مقهى التـَّنابل
إن السيد أبا زعرور الجَلَقَة هو مِن أكثر مَن عرفتُ تنبلةً وكسلاً وقلة حيلة وميلاً إلى الصَّفْن والاسترخاء، وهو صاحب الفكرة الشهيرة التي باح بها لأحد زملائه في مقهى التنابل قائلاً إن الله -جل جلاله- خلق أشياء تبدو عديمة الفائدة، الأرجل مثلاً!
حكى لي أبو زعرور حقيقة ما جرى في مقهى التَّنابل في عصر ذلك اليوم الصيفي، حينما علم حضرتُه بوفاة والدته، رحمة الله عليها، قال:
- كان الحر، يا أستاذ، يحلُّ الأجسام، ويكاد يذيبها كما تذيب النار الحامية الألعاب البلاستيكية الرقيقة. وكان الذباب يطنُّ حول الأنوف والآذان، ولم يكن بيننا، نحن التنابل المتواجدين في المقهى، مَن يمتلك مِن العزم والمروءة ما يكفي لأن يرفع يده ليكشَّ الذبابة الطائرة، المستقتِلة في سبيل إيجاد شيء تأكله أو تلحسه، ولا حتى يضع يده في طريقها لكي يحوِّل خط سيرها الذاهب باتجاهه في اتجاه آخر، ومعظم الأراكيل التي كان يدخِّنها الزملاء التنابل انطفأتْ، لأنه لا يوجد لدى أحدهم (حيْل) لأن يسحب منها نَفَساً لكي تبقى مشتعلة. وفجأة، دخل زميلنا التّنبل أبو رستم الحنتكوري، وقال موجهاً كلامه إلي: "يا أبو محمد أمُّك ماتت!".
قالها ببرود قاتل، وسارع إلى الجلوس، ورخي البدن، وأما أنا فأخذت أنتف شعري، وألطم خديَّ، وأبكي، وأنتحب،.. ثم خرجتُ من باب المقهى مثل السهم، كأنني لم أكن تنبلاً في يوم من الأيام، وركبتُ الموتوسيكل.. وانطلقتُ بسرعة الريح باتجاه حارتنا، لألقي نظرة الوداع الأخيرة على أمي الغالية، ولأرى ما يجب علي فعله في سبيل إيصالها إلى مثواها الأخير!
قلتُ متشوقاً:
- وهل ماتت أمُّك بالفعل، أم أن تصرُّف أبي رستم كان ينطوي على شيء من المزاح والتقفيل؟
قال:
- جاييك بالحكي يا أستاذ. الحقيقة أنني قبل أن أصل إلى حارتنا اعترضتْني مشكلةٌ لا تقل أهمية عن وفاة أمي، وهي أنني، أساساً، لا أمتلك موتوسيكلاً، وهذا الذي امتطيته لم يكن لي بالتأكيد، مع أن مفتاحه كان عليه! وقلت لنفسي إن عملي هذا يدخل في باب السرقة المكشوفة، في وضح النهار، وحتى لو لم يكن صاحب الموتوسيكل قد انتبه إلى أنني أنا الذي أخذته، ولكن الأمانة- التي دأبت المرحومة أمي على حثي عليها- تقضي بأن أعيده إليه في العجل، لذلك استدرت وعدت أدراجي نحو المقهى. وفي طريق عودتي اعترضتني مشكلة لا تقل أهمية عن المشكلتين السابقتين، هل تدري ما هي؟
قلت:
- لا والله، لا أدري ما هي.
قال:
- حينما دخل زميلي أبو رستم الحنتكوري إلى المقهى، وأبلغني أن أمي، رحمة الله عليها، توفيت، كنت قد نسيت تماماً أن أمي توفيت منذ خمسة عشر سنة، وأنه من أكبر المستحيلات أن تكون الآن قد توفيت مرة أخرى!
بصعوبة بالغة استطعت أن أكتم ضحكتي، وقلت لأبي زعرور:
- أنت، بالفعل تنبل نموذجي يا أبو زعرور!
قال:
- والأغرب من ذلك، يا أستاذ، أن أبا رستم لم يكن يخاطبني أنا، بدليل أنه قال (يا أبو محمد، أمك ماتت)، وأنا متلما بتعرف إسمي أبو زعرور مو أبو محمد!
دنوت من أبي زعرور، وقلت له بهمس:
- بشرفي يا أبو زعرور قِصّتك رائعة، وبدوري سأقول لك سراً، وأنا متأكد من أنك لن تذيعه، لسبب بسيط هو أنك ما عند (حيْل) لأن تحكيه لأحد، لأن الحكي يتطلب مجهوداً كبيراً وحرق حريرات! إن قصَّتك هذه تشبه مشاريع الإصلاح التي طبِّقتْ علينا خلال بضع السنوات الأخيرة. فالسادة المصلحون لا يعرفون أسماءهم، ولا عناوين المحاولات الإصلاحية التي يقومون بها، وليس لديهم آليات يركبونها وينطلقون بها بسرعة البرق، لكي يوصلوا عملية الإصلاح إلى مثواها الأخير، وهم غير متأكدين من أن الإصلاح ضروري للمجتمع أم لا، وإن كان ضرورياً فأي ماركة من ماركاته هي الأفضل، والأكثر مبيعاً!