غياب مثقّفة أصيلة

سمير عطا الله قرأها 6
 

منذ ان قرّر الأخَوان «غونكور» في فرنسا ان يكرِّسا الثروة التي ورثاها في سبيل الكتاب والنشر، أصبح اسم الناشر مرادفاً لاسم6yyyyyyyyyyyyyyyy34y6gtresrgettg45g5.JPG المؤلف، بل أصبح اسم الناشر هو الشهادة لمؤلف جديد. وفي بلدان مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا. صار القارئ يشتري كتابه الجديد استناداً الى ثقته بالناشر واحترامه له. وهكذا برزت أسماء مثل الفرد كينوبف في نيويورك وماكميلان في لندن و«البان ميشيل» في باريس. ومع السنين نمت لدى الناس قناعة بأن الكاتب قد يسفّ ويسقط لكن الناشر المحترم لا يستطيع ان يغامر مرة واحدة بأي زلل.

كانت مي غصوب ناشرة على مستوى الاحترام والثقة وبعدما كان النشر في معظمه في أيدي تجار الجملة وباعة المفرق أصبح في وجود ناشرين مثلها، في أيدي المثقفين وكبار المستحقين. وكان المرء يفخر في ان يعطي مخطوطته «لدار الساقي» ضامنا لعمله ولنفسه الاحترام. ولم تثق مي غصوب في النشر العربي وحده بل أصدرت من مكتبتها المتواضعة في «ويستبورن غروف» عدداً من أرقى كتب التراث، الإنكليزية. وسلمها أدباء كبار مثل أدونيس كل مؤلف جديد، وهم مطمئنون الى رعايتها للكتاب وشغفها المستدام بالفن والفكر والأدب. وكان حديث الكتب مع مي غصوب جميلاً وله ايقاع. فقد كانت تتحدث عن الكتاب كأنها تتحدث عن طفل او عن حديقة ازهرتْ للتّو. وقد احترمت النصوص التي أُوكِلت اليها ولم تقحم النشر في التهريج او الابتزاز. ورسمت لنفسها قواعد وحدوداً وضعت سمعة نادرة في حقل ذي شوك وزرعه قليل.

تعاملتْ مع الكتاب على انه إناء من الكريستال. يجب أن يكون شفافاً مهما كان عميقا. وتعاملتْ مع المؤلفين على انهم شركاء في النشر. وفي كل عام تصلني من «دار الساقي» لائحة حول مبيع كتابين نشرتهما لي الدار، تشبه في دقتها حركة الوصول في مطارات السويد. وكذلك في نظافتها وفي ترتيبها.

نادرا ما ذهبتُ الى لندن من دون ان أزور مكتبة الساقي. وكنتُ أمضي فيها بعض النهار وانا أسأل مي غصوب عما يجب ان أقرأ من آخر الكتب. وكانت موضوعية الى حد التصوّف. دائماً تخشى ان تظلم مؤلفاً او ان تغشَّك بآخر. فالناشرة الراقية ظلَّت أبدا فنانة مسحورة بحرفة العطاء وصناعة الإبداع. وكان عالمها البسيط والصغير مليئاً بالموسيقى والمسرح والرسم والنحت. وكانت مشغوفة بقضايا كثيرة ومسكونة بقضية المرأة العربية. وكانت تشعر بالقهر لحال النسوة العرب وبالشفقة لحال الرجل العربي.

الشرق الأوسط