مقتطَف من فصل "لولو" من كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" للدكتور مفيد مسُّوح بمناسبة عيد البربارة

الدكتور مفيد مسُّوح قرأها 1,280

مقتطَف من فصل "لولو"

من كتاب "جماليات الإبداع الرحباني"

للدكتور مفيد مسُّوح

بمناسبة عيد البربارة

مقتطَف من فصل "لولو" من كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" للدكتور مفيد مسُّوح بمناسبة عيد البربارة

.....

إلى مكتب القاضي يصل طبيب الأمراض النفسية، الذي طلبتـْه زوجة القاضي، مع فتيات بلباس ممرضات يعرِّف بنفسه (MD, MS, PhD) فيرحب القاضي به ويشرح له مهمـَّته مع (الفتاة المجنونة)

القاضي:      بَدْنا ياكْ بـِحيْلـِة، بـِطـَريقة نفـْسانيـِّـة، تـِتـْوصـَّل لوضِع تقرير عن حالتهـا لأنـَّـا عم تـْهَدِّدْ سلامِة النـَّاس ومـْن الخـَطـَر تِبْقى بَرَّاتِ المِسْتـَشْفى

يُبدي الطبيب استيعابه (I see I see) ويسأل عن المريضة وصفاتها (شـِـرْسِـة؟ .. مْسَـلـَّحة؟) و (بْتِظـْهَر مَرَّات هادْيـِة؟ .. رايْقـَة؟) ثم (وِبْتِرْجَع تِنـْقِلِبْ فجـْأة؟) و (بْتِتـْغـَيـَّر كـُلـِّيـَّاً) ويثير ردُّ فعله تجاه جواب القاضي (نعم) ضحك المشاهدين لما به من حركات لا تبدر عادة إلا مِن الأطباء النفسانيين: صَفـْرَة سريعة من الشفتين لجواب السؤال الأول واثنتان بعد الجواب الثاني وصـَفـْرَة طويلة بعد الـ (نعم) الثالثة وعندما يسأله القاضي (في شي؟؟) يجيب (وَلا شي)! .. لأطباء الجملة العصبيـَّة عموماً حركات ومواقف تجعل الآخرين ينظرون إليهم وكأنـَّهم معنيـُّون بنفس العلامات والمؤشرات لمرضاهم، وطبيبنا (الدكتور نمـُّور) منهم.

يشرح القاضي معاناة السلطة من المريضة التي تهدد الناس بالقتل (مَوْقفنا حِرِجْ وْخايفين) فيُطمئنه (وَلا يْهِمـَّك .. هلـَّق بفـْقعها تقرير بجيبها بالعصْفوريـِّة). ويستمر المشهد مع عبارات ومواقف مُضحكة إلى أن ينتقل بنا إلى بيت لولو والطبيب يطرق بابها فتستمر المواقف المرحة إذ تفتح الفتاة الباب وبيدها شعرٌ مستعار تحمله كمن يحملُ رأساً مقطوعة فيصرخ الطبيب (يـــيه! .. قتلـْتيه ؟؟ ) وتجيبه ببرودة أعصاب (ما عم يتـْمَشـَّط معي)

الطبيب:      حَضِرْتـِك طـَلـَبْتيني؟

لولو:         إنـْتَ الحـِلاق؟

الطبيب بتردُّد: حـِلـَّ ، نـَعـَم نـَعـَم؟

لقد كانت لولو بالفعل تنتظر الحلاق الذي وعدها بالمجيء مُتأخـِّراً بسبب انشغاله. وقد تفاجأ الطبيب لأنَّ القاضي لم يذكر له شيئاً من هذا القبيل ولكنـَّه تدارَك الموقف وقرَّر لعب دور الحَلاق الذي تنتظره لولو

لولو:         عَ الـِحْساب مَشْغول؟ وَلاّ بَدَّكْ تِتـْغـَنـَّج؟! إي خود مَشـِّطـْلي هالـْ بيروك

يوافق الطبيب بعد ترَدُّد ويبدأ بالتمشيط وهو يسأل (إنـْتي شو بْتِشْتِغـْلي؟)

لولو:         بـَعـْـدني طالـْعَة مـْن الحَـبْس. عـِـنـْدي شـْـوَيـِّة رِزْق بيـْـدَبــِّـرْلي يـاهـُنْ جـِـدِّي وْأنا بقــْـبَض

لدى الطبيب ما يجعل لولو تشكُّ به (افـْتـَكَرْتـَك حكيم) ويُعـْزي الأمر إلى ثوبه الأبيض استبعاداً لكشف خطـَّته وتتحدث لولو عن الأشياء المشتركة بين الأطباء والمهن المختلفة في مقارنات أضحكت الطبيب فعبـَّر عن سروره بلهجة ومفردات باللغة الإنجليزية لا يستخدمها الحلاقون عادة (Funny, funny!! You are right ) مما أعاد الشكَّ إليها:

لولو:         شو قِصّتـَكْ يا زَلـَمِة؟؟ شـَكـْلـَك شـَكِل حِلاق وْلـَهِجـْتـَك لـَهْجـِة حكيم !! أنا قلـْبي ناقـِزْني مِنـَّك. الحِلاّق يــِـبـْـقى شـَكـْـلو ناعم كأنـُّو خـْيال الزّبونِة. بـِتـْحَسـّبُو سِتّ عم تِحْكي

لولو:         يَعْني أنا ما عم سَلـِّيْكي؟

لولو:         وْيـِقـْطـَع هالتــِّسلايـِة، رح تـِخـْلـَص التـِّمْشيطـَة وْما سْمِعـْت مِنـَّك وَلا خـَبْريـِّة. لا فـْلانـِة إجـِتْ تـَلـْفـَنِت وَلا فـْلانـِة شـَحَطِتْ جـَوْزا عَ بيت أهْلـُو

من عادة الحلاقين محادَثة الزَّبائن وهم على مقاعد الصَّالون. والمعروف عنهم وَلـَعُهم بالكلام   بأمور عديدة غالباً ما تكون سياسية في صالونات الرِّجال واجتماعية أو فنية أو بخصوص الأزياء والمقتنيات في صالونات النـِّساء. ويعود ذلك إلى الحرص على شـَدِّ انتباه الزبون وتسليته واستبعاد حالة النـُّعاس التي يثيرها الصـَّمت في رتابة صوت المقصَّات.

تداركاً للأمر، وخاصة بعد أن وَبـَّخت الفتاة (حلاقها) لسوء التسريحة (دكتور، يْكـَسـِّر دَيـَّاتـَك عَ هالتـِّمشيطـَة) يسألها عن هواياتها فتقول (أنا مَرَّات بْحبّ غـَنـِّي) فيعرب عن سروره ويسأل (وشو صَوتِك "سـُوبـْرانـو" وَلاّ "ألــْـتـُـو" ؟)

من الطبيعي أن يكون جواب لولو (أنا هَيْك ما بَعْرِف .. أنا بَعْرِف غـَنـِّي وْبَسّ) ومن غير المُسْتـَغـْرَب أن يُظـْهِرَ السيناريو الفتاة وقد عرِفت الأغنية التي انطلق بها الشخص الواقف أمامها بعد أن أخبرها (أنا عشْر سْنين بيانو وْصَوتي تـِيـْنور)، والسـَّبب هو أن المسرحيـَّة وَضـَعتنا منذ المشهد الأوَّل في حيٍّ تقطنه فتاة صاحبة أملاك زراعية تعيش بحالة من البحبوحة والرَّخاء وأهلها مغتربون، وسكان ذلك الحي يحتاجون إلى ماسحي أحذية. وبديهيٌّ أن نرى أن هذه المسرحية، بخلاف أغلب ما سبقها، حدَّدت المكان بالبيئة اللبنانية عبر رموز عديدة. وفي لبنان بمدارسه وشوارعه وأنديته وبيئته الثقافية إطلالات دائمة على الآداب والفنون العالمية تضع الكثيرين في خانات المعرفة.

يبدأ الدكتور نـَمـُّور مقطعاً من أغنية جميلة مشهورة عالمياً مأخوذة أصلاً من التراث الإيطالي تقدِّمها الأوركسترا الرَّحبانية بصوت (هاروت ألميان) خلفية لصاحب الدور وهو الفنان والكاتب نبيل أبو مراد، الذي قام أيضاً بدور المسافر الثـَّمِل في مسرحية "المحطـَّة".

/ SUL MARE LUCCICA     L'ASTRO D'ARGENTO

PLACIDA É L'ONDA        PROSPERO IL VENTO / (2)

/ VENITE ALL'ARGINE     BARCHETTE MIE

SANTA LUCIA                SANTA    LUCIA /(2)     

تـُغـَنـِّي لولو مع (الحلاق) فرِحة بالأغنية الجميلة التي أحبـَّها المُشاهدون والتي بقيت إحدى مميـِّزات مسرحيتنا لمكانتها الكبيرة، وإن جاءت خارج سياق محور المسرحية.

وأغنية (سانتا لوتشيا) التي كـُتِبَت ولـُحِّنَت في العام 1850 وأداها التينور (تيودور كوتـّراو) في إيطاليا تتحدَّث عن القديسة لوسي (لوتشيا باللغة الإيطالية) التي يحتفل العالم المسيحي بيوم استشهادها منذ زمن طويل. وقد كان يوم الثالث عشر من كانون الأول (الرابع منه حسب التقويم الأورثودوكسي) عيداً دينياً وشعبياً في المدن والقرى الرومانية في أوروبا منذ القرون الأولى للمسيحية ثم انتشر إلى باقي بلدان العالم. وإذ تتنوع الروايات في تفاصيلها فإن هذه الإسطورة ترمز إلى حالة الاضطهاد والإرهاب التي عانى منها أوائل المسيحيين في القرون الأولى للميلاد تحت حكم أسياد روما وغيرهم. في إحدى ضواحي مدينة (باليرمو) في الشمال الغربي لجزبرة (صقلية) الإيطالية، وفي مطلع القرن الرابع للميلاد، وعَدَت والدة (لوسي) أميراً من باليرمو بأن يخطـُب ابنتها الحسناء التي رفضَت الزَّواج رغبة منها في الحفاظ على عذريتها والاستمرار في خدمة المؤمنين الهاربين والمتخفـِّين في كهوف جبلية بعيداً عن أنظار السلطة وحرَّاس الإمارة، وعُرف عن الفتاة ذات العشرين عاماً، والتي باعت أملاكها ووزعت المال على الفقراء، جرأتـُها البالغة وهي تعبر الجبال ليلاً حاملة الطـَّعام والشـَّراب للرهبان فإذا دخلت إلى الكهوف أشعلت الشـَّمع المثبـَّت فوق قبـَّعتها واخترقت العتمة لتصل إليهم.

غضِبَ الأمير المرفوض وأمر بتعذيب الفتاة التي فـُقـِئـَت عيناها ولم يخبُ بريقُ وجهها الملائكي وأحجم الحصان عن جَرِّها مربوطة إليه بحبل بل إنـَّه رَكَع أمام القديسة كما أن الحطب الذي أقيم حول جسدها تعذر على الجنود إشعاله. وتقول الأسطورة أيضاً أن لوسي التي تـُرِكت في أرض بعيدة عن السكان تعاني الجوع والعطش وبرد الشتاء نبتت حولها سنابل القمح وامتلأت حَبـَّاً قبل أوانها مـُؤمـِّنة لها الدفءَ والحـَبَّ الأخضر الطـَّريَّ تأكل منه.

استشهدت القديسة (لوسي) في 13 ديسمبر/ كانون الأول من عام 304 للميلاد فكانت رمزاً للصبر والتـَّضحية والإخلاص والمحبة والخير أيضاً، استمر وانتشر سبعة عشر قرناً ومازال هذا اليوم عيداً للفداء والخير يحتفل به مسيحيو العالم بأشكال متشابهة جداً أهم قواسمها المشتركة اعتماد القمح مادة الطعام الأساسية مساء ذلك اليوم الذي يصومه المؤمنون فيحضـِّرون لعشائهم أطباقاً منوَّعة من حَبِّ القمح المسلوق بالحليب أو الماء والمُزيـَّن بحبيبات ملوَّنة من اليانسون والمُطيـِّبات تقديساً للشهيدة لوسي وللقمح، رمز الخير والبركة. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن مسيحيي سوريا، الذين يقيمون الاحتفالات الشعبية الجميلة في يوم القديسة لوسي، يُطلقون على هذا اليوم اسم (عيد البـُربارة) والبـُرُّ هو القمح. ويطابق هذا التاريخ، المعتَمَد وفق التأريخ الأورثودزكسي القديم، الثالثَ من ديسمبر في التأريخ الحديث.

في عام 2004، وبمناسبة مرور 1700 سنة على وفاتها، ظهر في إيطاليا فيلم سينمائي عن حياة واستشهاد القديسة لوسي التي يعتبرها أهالي صقلية رمز بلدهم وتاريخهم. وجاء الفيلم برعاية أبرشيـَّة سيراكوسا.

جديرٌ بالذكر أن هناك بلداً صغيراً جداً في البحر الكاريبي اسمه (سانتا لوسيا) وقد أتت تسميته على الأغلب من حكاية القديسة نفسها.

كثيرة هي الفرق الموسيقية التي غنـَّت (سانتا لوتشيا) بلغات متعددة وكلمات متنوعة ولحن واحد بالرَّغم من تنوُّع الآلات الموسيقية والتي كان أكثرَها انتشاراً الغيتارُ والأكـُّورديون. وحتى الآن، فإنه من النادر أن يُقامَ حفل منوَّعات في إيطاليا لا يُطالب الجمهور فنانيه بتقديم هذه الأغنية التي تـُعتبر الأكثر شعبية.