تفعيل المفاهيم والمضامين التكاملية لقضايا الأمن الإنساني
عندما طرحنا وتناولنا دراسة الفلسفة الغائية للأمن الاجتماعي في احدى المنتديات الثقافية، طلب منا الأخوة الأساتذة المثقفين طرح المفهوم والمدلول بإسهاب وصوغه بصيغة تكاملية وشرحه شرحاً تراتبياً بحيث يلم ويلامس شتات المعطيات والمستويات الثقافية والفكرية لمنظومة قضايا الأمن الإنساني على الصعيد الحياتي، وقد كان للزملاء تحفيزاً عملياً بإعمال ميكانيزمات التفكير في تناول هذا البحث على النحو الذي يتيح للإنسان التعرف على الجوانب والمناحي الأخرى لمفاهيم الأمن الذي يكمن في شتى المسارات والاتجاهات الحياتية للفرد خاصةً في حياتنا المعاصرة حيث تشعبت قضايا حياة الإنسان وأصبح يعيش ضمن حياة اجتماعية مطاطيه واسعة ذات تفريعات وتنويعات (diversification) لشتى القضايا وإذا كان الأمر كذلك فمن المقتضى معرفة الماهيات والأسس لمعاني الأمن حتى يتسنى للإنسان مجابهة الأخطار المحدقة التي قد تهدد أمنه وكيانه كفرد وكمجتمع. من هذا المنطلق الحاجة الملحة في سيرورة تفكير وضع استراتيجيه وقاعدة إسمنتية عريضة ذات مضامين هدفيه يستطيع الإنسان من خلالها تحديد الأولويات لكيفية بناء حياة آمنة ومستقرة قوامها الأمن العام لحياته وبالتالي سمنتة الانطلاقة الخلاقة التي غائيتها بناء المنهج العقلاني السليم والصحيح الخالي من التهديد الوعيد الذي يبحث عن منفذ لكي يخترق امن الإنسان بخلق الفوضى وإشعال الفتن والحروب ناهيك عن الجرائم المنظمة التي هي الأخرى أداة من أدوات الحروب لتحريك المجتمعات والشعوب نحو الاقتتال والاحتراب اللانفعي مع بعضها البعض ونتاج ذلك هو خسارة وفقدان الأمن الإنساني على المستوى الاجتماعي إذا لم يكن على مستوى المجتمعات الأخرى وهذا ما يشهد عليه عالم اليوم فهو متداخل ومتشابك ومعقّد بقدر ما هو مجتمع تركيبي يؤثر على بعضه البعض، ولو حدّّقت ببصرك أخي العزيز لوجدت هذا المنطق ملموساً في واقعنا المعاصر والمعاش كيف أن الحروب تنتقل من مجتمع إلى مجتمع ومن بلد إلى بلد.
وفي هذه المقالة سنحاول التركيز على شرح وتفكيك معنى مفهوم الأمن بشكل تراتبي يساعد الإنسان على اكتشاف واستكشاف المفاهيم والمضامين الأمنية التي قد تغيب عنه كإنسان.
من الأمور المهمة واللافتة في مسائل قضايا الفكر المعاصر والمبسوطة على طاولة البحث العلمي هو استشراء الأحاديث حول أهمية الأمن الاجتماعي الذي يقوم على ضمان الاستمرار في العلاقات الاجتماعية والحماية من العنف العرقي/الطائفي،والأمن السياسي الذي يضمن للبشر العيش في كنف مجتمع يضمن ويرقي حقوق الإنسان،والأمن الاقتصادي الذي هو ضمان الحد الأدنى من المدخول لكل فرد. والأمن الغذائي الذي هو عنصر اساس لضمان الحد الأدنى من الغذاء لكل فرد. والأمن البيئي الذي هو حماية الإنسان من الكوارث الطبيعية والحفاظ على البيئة من استدمار الإنسان والأمن الفكري هو النشاط والتدابير المشتركة بين الدولة والمجتمع لتجنيب الأفراد شوائب عقدية أو فكرية أو سيكولوجيه تكون سببا في انحراف السلوك والأفكار والأخلاق عن جادة الصواب، أو سببا في الإيقاع بالمهالك. كما انه هو الاطمئنان إلى سلامة الفكر من الانحراف الذي يشكل تهديدا للأمن الوطني أو احد مقوماته الايديولوجيه والعقدية والثقافية والأخلاقية والأمنية.
هذه المفاهيم الآنفة الذكر من القضايا المهمة التي تنضوي تحت عنوان (الأمن) وقد كان لهذا الجانب القسط الأكبر والأوفر في انتشاره إعلاميا وثقافياً ومحاضراتيا لأنه يمثّل الركيزة الأساس التي تقوم بوضع التخطيطيات الإستراتيجية التي تستهدف رسم السياسات المنهجية الناجعة في تبيئة الحياة الآمنة والمستقرة على جميع الصعد وبالتالي التقدم الحياتي المأمول للإنسان والانسانية.
وإذا كان الإنسان المعاصر يسعى لأن يطبق هذه المفاهيم العقلانية بشتى مفاهيمها ومضامينها فحري به أن يرفض كافة أشكال التخريب والإرهاب والفوضى لا فقط كونه يطمح لأن يأخذ بذاته إلى شاطئ الأمان والتقدم والاطمئنان المعيشي بل أن يكون مشاركاً فعالاً في نقد كافة الأمور الارهابيه بمشارطه ومساوطه التدميريه التي يتعرض لها الأخر من بني جنسه.
من المعلوم أن مفهوم الأمن بمعناه العام يعني أن يكون الإنسان آمناً مستقراً في كل شيء وعلى جميع الصعد الحياتية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.... الخ بعيداً عن العنف والتطرف والتعصب والاقتتال والاحتراب الذي قد ينجم بين الجماعات لمصالح دنيوية أو ماديه أو عصبيه وقبلية الخ...
وهذه هي المعاني السالبة التي تقوض مفهوم الأمن وتفقد معناه البراغماتي فعلى الصعيد الاجتماعي السوسيولوجي وهو أهم مقوم ومرتكز للأمن العام(GENERAL SCURITY) ينبغي أن يكون مجتمعاً آماناً خالياً من المفاهيم التعبوية التي تقوم بخلخلة وزعزعة حياة الفرد وبالتالي فقدانه للاستقرار الحياتي.
وبتعريف آخر لدراسة فلسفة الأمن للدكتور حسني درويش عبدالحميد هو إحساس الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع بالطمأنينة. والشعور بالأمن والاستقرار، وهو ما يحفزهم عل العمل والإنتاج، لذلك فان الهدف الأساسي لفلسفة الأمن هو إقرار السكينة والنظام ووقاية المتجمع من عوامل الانحراف التي تهدد كيانه.
نود مناقشة وطرح مفهوم الأمن من الناحية الفلسفية لا من الناحية المادية كما يتصوره الكثير اليوم من المؤسسات والنقابات والجمعيات الغربية اليوم وبعض أفراد ساسة اليوم الزمنيين منهم كون مفهوم الأمن مبتغاه منطلقاً من الناحية المادية ويطرحونه بأسلوب لا ينسجم مع الأهداف والمبادئ العقلانية الكليانيه الأساسية لحياة الإنسان.
إذن أن أهم مقوم لانبثاق فلسفة الأمن يجب أن يكون انبثاقاً أخلاقيا وسلوكياً حضارياً شمولياً ولعل مسألة الضمير الإنساني والأخلاقي العقلاني هي المقونن الجوهري التي تقوم بتشكيل كافة المفاهيم والمعاني السامية لتفعيل مفهوم الأمن الاجتماعي في حياة الإنسان أما إذا كان الإنسان بعيداً عن تلك المسائل الأساسيات التي تدعم وتقوم تشكيل الأمن الاجتماعي فإن مفهوم الأمن وتطبيقه وتفعيله قد يتأخر في صيرورته المرجوه أن لم يفقد معناه الغائي بسبب عدم وضع الدراسات والطروحات التي توضح وتشرح المعنى الحقيقي لأهدافه. وها نحن نلمس هذه الحقيقة بكل معاييرها ومقاييسها على مستوى المجتمعات البشرية فهي لم تتفق بعد على وضع تعريف محدد للإرهاب مثلاً ! وماهية أسبابه وبواعثه فالكل بدأ ينحو بمنحى مختلف ومغاير عما يطرحه هذا المجتمع او ذاك. هذه الأمه او تلك لماذا؟
لأن لبّ الجوهر والماهية يكمنان في أخلاقية الأخلاق السامية ذاتها ومدى دراستها وتدريسها واستيعابها بكل معانيها ومفاهيمها الانسانيه والتي تعني أن يكون الإنسان ذو ثقافة وفكر ومفهوم أنساني شمولي ينحو نحو تقويم وتكوين " الأمن الفلسفي الاستراتيجي الغائي" ومرتكزاته الفلسفية وهذا ما نحتاج إلى تعريفه وترجمته في أوساط مجتمعاتنا المعاصرة والمجتمعات الأخرى لكي تبيّن لهم مفهوم الأمن وكيفية تطبيقه وإعماله ضمن المنظومة التي تكفل للإنسان العيش الرغيد والهناء السعيد لا على أساس مادي أو مصلحي كما يتوهم البعض لتعريفه للأمن فهذا الخير يفقد معاني العيش الرغيد والهناء السعيد إذا كان لجهة وحدها دون أخرى.
وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة عندما استشرى موضوع الإرهاب كيف أن بعض المجتمعات تريد تطبيق الأمن لوحدها دون غيرها، فقط بحيث لا يشاركها احد أو حتى إذا شاركها احد فيجب أن يكون بالمفهوم المادي الذي يكفل ويؤمن الأمن لحياة الآخرين.
مهددات الأمن الإنساني:
هناك العديد من المشاكل والمهددات التي تواجه الأمن الإنساني سواء كانت بشرية أو طبيعية.
1/ ندرة المياه:
إذ يفتقر واحد بين كل خمسة أشخاص إلى الحصول على مياه مأمونة ويفتقر نصف سكان العالم إلى الصرف الصحي، ويموت 1.7 مليون شخص سنويا بأمراض مرتبطة بسوء إمدادات المياه، وندرة المياه الشروبة تهدد ثلثين من سكان العالم، ولعل ندرة المياه أصبحت عامل أساسي ومهم في الحروب بين الدول والقبائل حول مصادر المياه وربما سيتطور الأمر أكثر في المستقبل.
2/ الأمن الغذائي:
وهو ناتج أساسا عن ندرة المياه والكوارث الطبيعية والجفاف مما يؤدي إلى النزوح والحروب والمجاعات التي ازدادت بشكل ملحوظ.
3/ الأمن الإنساني والحروب:
إذ تعد الحروب أكثر مهددات الإنساني وأفتكها بسبب ما تخلفه على مختلف الصعد ومن أسبابها سباق التسلح والذي يستنزف موارد الدول على حساب التنمية البشرية.
في الأخير نجد أن مفهوم الأمن قد تأثر أيضا بالتطور الكبير الذي حققته حقوق الإنسان على مختلف الصعد،مما أضفى صفة الشمول عليه من خلال ارتباطه بالإنسان وشموله لمختلف جوانب حياته،على حساب الدولة التي لم تصبح الفاعل الوحيد في الساحة العالمية، هذا ونلاحظ أن اخطر التهديدات على الدولة والفرد ليست تهديدات مسلحة بل لها بعد مرتبط بعلاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي والطبيعي (البيئي).
ربما تنبثق تساؤلات من ضمنها على مَن تقع مسئولية الأمن بهذا المفهوم؟!
الأمن بهذا المفهوم هو مسئولية الأفراد والحكومات، ومن واجب الجميع المسارعة إلى الإسهام في تحقيق الأمن والرفاهية للمجتمع، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراك الجميع في المسئولية، فقال صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (متفق عليه).
وفي نهاية هذه الأطروحة نتوجه إلى الفاعليات الثقافية والمؤسسات الفكرية ومراكز الأبحاث التي تعني بهذا الشأن أن تساهم في توضيح وشرح هذا المعنى الذي يحمل الكثير من الأهداف التربوية الإنسانية النبيلة بشكل تحدد فيه فلسفة الأمن ورسم إستراتيجيته على أساس دراسة أسباب الجريمة ودوافعها ووسائل المقاومة الكفيلة بالحد من فرص ارتكابها، وفقاً للأسباب العلمية الحديثة، فإن الظواهر الإجرامية لا تلبث أن تنحصر تدريجياً، ويصبح الأمن والاستقرار بديلاً عن الاضطراب والفوضى.
المصادر:
· تحولات مفهوم الأمن الإنساني / أ. محمد المهدي شنين.
· المالكي، عبد الحفيظ عبدالله (2009), الأمن الفكري مفهومه وأهميته ومتطلبات تحقيقه. دراسة منشورة في مجلة الأبحاث الأمنية. العدد (43), أغسطس 2009. كلية الملك فهد الامنية. الرياض.
· الفلسفة الغائية للأمن/ يونس عاشور