نحن ديموقراطيون أكثر من الذين خلَّفوكم

خطيب بدله قرأها 5
 

إمبراطورية المجانين الديمقراطية العليا

تجارب قصصية ميدانية

خطيب بدلة

لازمات

 ملاحظة 1:

إن المجانين الذين يُحْـتَجَزون في مشفى الأمراض العقلية أقل بكثير من المجانين الطلقاء. ولعله من المدهش حقاً أن المجانين الطلقاء  يتسنمون مناصب مهمة في البلاد، وتوضع في أيديهم مصائر البشر الأسوياء!!

ملاحظة 2:

نُشرت هذه التجارب القصصية على امتداد الأعوام من 2001 و 2005، في  مجلة " الشهر "، وصحيفـة " النور "، وعلى بعض المواقع الإلكترونية.

  

نحن ديمقراطيون أكثر من الذين خلَّفوكم

حدثنا "أبو الجود"، الوافد الجديد إلى العصفورية المتحدة، بعد أن ألقى رِحاله إلى جوارنا في المهجع الخامس، أحاديثَ تشيبُ لهولها الولدان عما يجري في عالم العقلاء من وقائع غريبة، قال:

-    معلومٌ لدى جنابكم أن الدولة الوحيدة في العالم المتخصصة بقتل المدنيين خارج حدودها، بالجملة والمفرق، هي الولايات المتحدة الأميركية، وأنها هي نفسها لا تمتلك إحصاء دقيقاً لعدد ضحاياها في هيروشيما وناغازاكي وكابول وبغداد والفلوجة والبصرة والقائم،... وهي الوحيدة في العالم الحاذقة بصناعة و(فبركة) الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث، ودعم تلك الأنظمة، حتى لقد يئست شعوبُ تلك الدول من التحرر، لأنها تعرف أن أمريكا تقف وراء أنظمتها، والعين لا تناطح المخرز!

وفجأة، يا شباب، ومن دون سابق إنذار، أعلنت أمريكا على الملأ أنها دولة ديمقراطية (!) أباً عن جَد، وكابراً عن كابر،.. دواليكَ رجوعاً إلى الخلف حتى تصل إلى مؤسسيها الأوائل من رعاة البقر الذين أبادوا الهنود الحمر، جماعياً، وجلسوا مكانهم،.. وأكدت على أنها ستحارب الديكتاتوريات حيثما وُجدت في العالم!

ولأن عقولنا، نحن شعوب البلدان المتخلفة، تأخذُ وتُعطي، كما تفعل الجوزتان حينما توضعان في خُرج فارغ، فقد صَدَّقنا الكلامَ، وهُرعنا، بسرعة الصواريخ المدمرة التي تُسقطها أمريكا على المدنيين وهم نيام، لنثبت لها أننا ديمقراطيون أكثر من الذين خلفوها، ورجوناها أن ترسل من تشاء من طرفها للتأكد من صحة إثباتاتنا الدامغة.

تابع أبو الجود يقول: ولم تكذِّبْ أمريكا- راعيةُ البقر والديمقراطية- خبراً، وسرعان ما أوعزت لرجالها المخلصين، العاملين في منظمة الأمم المتحدة، للتفتيش على منشآتنا الديمقراطية، فجاؤوا وفتشوا وأخذوا أجرة التفتيش منا، وذلك تطبيقاً للمثل الشعبي القائل (معرِّصون، وأجرة الخان علينا!)،.. فهل تعرفون ماذا وجدوا؟

تلقى أبو الجود أكثر من عشرين لكزة في صدغه، وحوالي خمسين رفسة في مؤخرته، ومئة بصقة في وجهه، وعلت أصواتنا قائلة له: ماذا وجدوا ولاه؟

قال: وجدوا أن كل شيء في بلادنا قد تحول باتجاه الديمقراطية، بدليل ما يلي:

-    في كل زاوية من زوايا حاراتنا شُطبت عبارة (ممنوع التبول هنا يا حمار)، وكتبت مكانها عبارة (التبول هنا ممكن يا سيدي!).

-    سَمَحت السلطاتُ الديمقراطية حالياً، المستبدة سابقاً، بتداول الكتب التي كانت ممنوعة، وعلى رأسها كتب الأبراج، وقراءة الكف، وفوائد نبات الهندبة في السَّلَطة،.. وأجازت عرض المسلسلات البدوية التي كانت ممنوعة بحجة أنها تدعو إلى الكذب والخداع ونصرة ابن العم ظالماً كان أم مظلوماً، وتمتاز بالتعالي على القانون وتحتكم إلى العارفة.

-    النشاطات التي لم يكن يُسمح بإقامتها دون الحصول على موافقة أمنية، أصبحت تقام دون حاجة لموافقة من أي نوع كان، وأهمها: ختان الأطفال، افتتاح صالونات الحلاقة، بخ المنازل بالمبيدات الحشرية، رعي الماعز، صناعة المكانس والزنابيل.

-    الاقتصار في تطبيق الأحكام العرفية على الحالات التي يخون فيها المواطن وطنه، وهي حالة واضحة لا لبس فيها، اختصروها بثلاث كلمات: معاداة النظام الحاكم!

-    سمحت السلطات للصوص العهد المنصرم بتهريب أموالهم التي نهبوها من مال الشعب، تمهيداً لهروبهم من البلاد، وهكذا، وبعون الله، سيتم تنظيف البلاد من اللصوص والمفسدين!

-    أجبرت السلطات المواطنين على ممارسة حقهم الانتخابي في كل مكان، ونصحتهم بانتخاب الأشخاص المتربعين على عرش بعض المناصب منذ أكثر من ربع قرن، معللة ذلك بأن هؤلاء اقتربوا من حافة قبورهم، وليس من المستحسن أن نتركهم يموتون بعيداً عن كراسيهم!

وقبل أن يكمل أبو الجود حديثه عن الممارسات الديمقراطية في بلادنا، وقف زميلنا أبو سليم شَق المنشار وأمسكه من ياقة قميصه وقال له:

-    يا ترى هل يسمحون لي، بموجب التحولات الديمقراطية، بضربك بالبوكس على فمك، أم سأضطر لأن أفعل ذلك على مسؤوليتي؟!     

* ** *** ** *

صدر للمؤلف

§        حكى لي الأخرس 1987

§        عودة قاسم ناصيف الحق 1989

§        الساخرون- (نماذج من القصة الساخرة في سورية- إعداد) 1990

§        امرأة تكسر الظهر 1994

§        وقت لطلاق الزوجة 1998

§        حادث مرور 2002

§        التداوي بالأدب 2006

كتاب عن المؤلف: تجارب جديدة في القصة السورية- (عالم خطيب بدلة السردي)، تأليف محمد محي الدين مينو 2005.

رابط إلى المجموعة الكاملة