيقه وتطبيقه هو الانخراط الجماعي الممنهج وفق عملية نوعية تسهم في المشاركة الفعالة من قبل كافة شرائح المجتمع بالتعرف على الكفاءات والقدرات أو ممن لديهم إسهامات نوعية في المسارات الفكرية والعلمية بحيث يتشكل فريق من الباحثين يعمل على توفير المناخات المواتية لفهم المبادئ والأسس التي ينطلق منها مفهوم التقدم العلمي بالاستفادة من المناهج الموضوعية وبتوظيفها وإعمالها على شاكلة الدمح والمزج أو الصرف والتحويل أو الإنتاج والإخراج أو العمل على تفكيك الموضوعات والمفهومات الشائكة وتركيبها بصياغة جديدة لائقة وفق منهج وأسلوب حداثي تنفتح معه طرائق جديدة ومسارات ابيستمولوجيه عديدة نستطيع من خلالها البناء والتركيب والإنشاء والتطبيق العملي في حياتنا المعاصرة خاصة وأننا ضمن ثورة عولماتيه تنفجر من كل حدب وصوب ومن شتى بقاع المعمورة.
الفلسفة وإعادة دمج العلوم الاجتماعية في نظرية العقلانية التواصلية :
إن فكرة الدمج بين العلوم الاجتماعية تتأتى من وظيفة الفلسفة نفسها، فإذا كانت العلوم تنحو في مناهجها وموضوعاتها نحو الجزئية والتخصيص، أو القراءة الميكروفيزيائية للظواهر والحوادث، فإن الفلسفة تعيد ترتيب العلاقة بينهما من جهة التداخل والتفاعل الوظيفي والآلي، ومن حيث التأسيس المعرفي المتعلق بأسئلة المبدأ عن طريق إعادة تفعيل العلوم الاجتماعية ووصلها في إطار التنظير للعقلانية التواصلية، والتأسيس للشرائط المنطقية واللغوية للحوار، وانقاد للمسار والنتائج التي آلت إليها العلوم الانثروبولوجيه في الممارسات والسياسات المعاصرة أو علوم الفكر كما يسميها ما كس فيبر، إنها صارت تستبطن إرادة السيطرة منخرطة في لعبة العقلانية الأداتية بدلاً من أن تظل مستقلة أو متحررة تنظر لفلسفة التفاعل بين إفراد المجتمع، وإذ يزيل هابرماس الأقنعة عن العنصر المصلحي والمنفعي المستدخل خلف فروع المعرفة، فإنه لا ينكر الارتباط الحاصل بين المعرفة والمصلحة، بل ينكر إرادة الهيمنة على المعالم المعيش، المختلف عن أشكال الموضوعات الأخرى، فإنكار التداخل الحاصل بين العلم والتقنية هو من قبيل رفض الحقيقة، ذلك أن المصلحة التقنية التي تؤسس لعلوم الطبيعة يوجهها هدف السيطرة على الطبيعة والمصلحة التطبيقية التي تكمن وراء العلوم التاريخية والانثروبولوجيه تتجلى في التعايش وفهم الآخر المفترضين في الفعل الاجتماعي، ثم أن العلوم الاجتماعية النقدية والتحليل السيكولوجي والفلسفة تقوم مصلحتها على التحرر بمعنى أنها مصلحة تتوخى التحرر من جميع أشكال الهيمنة.
الأساس المنهجي الفلسفي عند بيكون:
نستطيع في هذا السياق الاستفادة من المنهج الجديد لدى الفيلسوف بيكون في أسس المنهج العلمي التقدمي بأن المعرفة تبدأ بالتجربة الحسية التي تعمل على إثرائها بالملاحظات الدقيقة والتجارب العملية، ثم يأتي دور استخراج النتائج منها بحذر وعلى مهل ولا يكفي عدد قليل من الملاحظات لإصدار الأحكام، وكذلك عدم الاكتفاء بدراسة الأمثلة المتشابهة بل تجب دراسة الشواذ من الأمور الجوهرية في الوصول إلى قانون عام موثوق به، يقول بيكون: إن الاستنباط الذي يقوم على استقراء أمثلة من طراز واحد لا يعتد به وإنما هو ضرب من التخمين، وما الذي يدلنا على استقصاء البحث وعموم القانون وقد تكون هناك أمثلة لا تشترك مع البقية في الخصائص، وهذه لا بد من دراستها؟ وقد دفع به هذا الموقف إلى نقد المدرسيين والقدماء لاكتفائهم بالتأمل النظري حول الطبيعة دون أن يعنوا بملاحظة ظواهرها. ومن ثم فإن الفلسفة الحقة – في نظره- يجب أن تقوم على أساس من العلم وتستمد نتائجه القائمة على الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم الحسابي. فيجب على العلم الطبيعي إذن احترام الواقع الحسي إلى جانب الذهن في تخطيطه للطبيعة. وهذه هي أسس النظرية المنطقية الجديدة، التي استند إليها بيكون في دعوته إلى ضرورة إصلاح المنطق الصوري الأرسطي وتعديله والاستعاضة عنه بمنطق جديد يمهد السبيل أمام الإنسان لكي يستطيع بواسطته الكشف عن ظواهر الطبيعة والسيطرة عليها، أي انه يريد استبدال منهج البرهان القياسي بمنهج الكشف الاستقرائي.
أن الشرط الموضوعي يتمثل في رد العلوم إلى الخبرة والتجربة أو على القدرة والمعرفة وهذا يتطلب معرفة المنهج القويم للفكر والبحث المستديم، وهو ليس إلا منهج الاستقراء وليس المنهج هدفا في حد ذاته بل وسيلة للوصول إلى المعرفة العلمية الصحيحة، إذ أنه - كما يقول بيكون - بمثابة من يقوم بإشعال الشمعة أولا ثم بضوء هذه الشمعة ينكشف لنا الطريق الذي علينا أن نسلكه حتى النهاية.
أن التقدم العلمي إذا أردناه أن يكون ملموساً فعلياً أن نجعل له طريق صواب وان نقيم له نظام قوة لتناسقه واتساقه في كيفية تقدم العلوم إلا انه يستدعي طريق الصواب قبل تحديد الهدف نفسه ووضعه في المكان الصحيح وما تحتاجه العلوم هو الفلسفة وتحليل الشاكلة العلمية وتنسيق الأهداف التكاملية وكل علم بغير هذا يكون بطيئاً ومتأخراً ويقدم لنا بيكون شهادة على ذلك بقوله أننا لا نستطيع مشاهدة منظر المدينة تماماً من مكان منبسط أو منخفض، كذلك من المستحيل اكتشاف الأجزاء الشاسعة والعميقة للتقدم بالوقوف على مستوى العلم نفسه.
أن الفاعل الرئيس واللاعب الأساس في دعم تنمية المجتمعات هو العامل الثقافي لأنه يشكل ركيزة من ركائز تقدم المجتمعات وبدونه يفقد المجتمع عنصراً فعالاً في تشكيل معالم هويته وشخصيته الحياتية.
فالثقافة تقوم بترشيد وتنضيج سيرورة التفكير بقدر ما تقوم بتحويل الممكنات إلى إمكانات للتغيير والتطوير إو إلى ابتكار مناهج تنوريه تقوم هي الأخرى بفتح آفاق ومناخات عملية للتحريك والتنظير العقلاني الذي يساعد على اكتشاف كل ما هو ما هوي وبالتالي توظيفة ضمن النطاقات والمحددات العقلية الجديدة التي تقوم بفتح جبهات ثقافية على صعيد الفكر والتفكير أو على واقع الحدث والواقع أو في مجال الرؤى والنظريات أو العمل على توليد الإمكانيات والمعطيات والتي ترسم لنا خريطة منهجية تنحو نحو الاكتشافات المجهولة التي تتخندق على أكثر من صعيد عند عدم توظيف واستحثاث العقل على النبش والتنقيب أو التجريب والتشغيل في مجال الميادين الثقافية.
الفاعل الفكري :
فهو القدرة على الفهم والتفسير أو التعقّل والتدبير أو التقدير والتقرير. به نبدع ما نبدعه أو نخترع ما نخترعه أو ننجز ما ننجزه من لغات الفهم وطرق المعرفة، أو من قواعد السلوك ومعايير العمل، أو من سبل العيش وموارد الرزق، أو من أسباب التحضّر وأدوات التقدم. والفكر بم هو كذلك، أداة التحول والتجدد، به نتغير عما نحن عليه، ذلك أن الفاعلية الفكرية، بما هي حركة وتوتر أو تقلّب وتشّعب بين الوجوه والأطوار أو بين الأقطاب والأضداد إنما ننتج التنوّع والتعدد بقدر ما تولّد التفرّد والتفنن.
الحرية والخلق:
لأن الحرية هي صناعة الإمكان، فإنه لا حرية من غير خلق أو إبداع. والإبداع هو اشتغال على المعطيات من سلطات ورغبات أو مقولات ومؤسسات، تتغير معه بنية الواقع وتراكيب الفهم أو منظومات التواصل وأنظمة الخطاب، بقدر ما تتغير شروط الوجود وقواعد اللعبة.إذن هو الطاقة الحية والخلاقة على إجراء التحولات على الواقع، بمختلف أبعاده المكانية والزمانية، من خلال التفكير الحيّ والعمل المتقن على سبيل الإنتاج والابتكار.
النقد المفهومي :
من هنا تحتاج الحرية إلى نقد مفهومي، بحيث ننزل من ملكوت الفكرة المجردة أو المتعالية على ما يتعاطى معها لاهوتيو التحرير إلى ارض الحدث وميدان الممارسة وما يحدث مجتمعياً هو علاقات تنشأ وقوى تتشكّل وانساق تضبط ومعايير تطّبع واستراتيجيات لا مآل لها سوى السيطرة والإخضاع. والذي يحرك الأفراد ليس عشق الحرية كما ينطق خطاب الحرية الذي يسكت على سلطته، بل السعي إلى السيطرة لاحتلال موقع مميز على الخارطة الاجتماعية.
نكتفي بهذا القدر في بسط الأسس الفلسفية لكيفية تقدم المجتمعات الإنسانية على أمل محاولة عرض حلقات أخرى ودراسات فلسفية ذات جدوى تسهم في عملية الترميم والتأهيل وإعادة البناء والتركيب لقراءات واستثمارات منهجيه جديدة.
مصادرالدراسة :
الموسوعة الحرة آراء الفيلسوف الانجليزي فرنسيس بيكون.
تحولات الفكر الفلسفي المعاصر - عبدالرزاق بلعقروز.
تواطؤ الأضداد "الالهة الجُدد وخراب العالم". – علي حرب.
يونس عاشور - باحث في الشأن الفلسفي المعاصر