"المسيحيُّون العرب"
في السبعينات الماضية كان لبنان غارقاً في الحرب والفتنة. وهجر بعض صحافته الى باريس ولندن. وكان في طليعة المهاجرين فلسطيني لبناني من القدس وصاحب "حارة النصارى" الراحل نبيل خوري. وفي باريس أنشأ نبيل خوري مجلة "المستقبل" وضم اليها أبرز الكتاب العرب من كل مدينة وقطر. وذات مرحلة نشر أحد كتابها على حلقات، كتاباً بعنوان "المسيحيون العرب". وكان على نبيل خوري ان يقرأ في مجلته، أسبوعا بعد أسبوع، ان "المسيحيين العرب" هم فادي أفرام قائد مقاتلي "القوات اللبنانية" في تلك المرحلة، وأعضاء "الجبهة اللبنانية" في عوكر.
هؤلاء هم "المسيحيون العرب"! ليسوا أحمد فارس الشدياق، ولا أبو محمد مارون عبود، ولا ميشال عفلق ولا نجيب العازوري، ولا جورج أنطونيوس، ولا جورج حبش، ولا نايف حواتمة، ولا جورج حاوي، ولا كمال ناصر، ولا وديع حداد، ولا اليازجيّان، ولا مكرم عبيد. ولا أحد. انهم السيد فادي أفرام. وكان على نبيل خوري، القادم من القدس، ان يقرأ في مجلته، أسبوعاً بعد أسبوع، ما كتب عن المسيحيين العرب تحت أنفه، او برغمه.
ما هو مقياس الانتماء الى العروبة؟
انه مقياس الانتماء الى اي شيء: الصدق. لكنني كنت اضيف الى ذلك ان على المسيحي، من أجل ان يثبت عروبته، ان يتقدم في ذلك على المسلم فرسخين. على الأقل. وقبل صدور كتاب "المسيحيون العرب" بكل وثائقه، التقيت الاستاذ محمد حسنين هيكل في فندق "البيار" في نيويورك. وقلت له، عرضاً، اذا كان شرط العروبة هو الإسلام فنحن مستعدون لإشهار إسلامنا، لكننا لن نكون شيئاً آخر. وضحك طويلاً. وقال: "هل تدري من قال لي هذا الكلام؟". قلت، من؟ قال ضاحكا: "البابا شنودة".
ذهب الكاتب جوزف سماحة الى لندن للتعزية بالكاتبة والرسّامة والناشرة ميّ غصوب. وبعد أسبوع من وفاتها خطفه الموت شاباً وكاتباً ومفكراً. كلاهما عدّ في باب خسارة الفكر والثقافة والخلق. لكن البند الاول في تدوين فقدانهما كان بند المسيحيين العرب. فقد فقدت ميّ غصوب عينها وهي تساعد في إخلاء جرحى مخيم "تل الزعتر"، وكرّس جوزف سماحة حياته لعنوان واحد هو القضية الفلسطينية. ولم يسبقه في تكرسه أحد، ربما، سوى سمير قصير الذي كان يقتضي ان يُلفَّ بعلم فلسطين فوق علم لبنان.
كان هناك جيل من طلائع التألق والثقافة بين المسيحيين، ارتفع بالعروبة من مستوى الفرضية الى رفعة الالتزام. انه عربيٌ بالخيار لا بالولادة. وعندما كانت "المستقبل" تنشر مسلسلها عن المسيحيين العرب والسيد فادي أفرام، كان أحد كتابها أيضاً طليعي وملتزم آخر هو أمين معلوف، الذي سيبدأ حياته الأدبية بالفرنسية في ما بعد في كتابه "الحروب الصليبية كما رواها العرب"، والذي سيضع لاحقاً تحفته "الهويّات القاتلة" التي ينقل فيها مستوى البحث في وجوديّات الانتماء من سطحيات التحريض الدائم كسلوك ونهج، الى عمق البحث وارتقاء الموضوعية وعظمة الموهبة.
طالما نظرتُ بازدراء الى روحية الثأر. فهي من صفات الفيل ومن أخلاقه. وكانت أسوأ وأفظع تهمة عرفتها في حياتي، تهمة التحريض. فما أبشع وأقبح ان ينحدر الإنسان، حتى الوضيع، الى درك التحريض. ولكن كلما غاب مسيحي عربي من طراز جوزف سماحة أو مي غصوب، تعود الى ذاكرتي تلك الصفحات التي اتَّسع لها صدر نبيل خوري، وهو يقرأ في عقر مجلته ان تاريخ المسيحيين العرب كله قد أصبح في عوكر.
كان جوزف سماحة، مثل سمير قصير، مثل ميّ غصوب، نموذجاً للمسيحي الذي لا تكفيه قضية عربية واحدة. كان يريد ان يكون لكل القضايا، كل يوم، كل السنوات. وكان يبحث في كل قضية كبرى عن مجموعة من القضايا الصغيرة لكي يدافع عنها. وكان يفعل ذلك بأسلوب راقٍ، خالٍ من الخطابية والادّعاء والفوقيات وتوزيع علامات الاجتهاد. فالعروبة عنده لم تكن تجارة ولا تجوفات صوتية، ولا طبولاً خارجة دوماً الى مُنازَلة طبول اخرى، بل كانت موقفاً مقدّساً في الأعماق، بكل ما يقتضي ذلك من دأب وتَكرُّسٍ وتضحية وتَرفُّع وحُبّ.
ومثل سمير قصير وميّ غصوب، ساعدتْه في دأبه، ثقافةٌ واسعةُ الآفاق والأعماق. وكان جيله جيل اليسار العقلاني الكاره للفظاظة والدماء. ولم تكن حدود لبنان هي حدوده، بل حدود الأمة. وقد أدخل كل شيء في إطار الالتزام الثقافي حتى الفن، كما فعل فواز طرابلسي، على رغم ما مُنيَ به اليسار العربي من اخفاقات ومصائب، من فلسطين الى عدن، مروراً طبعاً ببيروت.
وخلافا لليسار المعلّب والمغلّف بكلمات وجمل ولوازم لا معنى لتكرارها، حافظ جوزف سماحة على أرفع المستويات الصحافية الخلاقة والمهنية. والتزم قواعد الأخلاق وابتعد عن التجريح الشخصي ولم يدخل يوماً مدرسة الابتزاز ولا قاربها ولا أغراه شيء في المهنة سوى إبداع الحبر.
أكثر ما يتضع الإنسان حين يضع أشياء فسيحة كالعروبة ضمن خانات صغيرة كالطائفية. او عندما يفاخر بالفروض والواجب. ولكن في زمن انضمَّ الى العروبة وأدّعاها الأنبياء الكّذّبة وتجّار الجملة والمفرق، كان لا بد من ان نضع ذكرى رجال مثل جوزف سماحة وسيدات مثل ميّ غصوب، في إطار الكفْر بزمنٍ يوزِّع فيه شهاداتِ القومية كهّانها الجدد وعرّافوها القدامى وتجارها الدائمون. ولكن قبل أي شيء، يظل جوزف سماحة فقيد الصحافة المحدثة وتظل ميّ غصوب فقيدة الريادة في النشر المحترم.