حنا مينه في إسكندرون واللاذقية
بتاريخ 25 / 12 / 2004 التقى كاتب هذه الأسطر مع الروائي المعروف حنا مينه في بيته بدمشق. لم يكن الهدف من اللقاء معرفة حياة الروائي وأعماله، بل كان القصد التعرف على النشاط الشيوعي، الذي شارك فيه بحميّة الشاب حنا مينه، في كل من إسكندرون واللاذقية. ونقل ما جادت به ذاكرة ابن الثمانين عاماً الروائي حنا مينه(1).
على أثر مذابح الأرمن في الأناضول في آذار 1915 التجأت أعداد كبيرة من الأرمن إلى إسكندرون، ومنها انتقلوا إلى جهات أخرى. لعب الجناح اليساري من الأرمن دوراً في تعريف الناس بالشيوعية. وتأسس أول مكتب للحزب الشيوعي في إسكندرون أيام حكم الجبهة الشعبية في فرنسا أواخر عام 1936. وترأس المنظمة الشيوعية الناشئة الأرمني أرتين ماخيام والعربي قاسم رضوان، الذي كان عاملاً في المرفأ. عام 1938 زار زكي الأرسوزي إسكندرون قادماً من أنطاكية، وافتتح مكتباً لعصبة العمل القومي. وعندما اعتقلت السلطات الفرنسية الأرسوزي قامت مظاهرة في إسكندرون قُتل فيها الشيوعي عبد المسيح(2)، وكان حنا إلى جانبه.
افتتح الحزب الشيوعي في إسكندرون مكتباً علنياً في أجواء انتصار الجبهة الشعبية ومجيء مستشار فرنسي يساري إلى إسكندرون. في تلك الأثناء قدِم خالد بكداش إلى إسكندرون (فخرجنا لاستقباله يتقدمنا أرتين ماخيام وقاسم رضوان. وفي اليوم التالي جرت حفلة خطابية في سينما روكسي خطب فيها ابن عبده ين(3) من عصبة العمل القومي، ثمّ تلاه خالد بكداش فأدهش الناس وهم يسمعون خطبته. وأنا لم أسمع خطيباً مثل خالد بكداش. كان الحشد كبيراً والازدحام لا يوصف. وقد تمزّق بسبب الازدحام أول جاكيت ألبسه اشترته لي أمي).
عام 1938 تمّت المؤامرة بين تركيا وفرنسا _ حسب تعبير مينه - وأُعطي اللواء إلى تركيا، ودخل الجيش التركي إسكندرون. عام 1939 جرت هجرة الأرمن والعرب من لواء إسكندرون. وذكر مينه أنه كان ابن ستة عشر ربيعاً عندما هرب في أيلول عام 1939 من إسكندرون إلى اللاذقية عن طريق كسب. وخوفاً على الأرمن وضعت فرنسا بواخر لنقلهم من ميناء إسكندرون إلى أماكن أخرى. و(يمكن الرجوع إلى روايتي الفم الكرزي، التي تتحدث عن وضع الأرمن). التجأ إلى اللاذقية أيضاً أرتين ماخيام وقاسم رضوان. ولم يكن في مدينة اللاذقية عام 1939 شيوعيون. سنة 1940 جاء إلى اللاذقية عبد الجليل سيريس(4) لتنظيم الشيوعيين. (وأسَّسنا) - والكلام لمينه - (أول خلية شيوعية في اللاذقية بقيادة قاسم رضوان). وعندما بدأ الفرنسيون الفيشيون برئاسة الجنرال دانتز بملاحقة الشيوعيين طُلب من حنا مينه أن يذهب إلى كسب للمشاركة في قيادة الشيوعيين هناك تحت اسم (جواد). وكانت المنظمة الشيوعية الأرمنية بقيادة الحداد إسحاق حنانيان. وأردف مينه: (إن هذه الأمور موضحة في رواية الفم الكرزي, التي تُرجمت إلى الأرمنية).
بعد هرب الفيشيين والجنرال دانتز ودخول الفرنسيين الديغوليين مع الإنكليز توقفت ملاحقة الشيوعيين فعاد مينه إلى اللاذقية وفوجئ بأن الشيوعي قاسم رضوان وعمره أربعين سنة (اغتيل في ظروف غامضة), ولايزال القاتل مجهولاً.
عمل حنا حمّالاً (عتّالاً) في المرفأ، ومن تلك الحياة استوحى روايته (نهاية رجل شجاع). (كان العمل الحزبي الشيوعي صعباً في اللاذقية. وشرعنا في تأسيس نقابات في المرفأ وفي شركة الريجي. وتفاصيل ذلك موجودة في رواية (نهاية رجل شجاع).
كان يصل إلى اللاذقية 25 عدداً من جريدة (صوت الشعب). وكان حنا يبيع الجريدة الشيوعية علناً في الشوارع. ويمضي مينه قائلاً: (كنت أبيع بين عشرة وخمسة عشر عدداً حسب التيسير. وكانت هناك صعوبة في توزيع الجريدة بسبب مقاومة الإقطاعيين. أزلام الإقطاعيين لاحقوني وضربوني بالخنجر ليلاً في أحد الشوارع، وظنوا أنني قد متّ. لم أذهب إلى المستشفى خوفاً من معاودة الاغتيال).
(بعد حادثة الاغتيال هذه بمدة) - يمضي حنا مينه متحدثاً - (ذهبت إلى بانياس ومررت على صديقي أبي حبيب وهو صاحب دكان. عندما دخلتُ اصفرّ وجه أبي حبيب، وخاف سوء العاقبة. كان في الدكان ثلاثة من زلم الإقطاع يشربون عنده، أذكر منهم يوسف خلاص. لم أتراجع وتذكرت قول الشاعر معين بسيسو: (الصمت موت، والقول موت، قلها ومت). دخلت واتجهت إلى حيث يجلس زلم الإقطاع، وعرّفتهم باسمي وبدأت أتحدث إليهم وشربت عرقاً معهم.
قالوا لي: أنتم ملحدون.
أجبت: نحن لسنا ضد الدين، نحن نؤسِّس نقابات للدفاع عن العمال ونطالب بإصلاح الطرق.
قال يوسف خلاص: ... أخت اللاذقية، ما فيها رجال تقتل حنا مينه. كنا نظن حنا مينه رجّال كبير، فإذا به نحيل لطيف.
قلت: يا يوسف أنا أمامك اقتلني.
فأجابني بالحرف الواحد: (لا لن أقتلك، وعار علينا أن نقتلك بعد أن صار بيننا خبز وملح وعرق).
ذكر حنا مينه أن الشيوعيين أخذوا ينشطون في بعض قرى اللاذقية. وكثيراً ما كان برفقتهم بدر مرجان المسؤول عن منظمة الشيوعيين في الساحل، وكان يأتي من طرابلس من باب التبانة. وبعد اللقاء مع الفلاحين وخروجنا من الاجتماع كان بدر يبقى معهم ويتحدث إليهم. ويقول مينه: (كان بدر يحكي معهم خمس كلمات يفهمونها أكثر من أقوال كارل ماركس. وعندما أتى وهيب الغانم حكى معهم ست كلمات فقشّطنا من كان معنا من الفلاحين وراحوا مع وهيب).
سنة 1947 جرت الانتخابات النيابية، وترشَّح وهيب الغانم ممثلاً لحزب البعث. يقول مينه: (تلقينا تعليمات من الحزب "الشيوعي" في دمشق: اعْملوا حتى لا ينجح وهيب الغانم في الانتخابات). وذهب مينه إلى بلدة كَسَب حيث للشيوعيين قوة بين الأرمن، وعمل مينه على منح أصوات الناخبين، وكان عددهم كبيراً في كَسَب، إلى أمين رويحة وبدوي الجبل، ولم يفز الغانم عام 1947 بالنيابة. وبعد ذلك أخذ بدوي الجبل يردد: الشيوعيون انتخبوني ليس حباً بي بل كرهاً بوهيب الغانم.
ذكر حنا أن من الشيوعيين المعروفين في اللاذقية آنذاك: طبيب الأسنان محمد الحاج حسين وأصله من جسر الشغور، عبد الرحمن مسبوت، عز الدين نعيسة من ريف اللاذقية (بسنادة). كما زار منظمة الحزب من دمشق نجاة قصاب حسن.
وبعد مضي تسع سنوات على إقامة حنا مينه في اللاذقية قادماً من إسكندرون غادرها إلى دمشق عام 1948، حيث بدأ نجمه يصعد تدريجياً مع روايته (المصابيح الزرق) وعمله في الصحافة والسياسة، ومن ثمّ رحيله إلى المجر هرباً من (المباحث السرَّاجية). وأخيراً إقامته في الصين وعودته إلى الوطن. وهو يحمل الآن على منكبيه ثلاثين رواية تُقرأ في سائر أصقاع العالم العربي ...
(1) وضعنا بين قوسين ما نقلناه حرفياً عن مينه أما بقية النص فهو نقل غير حرفي أو ملخّص, وأحياناً توضيح لما تحدث به الروائي الكبير.
(2) لم يتذكر حنا نسبته.
(3) كان ابن عبده يني يُلقب بالفيلسوف، وله ابن رُسم كاهناً في دمشق، وهو صاحب أول مطبعة في إسكندرون, وفي هذه المطبعة كانت تطبع جريدة (اللواء).
(4) انتخب عبد الجليل سيريس, وهو من حلب, عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عام 1937، وواضح أن زيارته للاذقية هدفها تأسيس منظمة شيوعية.
النور