أخبار الحمقى والمهابيل ومؤجِّري الطابق الفوقاني
هذههي الحلقة الثالثة من سلسلة مقالات نحاول من خلالها تقريبَ كتاب ابن الجوزي "أخبار الحمقى والمغفلين" من ذائقة القارىء المعاصر الذي لا يمتلك الكثير من الوقت ليركضوراء تفسير الكلمات الغريبة والمهجورة التي تحفل بها كتب التراث العربي.
وقدأوردنا في الحلقتين السابقتين القليل من أخبار الأشخاص الذين قفلوا أدمغتهم وأضاعوا المفتاح، ثم لم يكلفوا خاطرهم عناء البحث عن المفتاح في أجواف الأسماك التييصطادونها من البحر، إنهم الأشخاص الذين عُرفوا تاريخياً باسم: الحمقى.
أخلاقالأحمق:
إنمعظم الناس، وأنا كنت منهم قبل أن أقرأ هذا الكتاب النادر، يعتقدون بأن الحُمق صفة بسيطة يمكن اختصارها بكلمة "الغباء"، أو "الغفلة" أو "الجهل" أو "الضحالة"، ولكنتعالوا نقرأ معاً ما أورده أحد الحكماء في وصف أخلاق الأحمق، مما يشيب لتنوعهوتعقيده الولدان.
يقولذلكم الحكيم إن من أخلاق الأحمق: العجلة، والخفة، والجفاء، والغرور، والفجور، والسفه، والجهل، والتواني، والخيانة، والظلم، والضياع، والتفريط، والغفلة، والسرور، والخيلاء، والمكر.. والأحمق إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، وإن فرح أشرَّ، وإن قالفَحَش، وإن سُئل بخل، وإن سأل ألح، وإن قال لم يُحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحكنهق، وإن بكى خار!!!
وقالحكيم آخر إن الأحمق يُعرف بثماني خصال هي: الغضب من غير شيء - والإعطاء في غير حق - والكلام في غير منفعة - والثقة بكل أحد - وإفشاء السر - ولا يفرق بين عدوه وصديقه - ويتكلم في ما يخطر بباله - ويتوهَّم أنه أعقل الناس!
وقالأديب يدعى أبو حاتم:
علامةالحُمق سرعة الجواب، وترك التثبُّت والتأكد، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات،والابتعاد عن الأخيار، والاختلاط بالأشرار، فالأحمق إن أعرضتَ عنه أعتم، وإن أقبلتَعليه اغترَّ، وإن حلمت عليه جهل عليك، وإن جهلت عليه حلم عليك، وإن أحسنت إليه أساءإليك، وإذا ظلمته أنصفت منه، ويظلمك إذا أنصفته.
وأنشدمحمد الشامي:
لنـاجليـسٌ تــاركٌ لـلأدب جليسَه من قـوله فـي تـعبِ
يغضبجهلاً عند حال الرضـا ومنه يرضى عند حال الغضبِ
صحبةالأحمق:
قالالنبي محمد (ص): لا تؤاخي الأحمق فإنه يشير عليك ويجهد نفسه فيخطئ، وربما يريد أنينفعك فيضرك، سكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته.
ونصحأبو زياد ابنه قائلاً:
"يابنيّ، الْزَمْ أهل العقل وجالسْهم، واجْتنب الحمْقى، فإني ما جالستُ أحمقَ فقمت إلا وجدتالنَّقص في عقلي!".
وأماالحسن بن هانىء (أبو نواس) فقد عد الابتعاد عن الحمقى نوعاً من الزُّهد والتصوفوالعبادة إذ قال: "هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى!".
وقالسلمان بن موسى: "ثلاثة لا ينتصف بعضُهم من بعض: حليمٌ من أحمق، وشريفٌ من دنيء، وبرٌّ من فاجر".
وقالالفراهيدي: "الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فخذوا عنه، ورجل يدريوهو لا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه، ورجل لا يدري وهو يدري أنه لا يدري، فذاكطالب فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذاك أحمق فارفضوه".
وقالأحد الحكماء: "ليس كل إنسان بقادر على التعامل مع الأحمق، وأما أنا فقادر". قالوا له: "كيف؟" قال: "أظل أبخسه من حقه حتى يطلب الحقَّ بعينه، إذ متى أعطيته حقه طلب ما هو أكثرمنه!".
وقالأحد الشعراء:
اتـقِالأحمقَ أن تصحبـه نمـا الأحمقُ كالثوبِ الخَلِقْ
كلمـارقعـتَ منه جـانباً خرقته الريـح وهناً فانخرقْ
أوكصدع في زجاج فاحشٍ هل ترى صدعَ زجاجٍ يرتتقْ
أوغلامُ السوق إن جَوَّعتَـهُ سرقَ الناسَ، وإن يشبعْ فَسَقْ
الأحمق مضرب للأمثال:
تقولالعرب: فلان أحمق من هبنقة! وهبنقة هذا أعجوبة من أعاجيب الزمان، فقد كان يعلق فيعنقه قلادة من ودع وعظام وخزف، فلما سئل عن سرِّها قال: "أخشى أن أضيع نفسي، ففعلت ذلكلأعرفها وأعثر عليها إن ضاعت!" وذات ليلة سرق أحد الظرفاء القلادة وعلقها في عنقشقيق هبنقة، فلما رآى أخاه قال له: "يا أخي أنت أنا، ولكن من أنا؟!".
وكانتلهبنقة فلسفة خاصة في رعي الإبل، فقد كان يصطحب الإبل السمينة إلى المراعي الخصبة،ويأخذ المهازيلَ إلى المراعي الفقيرة، فلما سئل عن السبب قال: "الله خلقها هكذا، وليس من شأني تغيير خلق الله!!".
أضاعمرة بعيراً فخرج ينادي بين الناس: "إن من يجد بعيري فليأخذه له، حلالاً عليه". ضحك الناس وقالوا له: "ماذا ستستفيد أنت في محصلة هذا العمل؟" فقال: "كيف لا أستفيد؟ أناآخذ الحلوان!".
واختصمت قبيلة "طفاوة" مع قبيلة "راسب" حول رجل حكيم ادعت كل قبيلةأنه عَرَّافتها، وقد حُكِّم هبنقة في النزاع فقال: نلقي الرجل في الماء، فإن طفافهو من "طفاوة"، وإن رسب فهو من بني "راسب"!
وقالوا: (أحمق من حذنة)، وهي امرأة رعناء تمسح أنفها بكوعها، و(أحمقمن أبي غبشان)، و(أحمق من جحا)، و(أحمق من عجل بن لجيم)، و(أحمق من حجينة)، و(أحمقمن عدي بن حباب).
وسحبوا صفة الحمق البشرية على الحيوانات والطيور فقالوا: (أحمق منالضبع)، و (أحمق من أم عامر)، و(أحمق من نعجة على حوض) لأن النعجة إذا وردت الماءتكبُّ عليه ولا تنثني، و(أحمق من ذئبة)، لأن الذئبة تترك ولدها وتُرضع ولد الضبع! و(أحمق من حمامة) لأنها لا تُصلح عشها فيسقط منه البيض وينكسر، بل إنها تبيضأحياناً فوق الأوتاد، و(أحمق من نعامة)، لأنها تحضن بيض غيرها وتترك بيضها، و (أحمقمن عقعق) لأنه يضيع بيضه وفراخه.
ومنالحمقى الرائعين شاعر ماجن من أهل الكوفة يُدعى "حمزة بن بيض" الذي دعا حجاماً ليجري له الحجامة في موعدها، وكان الحَجَّام ثقيل الحضور مهذاراً. فلما سن المشاريطقال له حمزة: الآن توجعني.
قالالحجام: لا.
قالحمزة: انصرف اليوم وعد إلي غداً.
قالالحجام: إنك محتاج إلى إخراج الدم الفاسد، وهي سنة نبوية، ومن يدري ما يحدث حتىالغد، والمشاريط جاهزة، فما هي إلا لحظات وننتهي.
قالحمزة: إن كان الأمر كما تقول فدعني أمسك إحدى خصيتيك، تكون في يدي رهينة، إنأوجعتني أوجعتك!!!!
فقامالحجام وقال: أرى أن تدع الحجامة هذا العام فلعلها تؤذيك إن أجريتها!
ورويعن حمزة بن بيض أنه سأل غلامه: هل تتذكر في أي يوم صلينا الجمعة في الرصافة؟
فصفنالغلام طويلاً وقال: يوم الثلاثاء!
ومنأشهر الحمقى وأكثرهم إثارة للضحك والتهكم "جحا" الذي يزعم الأتراك أنه تركي واسمه الأصلي "نصر الدين خوجا"، وأما العرب فيعرفونه بالاسم نفسه، (جحا) ويلقبونه أباغصن، وقد ذكر محققو كتاب "أخبار الحمقى" أنه (رجل أسطوري ربما سكن الكوفة بالعراق،يضرب به المثل في الحماقة والبلاهة، وتنسب إليه النوادر والفكاهات)، وأنا أرى أنقضية تنسيبه إلى العرب أو الأتراك أو غيرهم ليست مهمة، فهو شخصية تراثية إنسانيةمثل دونكيشوت وغيره من الشخصيات الإنسانية الخالدة.
قالرجل لجحا: سمعت من داركم صراخاً، فما الخطب؟
قال: سقط قميصي من السطح إلى الأرض.
قالالرجل: فما الذي أجزعك؟
قال: يا أحمق! لو كنت فيه أما كنت سقطت معه؟!!!