أعاصير المباحث السلطانية في الرواية اليوسفية

عبدالله حنَّا قرأها 10
 

أعاصير المباحث السلطانية في الرواية اليوسفية

عبدالله حنا

المقصود بالرواية اليوسفية كتاب يوسف أبيض الصادر مؤخراً تحت عنوان (في قلب الإعصار). والمؤلف من كوادر الحزب الشيوعي السوري الناشطة في خمسينيات القرن العشرين في كل من دمشق وغوطتيها.

 وهو يروي في هذا الكتاب قصة اعتقاله وتعذيبه وإلقائه في سجن المزة بين عامي 1959 و1961. المدة التي قضاها في السجن بلغت ألفاً وثمانين ليلة، قضاها متنقلاً بين منفردات السجن في الطابق العلوي، وزنزانات أبو ريحة في الطابق السفلي، وغرف العزل، وأخيراً في المهجع، الذي ضمّ البقية الباقية من الشيوعيين الصامدين في وجه الإرهاب والتعذيب دون أمر قانوني بالاعتقال ولا من يحزنون. وقد أمضى يوسف أبيض هذه المدة الطويلة دون أن يلتقي بقاض أو يحال إلى محاكمة. هذه هي المباحث السلطانية وريثة الاستبداد السلطاني المملوكي العثماني، وهي بعيدة كل البعد عن تراثنا الحضاري الإسلامي بأبعاده الديموقراطية ومحتواه المترع بالحرية.

* * *

أمثلة عديدة ساقتها الرواية اليوسفية حول تصرف المباحث السلطانية ودوسها بالأقدام للقوانين والأنظمة والأعراف، نسوق هنا أحد النماذج حول كيفية اعتقال مدرس اللغة العربية القاص سعيد حورانية (وهو من حي الميدان بدمشق) من قبل رجال المخابرات، الذين اقتحموا المدرسة وحاولوا اعتقاله، فتصايح بغرض إعلام أهله باعتقاله ولفت أنظار الطلاب، الذين حاول بعضهم الدفاع عن أستاذهم. وبعد معركة غير متكافئة جروه إلى السيارة. وهنا سألهم سعيد بلغة قانونية: (أروني هوياتكم و لأعرف من أنتم).

فأجابه أحدهم بلكمة أفهمته من هم!

* * *

لم يكن الحزب الشيوعي، كما يُشاع, ضد الوحدة العربية, بل هو من أوائل الداعين لها كما هو واضح من وثائقه منذ عام 1931. وموقف التحفظ من قيام الوحدة الاندماجية بين سورية ومصر عام 1958 كان موقفاً من الحكم الشمولي ودفاعاً عن الديمقراطية المزدهرة بين عامي 1954 و1958 في سورية بعكس مصر.

كانت الوحدة بين القطرين العربيين سورية ومصر الحلم الذي راود عشرات الملايين من أبناء العروبة. ولا يتسع المقام هنا لبحث الدوافع الكثيرة التي أدت إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة, ولكن بات من الواضح أن قيادات الأحزاب البرجوازية السورية بمختلف شرائحها وجدت في الوحدة بين سورية ومصر أحد أبواب النجاة من تعاظم المد الشعبي اليساري، الذي كان واضحاً أن الحكم الجديد في الجمهورية العربية المتحدة سيوجه له ضربة قاصمة. وظنّت البرجوازية السورية أن الاتحاد مع مصر سيفتح أمامها أسواقاً واسعة لمنتجاتها وتجارتها.

وفجأة طُرح شعار الوحدة مع مصر بدلاً من الاتحاد، الذي أقره البرلمان السوري بتاريخ 18 /11 / 1957 وأيده الحزب الشيوعي. ودون سابق إنذار طرح الرئيس جمال عبد الناصر شروطه لقبول الوحدة لا الاتحاد مع سورية. وكان من أبرز هذه الشروط: حلّ الأحزاب في سورية, إلغاء تصاريح جميع الصحف، ومنع الضباط من تعاطي العمل السياسي. ومعنى هذه الشروط تصفية النظام الوطني الديمقراطي في سورية، وإقامة نظام رئاسي شمولي بدلاً منه، يقوم على مبدأ الحزب الواحد وهو الاتحاد القومي القائم في مصر.

وافقت الأحزاب جميعها ما عدا الحزب الشيوعي على حلّ نفسها والانضواء تحت راية الاتحاد القومي. وبعد مدة يسيرة بدأت المخابرات السلطانية حملتها الظالمة الجهنمية على الحزب الشيوعي، ومن ثمّ على بقية القوى المستاءة من تصرفات الأجهزة الأمنية.

هذه الأجهزة المخابراتية السلطانية كانت أحد المعاول في هدم الوحدة. وهي التي شنّت حملة اعتقالات ظالمة على الحزب الشيوعي، مستغلة أمواج الأكاذيب والإشاعات من وقوف الحزب الشيوعي ضد الوحدة.

وهكذا انتهى عام 1959 حكم مرحلة الاستقلال 1943- 1958 واحترام القانون والمجتمع المدني، لتدخل البلاد في نفق هيمنة المباحث السلطانية (السراجية وما تلاها). فلا قانون يحكم ولا دستور يتبع ولا قضاء يحاكم المذنب، واليد العليا هي لرجال المباحث المنفلتين من عقالهم دون حسيب أو رقيب.

* * *

يروي يوسف أبيض كيف جرى اعتقاله مع خالد الزقيق في بيت سري استأجراه في ضواحي جوبر. ويذكر كيف تلقى في السيارة التي تنقله أول ضربة على حنكه، وهو معصوب العينين وسط قهقهات وتهديدات وشتائم مقذعة. ثم يدخل أبيض في تفاصيل (حفلات الاستقبال)، التي أقامها زبانية المباحث لانتزاع الاعترافات منه دون جدوى. كل ما تذكره أبيض (أنه تلقى على رأسه ضربات متواترة سريعة بالسوط المجدول القاسي والمرن معاً. عندما استفاق من التعذيب وجد (أنه كتلة لحمية مهروسة، ملفوفة ببطانية، لا شك أنه كان محمولاً على هذه البطانية وأُلقي هنا دون وعي منه).. ويتساءل يوسف: (من أين أتته هذه الطاقة الجبارة، التي قاومت التيار الكهربائي الذي أشاعوه في عضوه التناسلي وإبهامَيْ قدميه...). (كانت الفلقة فناً من فنون التسلية لا أكثر، ونوعاً من تمرين عضلاتهم على سباق سرعة وعدد الضربات التي تنزل على القدم في الدقيقة الواحدة).

أدوات التعذيب كانت: (عدة الفلقة، سياط، أدوات كهربائية، عصي، خيزرانات، حبال، قضبان حديد، سيكارات مشتعلة دائماً بين الأصابع والشفاه، فضلاً عن قبضاتهم وأرجلهم، التي تدربت طويلاً في مختبرات غرف التعذيب).

بعد أن يئس (المحققون) من انتزاع أي اعتراف من يوسف أبيض نقلوه إلى زنزانة في سجن المزة، وهو مهشم من كثرة التعذيب وشدته. وهنا عاش أبيض رتابة الحياة في الزنزانة من أكل وشرب وانحباس في هذه المنفردة، وله حرية أن ينام ساعة يريد وأن يصحو ساعة يريدون. وأخذ يتساءل:

(... إن الحزب مع الوحدة مبدئياً، لكنه في الوقت نفسه مع استمرار الحريات الديموقراطية، التي من شأنها أن تطور الوحدة بين سورية ومصر بالاتجاه السليم). وفي فترات أخرى يمضي أبيض متسائلاً: (... لم نتآمر، لم نحمل السلاح كي نفرض آراءنا واقتراحاتنا على الآخرين. أيكون حراماً علينا أن نفكر، أن نتكلم بما نفكر به ؟..).

بعد عدة ليال في المنفردة صحا أبيض - كما كتب - مع مفاجأة حلوة، يفتح الحارس نافذة زنزانته ويقول له : خذ أغراضك، جاء أمر نقلك إلى المهاجع.

يصف أبيض استقبال الرفاق الرائع له في المهجع والذي ضمّ الكتاب، المحامين، النقابيين، المعلمين، الطلاب وغيرهم.

من العقوبات، التي مارستها المباحث الحرمان من نعمة القراءة. وكان ممنوعاً إدخال الصحف والكتب والمجلات أو سماع الإذاعة. ولم يصل إلى المساجين إلا نتف من قصاصات الجرائد كانت تتسرب أثناء زيارة الأهل بصورة سرية. وكان المهجع بعد زيارات الأهل يعيش حياته الخاصة، أخبار عائلية، تطمينات،أخبار عن العمل، أحاديث جماعية و استنتاجات، تخمينات تساؤلات لا ترقى إلى مستوى اليقين. مع ذلك تروي ظمأ أولئك السجناء الذين يعيشون في منقطع عن العالم الخارجي.. الزيارة تحدث هزة في المشاعر.

المؤن الواردة من أهالي المعتقلين كانت تحصى وتوزع بالتساوي على جميع أفراد المهجع. وهذا الأمر كان في صالح المعتقلين الفقراء أو القادمين من المحافظات البعيدة، إذ لم يكن بإمكان أهلهم مساعدتهم أو زيارتهم بصورة مستمرة. وقد لفتت هذه الحياة المشتركة أنظار المرشدين، الذين عاشوا مدة قصيرة مع الشيوعيين وخرجوا بانطباع جيد عن هذه الحياة.

كانت النقاشات تحتدم حول أتفه الأمور كالعناية بنظافة المهجع، وأعمال السخرة الجماعية، والخدمات الضرورية، التي تهم الجميع.

كانت بين الحين والآخر تجري عملية عقوبة للأكثر صموداً وإبعادهم عن المهاجع ووضعهم في غرف صغيرة لا تتسع إلا لأربعة أشخاص يوضع بها ستة لمدة تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين. ويصف أبيض الحياة في هذه الغرف الرامية إلى كسر شوكة الأكثر صموداً ومنهم أبيض.

ثمة نوعان من حراس السجن: الأول يتصف بالوحشية، وديدنه إهانة المسجونين وتعذيبهم. والنوع الثاني مثل ذلك المجند الحلبي, الذي كُلف بحراستهم. فكان يتظاهر بالتشدد معهم، يشتم، يعربد, يفرقع بسوطه علانية ليوهم إدارة السجن أنه يطبق تعليماتها بشدة وحزم، لكنه في الوقت نفسه، يتساهل معهم، ويلبي رغباتهم سراً، ويؤدي لهم بعض الخدمات الصغيرة كتهريب بعض السجائر لهم، أو نقل بعض الأخبار). ويعلق يوسف قائلاً: ما أطيب أولئك الذين يعرّضون أنفسهم لخطر المسؤولية... مدفوعين برغبات إنسانية أو دينية أو حتى سياسية..).

لم يكن السوط اللغة الوحيدة، التي استخدمتها المباحث السلطانية للنيل من عزيمة المعتقلين وصمودهم، بل استخدموا الضعاف من ذوي المعتقلين للضغط على المعتقل وإجباره على التوقيع بأنه لن يعمل في السياسة مع توجيه الهجمات إلى الحزب الشيوعي وسياسته.

ولا شك أن الخائن رفيق رضا لعب دوراً كبيراً في تحطيم معنويات عدد لا يستهان به من الشيوعيين الأنقياء. عباس الصوص المدرس الدمشقي، الذي صمد لمختلف أنواع التعذيب أصبح قلقاً عندما سمع بخيانة رفيق رضا المسؤول عن منظمة دمشق وتعاونه مع الأجهزة في كسر صمود الصامدين.

عندما انفعل يوسف أبيض في إحدى زيارات أمه له معلناً أن الحواجز بينه وبين أهله ستنهدّ، قامت قيامة إدارة السجن. وبعد الضرب واللطم ألقي به في زنزانة منفردة لمدة أسبوع تأديباً. ومن الزنزانة المجاورة لغرفة التحقيق كان أبيض يسمع كل ليلة الصراخ، الضرب، العويل، الأنين، السباب، التوسّلات كل ذلك أخذ يُذكّره بالأسابيع التي قضاها في غرفة العزل الواقعة فوق مكتب التحقيق إثر دخوله سجن المزة قبل سنة.

على الرغم من التعذيب واستخدام وسائل متعددة وانهيار بعضهم، فإن لهب المقاومة لدى عدد من الشيوعيين، ومنهم أبيض، ما زال يتقد بقوة.

كثير من الشيوعيين تميّزوا بصبرهم أثناء التعذيب، يذكر أبيض منهم مراد يوسف. فهو كجلمود صخر لم تنفع معه كل العصي والخيزرانات والسياط، التي انهالت على جسده، وظل صامتاً متحدياً جلاديه.

من الأخبار التي نقلها أبيض ما جرى مع ثابت العزاوي، الوطني التقدمي والمثقف البارز في دير الزور. فعندما زار كبير المحققين المهجع التفت إلى عزاوي متباهياً:

ـ ما فطست لحد الآن يا عجوز النحس؟

فأجابه العزاوي على الفور:

ـ ولك يا عجي! أنت ما تستحي من نفسك؟ أين كنت أيام كنا نتحدى احتلال الفرنسيين ياولْ، يا عجي؟

وعلى الرغم من حرمان الشيوعيين من القراءة أو سماع الأخبار (فقد شرعوا في تنظيم حلقات ثقافية أدارها كل من سميح الجمالي ومراد القوتلي وبدر الطويل وراغب كوراني. كما أن المهجع المجاور نظّم حلقات مشابهة تولى إدارتها المحامي أحمد محفل، مسؤول منظمة حلب قبل الاعتقال.

* * *

بعد هذه الأمثلة المأخوذة من الرواية اليوسفية، هل نحن بحاجة إلى تعليق؟.. فإناء أولئك الوحوش ينضح بما فيه.