المجتمع المدني العالمي - "مكوناته الثقافية ومقوماته الفلسفية"
استقر الرأي من خلال الدراسات الأكاديمية والميدانية والمتابعة التاريخية لنشوء وتطور المجتمع المدني على أنه "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة voluntary organizations set free التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها" هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير ثقافية كالاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.
مكونات المجتمع المدني الثقافي Cultural components of civil society:
يدخل في دائرة مؤسسات المجتمع المدني مكونات منهجيه ثقافية عقلانية طبقا لهذا التعريف الآنف الذكر أي كيان مجتمعي منظم يقوم على العضوية المنتظمة والمتمرتبة تبعا للغرض العام سواء في المجال المهني أو العمل التطوعي، ولا تعتضد فيه العضوية على عوامل وفواعل الوراثة وروابط الدم والولاءات الأولية مثل الأسرة والعشيرة أو الطائفة والقبيلة، وبالتالي فإن أهم مكونات المجتمع المدني هي :
- النقابات المهنية
- النقابات العمالية
- الحركات الاجتماعية
- الجمعيات التعاونية
- الجمعيات الأهلية
- نوادي هيئات التدريس بالجامعات
- النوادي الرياضية والاجتماعية
- مراكز الشباب والاتحادات الطلابية
- الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال
- المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئ.
- الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر
- مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية.
ويتكون المجتمع المدنى من الهيئات التي تسمى في علم الاجتماع بالمؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية وما شابهها من المؤسسات التطوعية. والمقصود بالتصويب للمجتمع المدني هو تمكين هذه المؤسسات الأهلية من تحمل مسئولية أكبر في إدارة شئون المجتمع كى يصبح مداراً ذاتياً إلى حد بعيد. وهكذا يستبعد من المفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الإثنية أو المذهبية أو الدينية. كما يستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية، ويبقى بذلك في نطاق المجتمع المدني المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي. ومن المهم ألا نستنتج أو نُستَدرج من فهم هذا التعريف أن التعارض مطلق بين المجتمع المدني والمجتمع الرسمي أو الدولة، فلا يمكن قيام مجتمع مدني قوى في ظل دولة ضعيفة بل هما مكونان متكاملاً يميز بينهما توزيع الأدوار وليس الانفصال الكامل بل الاتصال الفعال المتواصل اللازم.
والمجتمع المدني هو من حيث المبدأ، نسيج متشابك بقدر ما هو متماسك من العلائق التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهى علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف أو تقاسم الحقوق والواجبات والمسئوليات،
فإن هذا النسيج هو نسيج أخطبوطي من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية سوسيولوجيه واقتصادية وثقافية وحقوقية ذات عدوى متعددة المسارات والاتجاهات المنفعية بمفهومها السوسيو-اكلينيكي التي تصب في الهدف المرجو لتشكيل القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى.
وللمجتمع المدني مقوماتElements of civil society لا حصر لها، سنحاول في الشق الثاني من هذا البحث التركيز عليها ومناقشتها وتبيين أهميتها وفاعليتها في صيرورة مجتمع مدني عالمي.
المقوّم الرئيس والأساس لانبثاق وولادة مجتمع مدني حضاري يكون بمستوى العالمية (الكوسموبوليتي) هو إيجاد سيرورة مضمارية فلسفية محضة نحو حيازة المسألة التعليمية بمفهومها الحداثي والتقني وبمستوياتها التجديدية ومعطياتها التعددية بدراسة مفهوم الكل التكاملي الذي يكمن في إيجاد منهج شامل متكامل يقوم بإحداث انفجار فكري ومعلوماتي على كافة النواحي الحياتية وما نحتاج إليه هو القيام بقولبة شاملة لكل المناهج والمفاهيم العتيقة وإدخالها في بوتقة معالجاتية نقوم بصهرها على نحو شاكلة خلاقة تتغير معها العلاقة باستمرار وتكرار نفعي، فعلى الصعيد العلمي أو ما تقاس به المجتمعات اليوم هو المسألة التعليمية وكيفية تنهيجها تنهيجاً حداثياً سواء على المستوى النظري أو المستوى التطبيقي والعملي.
لقد قطعنا شوطاً كبيراً في السنون الأخيرة نحو المسألة التعليمية منذ ما يقارب الخمسون عام أو أكثر في الوطن العربي وعلى المستوى القياسي الافتراضي الذي كان يقتضي فيه أن تنهض مجتمعاتنا نهضة شاملة تكون بمسافة قريبة من المجتمعات التقدمية الصناعية الكبرى على الأقل إلا انه من الملاحظ لم نصل بعد إلى عتبات ومداخيل الحداثة العلمية.
إن دراسة الأساليب أو تفعيل المنهج الأسلوبي لهو كفيل بأن يوجد شبكات وقواعد ذات مشتركات غائية. إن من سمات طبيعة المسألة التعليمية هو المفهوم التراكمي لأنه إذا لم تتوافر لدى مجتمعاتنا حصيلة ضخمة من معارف للأسبقين وخبراتهم فإن أساليب المنحى التعليمي تضل مقصورة ومحدودة المعطى، ربما لا تكون هذه المعارف والخبرات أو المناهج والمقررات السالفة صحيحة كلية إلا أنها فيها من الصحة ما يفي المجتمع اليوم لأن يستخرج نقاط انطلاق إلى عمل المستقبل فالعلم كيان دائم النمو من المعارف المبنية على تتابع التصورات والأفكار، بل تعاقب خبرات، والعلم في أي زمان هو محصلة معطيات العلم حتى هذا الزمان ألا أن هذه المحصلة ليست جامدة فالمسألة التعليمية ليست أبعد من تكون مجرد تجمع لكل الحقائق والقوانين والنظريات المعروفة.
إن آليات التفكير في وضع أسس وثوابت عديدة وإرساء قواعد وضوابط جديدة ننطلق منها لهو أجدى وانفع لنا بمشاركة الخبراء الزمنيين على الصعيد التعليمي ومجالاته المختلفة وأبعاده المتعددة.
ثمة أمور كثيرة لا حصر لها في كيفية تقويم مجتمع مدني حضاري عالمي تهدف إلى إنشاء خيوط عريضة تمكننا من الهدي للوصل إلى المبتغى والمرتقب وبالتالي تأسيس ما ينبغي تأسيسه وتكوين ما يجب تكوينه وتقويم ما يقتضي تقويمه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
-الفعلالإراديالحرأوالتطوعي:
من اللازم على المجتمع إشاعة مفهوم الأعمال الاختيارية الذاتية التي من شأنها خلق روح فاعلة نحو المساهمة في كافة الأفعال التي تخدم المجتمع وتجعله مجتمعاً براغماتياً ديناميكياً في التحرر من هيمنة الأنا إلى التحلي بالمسؤوليات والواجبات التي تهدف إلى تقدم المجتمع على الصعيد الحياتي.
وهذا ما هو ملاحظ ويلاحظ لدى المجتمعات الأخرى بأن الاهتمام نحو الموضوعات التطوعية لهو أمر مهم في كيفية إيجاد مفهوم نهضوي لمجتمع حداثي تقدمي.
-التواجدفيشكلمنظمات:
إن إحراز المفاهيم التقدمية يقتضي تشكيل منظمات أهلية تتيح للمجتمع التواجد والدخول من شتى الميادين المختلفة وعلى أكثر من صعيد واتجاه لمجابهة أشكال التخلف والتأخر والفوضى التي قد تخترق سياج المجتمع عند وجود ثغرات أو فوهات قد تنشأ عند التقصير وعدم التفكير في الآفاق المستقبلية والمقومات الفلسفية المرهونة بتقدم المجتمع.
-المفهوم الفلسفي في قبولالتنوعوالاختلافبينالذاتوالآخرين.
إن قبول التنوع والاختلاف بين بني البشر لهو أمر طبيعي وفطري، على الإنسان تقبلهُ بروح رياضية وثقافية بعيداً عن الاعتباطات والرهانات الفردية التي منشأها حب الذات. إن سمو الذات تنبع من ثقافة عقلانية فلسفية يتحلّى بها الإنسان الموضوعي الذي يدأب لأن يؤقلم ذاته مع من يختلف ويسعى لأن يتآلف مع الآخرين بالانخراط معهم في المشتركات البناءة التي تقوّم منهجيته التفكيريه إلى منهجية تقريرية للذات والمصير الحياتي.
ومن مقومات المجتمع المدني الاستقلالية عن كل الضغوطات الخارجية الرسمية أو شبه الرسمية والتخصص في الأعمال والمشاريع التي تنفع المجتمع البشري بصفة خاصة والمجتمع الإنساني بصفة عامة، واحترام الشرعية القانونية والتنظيمية للجمعيات والهيئات المدنية. أي لايمكن لجمعية أو هيئة أو منظمة مدنية أن تشتغل إلا في ضوء القانون واحترام مبادئ الدستور وكل القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة، لكي لايستغلها ضعفاء النفوس لتمرير أهوائهم الإيديولوجية وارتكاب الأفعال المشينة التي تضر بالمصلحة العليا للدولة أو بمصلحة الشعب أو بمصالح الأعضاء الذين ينتمون إلى هذه المؤسسات غير الحكومية.
ومن المقومات الأخرى لهذا المجتمع نستحضر تكامل المجتمع المدني مع الدولة عن طريق البحث والتحقيق وتقديم الاقتراحات والاستشارات و إعلان الاحتجاج البناء والنقد الهادف أو المساهمة في التغيير والتطوير والبناء الفعال لصالح الإنسان مع تحقيق التنمية الشاملة.
وينبني المجتمع المدني كذلك على مجموعة من الشرائط الجوهرية Condition Of essential كتحقيق الديمقراطية وإرساء دولة الحق والقانون للانسان والاعتراف بحريات المواطنين الفردية والجماعية، وتكوين نظام انتخابي تمثيلي شفاف ونزيه يخدم مصلحة الوطن والشعب على حد سواء. ومن ثمة، فعلاقة الديمقراطية بالمجتمع المدني علاقة وطيدة، لأن الديمقراطية تساهم في: "دعم استقلالية مبادرات المجتمع المدني بالتوسع في تنظيم الجماهير وإقامة مؤسسات المجتمع المدني، والسير إلى طريق التنمية الوطنية National development المعتمدة على النفس للحد من العلاقات اللامتكافئة، وتحقيق قدر مناسب من العدالة الاجتماعية، تمكن المجتمع المدني من ممارسة دوره في دعم التطور الديمقراطي للمجتمع. ويحتاج السير بنجاح إلى طريق التطور الديمقراطي على ثقافة ترسخ في المجتمع التعاون واحترام الآخر والتنافس والصراع السلميين."
تلكم كانت بعض النقاط والمقومات المهمة والرئيسة لسيرورة تقويم مجتمع مدني حضاري تتطلب منا المراجعة والتنقيح باستمرار لمعرفة الماهيات والأسس التي بموجبها تساهم في عملية الإرشاد المتتابعة وبالتالي الإنقاذ والتوجيه الصحيح.
مصادر الدراسة:
· نشأةوتطورالمجتمعالمدني:مكوناتهوإطارهالتنظيمي للأستاذ/ عبدالغفار شكر.
· العلم في التاريخ - ج/1 تأليف جونز ديزموند برنال.
· مقالات ودراسات في أسس وكيفية تقدم المجتمعات/ يونس عاشور.
· المجتمعالمدنيأساسالتنميةالبشريةفيالعالمالعربي/ أ. جميل حمداوي.