نظرة في كتاب " فيروز والفن الرحباني "

الدكتور مفيد مسُّوح قرأها 293
  

الحلم المتمرد .. والفردوس المفقود

للباحث محمد منصور

121212121212.jpg

صدر هذا الكتاب عن دار كنعان السورية في عام 2004 يتألف من قرابة 200 صفحة من القياس الصغير، كتب مقدمته الأستاذ صميم الشريف تحت عنوان "دلَّنا وهو خيرُ دليل".

يتألف الكتاب من بابين عنوان أولهما (صورٌ وملامحُ من المسرح الرحباني) ويضم أربعة فصول يستعرض المؤلف فيها قيم التغيُّر في المسرح الرحباني فلسفة الحلم مع ما تستخدمه من شخصيات في المجتمع حكاماً كانوا أم أناساً عاديين ظهرت بأشكال متنوعة ضمن قوالب جديَّة أوهزلية، وقد سلط المؤلف الضوء على نوعين منها في الفصلين الثالث والرابع: شخصية الحاكم المستبد وشخصية الكذَّاب الظَّريف.

أما الباب الثاني المعنون (ذاكرة المكان في الأغنية الرحبانية) ففيه ثلاثة فصول يتحدَّث أولها عن الضَّيعة اللبنانية في عالم المسرح الرحباني بينما يدرس الثاني دمشق في الأغنية الرحبانية من خلال قصائد وأغنيات السيدة فيروز في حين كُرِّس الفصل الثالث من هذا الباب لاستعراض مكانة فلسطين في الأدب الرحباني.

يسلِّط الفصل الأول من الباب الأول في الكتاب الضوء على المضمون الفكري في مسرح الأخوين عاصي ومنصور الرحباني من خلال رسالة أرادوا أن تصل إلى الناس تتمحور حول قضية غاية في الأهمية بالنسبة للمجتمعات والأوطان وهي التطور والتغيير. ويستشهد الكاتب لإثبات صحة قراءته لهذه الرسالة بمقاطع من المسرحيات الغنائية التي نالت إعجاب الجمهور في البلدان العربية في سنوات العرض وبعدها امتداداً إلى أيامنا، والتي يعرفنا الكاتب عليها مواضيع ومحاور وقيماً جمالية بأسلوب شيِّقٍ سلس.

ويستعرض الفصل الثاني الحلم الرحباني من خلال مسرحيات (هالة والملك) و (يعيش يعيش) والمحطة وصولاً إلى (بترا) .. الحلم المرتبط بالواقع ارتباطاً يجعله قابلاً للتحقيق وإن بدا عبثياً (الانتظار الذي خلق محطة الترين) ولكن بشرط لابدَّ منه وهو الاقتناع بإمكانية تحققه.

أما في ثالث فصول الباب الأول فينتقل الكاتب بنا إلى جانب آخر من حياة الناس يتمثل بعلاقتهم مع من يحكمهم مستعرضاً شخصية الحاكم التافه في مسرحية (الشخص) وبيئة الحكم التي تخلقها وتديرها مجموعة العناصر المنتفعة صانعة منه ديكتاتوراً تسعى لتحقيق مصالحها في ظلِّ بيئة ترهب الناس في نفس الوقت الذي تدَّعي فيه بأنها تتحث باسمهم وتعمل من أجلهم.

وفي مثال آخر يعرض الكاتب في مسرحية (جبال الصوان) حكاية الأهالي الأصليين مع المحتل القادم من أماكن خالية من التراث الأهلي ومن مشاعر المحبة والإلفة والفرح يتزعمهم قائدٌ متخلفٌ عسكريٌ أناني طامعٌ ببسط سيطرته واستعباد الجميع. ثم يعود بنا إلى (يعيش يعيش) التي أتت بقالب كوميدي على عكس (جبال الصوان) التراجيدية الطابع، مصوِّراً التحذير الرحباني للناس من تأييد الحكام الديكتاتوريين المتباينين في وجوههم والمتماثلين سلوكاً. في هذه الأمثلة وكذلك في النماذج الأخرى (والي صح النوم وغيبون ناطورة المفاتيح) يدرس الناقد محمد منصور أشكال شخصية الديكتاتور في المسرح الرحباني وعلاقتها مع الزمن من خلال استعراض التباين في الأساليب والوسائل واللغة والاهتمامات والمقتنيات. ويسقط الكاتب، أحياناً، سلوك وصفات الشخصيات الديكتاتورية كما أتت رحبانياً على ساحات وتاريخ المواطن العربي وواقع الحرمان من أبسط الحقوق الديمقراطية والإنسانية.

في رابع فصول الباب الأول نذهب مع الكاتب إلى شخصية لاتخلو منها حارة أو قرية، شخصية الكذَّاب التي ظهرت في عدة أعمال رحبانية غالباً بشكل أكثر ميلاً للظرافة منها إلى الخديعة فيدرس شخصية المختار الكذاب في (بياع الخواتم) وشخصية الصياد أبي ديب في (يعيش يعيش) وغيرهما. ويربط محمد منصور بين أكذوبات هذه الشخصية والخلفية الذهنية لأصحابها مسلطاً الضوء على النزعة الرحبانية لإظهار الجوانب الشاعرية في هذه الدُّعابة وعلى التمييز بين الكذبة (الخبرية) البريئة النابعة من حالة شعرية لحالم في (بياع الخواتم) أو (يعيش يعيش) والكذبة الضَّارة النابعة من عجرفة أنانية كالتي أظهرها سلوك (نايف أبو درع) في مسرحية (لولو).

في الباب الثاني من الكتاب نطير مع محمد منصور والمسرح الرحباني فوق روابي وبساتين ووديان وجبال الضِّيَع اللبنانية وطبيعتها الساحرة مستمتعين بطقوس أهلها وتراثهم تعبِّر عنها مفردات حياتهم ومناسباتهم ومواسمهم. ويعود بنا الكاتب إلى بدايات الأخوين رحباني في (فوَّار أنطلياس) وما يحيط به من مكونات طبيعية خلقت فيهما حالة من الالتصاق بهذه البيئة الساحرة والانتباه إلى أدقِّ تفاصيل حياة الناس والشاعرية في التعبير عما ترصده العيون وتهتز به المشاعر. ويخلص الكاتب إلى أن تلك البدايات كانت العامل الأكثر تأثيراً على توجيه المسيرة الرحبانية التي عكست ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة والناس في إبداعاتها المسرحية. ثم يتوقف الكاتب عند محطة الانطلاق في مهرجانات بعلبك والتي قدَّم فيها الأخوان رحباني مدرستهما إلى الجمهور واضحة الارتباط بالضيعة كرمز صادق للطبيعة الجميلة وبحياة الناس كمادة لاستعراض المسائل التربوية والأخلاقية والوطنية في المجتمع ولعرض الفلسفة الرحبانية ورؤاها في قضايا أحسَّ الناس بسخونتها حتى وإن قَدِّمت إليهم في قوالب كوميدية.

ويسلط الباحث محمد منصور الضوء على حجم الاستمتاع الذي حظي به الجمهور الرحباني وهو يشاهد ويستمع إلى حوارات وأغاني ومَشاهد الأعمال المسرحية والسهرات والحفلات ويسوق الكاتب أمثلة اختارها بعناية وحب، ويشير بين المثال والآخر إلى عناصر الجمال والقوة في المكونات اللغوية والمسرحية والموسيقية.

في الفصل الثاني من الباب الثاني يصل بنا محمد منصور إلى دمشق (خارطة عشق جديدة لمدينة قديمة) التي رأى أنها (تفرَّدت بمكانة أثيرة) في حضورها في أعمال الأخوين:

"ولعلَّ ما أنشدتْه السيدة فيروز من قصائد عن دمشق ونهرها وغوطتها وسحر التاريخ فيها، أعاد بشكلٍ أو بآخر اكتشاف جماليات هذه المدينة حتى في وجدان أهلها وفي نفوس محبيها، مثلما عبَّر من جهة أخرى عن العلاقة الخاصة بين الرحابنة ودمشق التي احتضنت في إذاعتها ومهرجان معرضها الشهير الإبداع الرحباني منذ انطلاقته الأولى، فكان لها بذلك شرف التفاعل الحي مع فنٍّ عظيم يولد على الساحة ليغير مفاهيم الغناء السائد في عصره".

ويذكرنا مؤلف الكتاب ببدايات فيروز في إذاعة دمشق التي أذاعت للمرة الأولى أغانٍ قصيرة ناعمة شاعت بين الناس بسرعة ملحوظة مثل (مشوار) و (بردى) و (وداد) وبعدها (نحنا والقمر) و (عتاب) وغيرها. كما يعرض العديد من الأحاديث والنقاشات التي دارت بين شخصيات معروفة في الأوساط الفنية والأدبية والإعلامية بخصوص الوقع الرحباني، ويشير أيضاً إلى قصائد بعينها إلى دمشق كـَ (سائليني) للشاعر سعيد عقل والتي غنَّتها السيدة فيروز في مهرجان 1960 في دمشق وأحدثت ما يشبه الدَّويَّ في قلوب الجمهور الذي كان في ذلك الحين حزيناً على دمشق وتراثها وقد أهملته الحالة السياسية المرافقة لفترة الوحدة بين سوريا ومصر، فإذا بهذه الأغنية "تنبش الجمر الذي كان تحت رماد أخطاء تجربة الوحدة وخطاياها".

ومن خلال فقرات من أحاديث الفنان منصور الرحباني عن تجربة مسرح الأخوين في دمشق واستناداً إلى ذاكرة دمشق وأهلها وضيوف صيفها يخلص محمد منصور إلى أن مكانتها في الفن الرحباني "أضحت فيما بعد جزءاً من معالم هذا الفن وملامح توجهه".

وفي هذا السياق تأتي قصائد الشاعرين الكبيرين (الأخطل الصغير) و (سعيد عقل) التي يذكرنا الكاتب بأبيات من بعضها تأكيداً للعشق الذي ربطهما أيضاً بدمشق: "قالوا تحبُّ الشام فقلتُ جوانحي مقصوصة فيها .. وقلتُ فؤادي" وإبرازاً "للعلاقة الحميمة مع أهل دمشق" بوجهيها الغزلي "الهوى لحظ شآمية رقَّ حتى خلتَه نفدا" والتضامني "شام إذا أهلوكِ على نُوَبٍ قلبي على نُوَبِ".

وفي نهاية هذا الفصل يدرس الكاتب شخصية فيروز في القصائد الدمشقية التي لحنها الأخوان عاصي ومنصور وكانت من كلمات شعراء كبار منهم عاصي ومنصور نفسهما، فيروز التي سحرت بصوتها وحضورها قلوب الدمشقيين بالكَمِّ الذي حمله لهم من القيم الوجدانية فجاء صوتها "معبِّراً عن رسائل وأفكار" وهي تصدح "أنا صوتي مِنك يا بردى مثلما نبعك مِن سُحُبِ" مؤكدة حالة الالتصاق السوري "جمع المجدُ على الأرز سيوفاً وجراحا فتساوينا جهاداً وتآخينا سلاحا ومشيناها على الدنيا جناحاً وجناحا".

بهذا الارتباط بين الإبداع الرحباني ودمشق تفتخر الذاكرة الدمشقية. "حتى ليصعب اليوم أن يكتشف دمشقيٌّ سرَّ دمشق وسحرَها من دون أن يسترشد بصوت فيروز والخارطة الرحبانية الجديدة التي رسموها لهذه المدينة الموغلة في القدم والعراقة .. الخارطة الموشَّاة بتضاريس منحوتة بالحب ومملوءة يالشعر والمجد والأصالة".

الفصل الثالث من الباب الثاني ننتقل مع المؤلف إلى موقع فلسطين في الفن الرحباني بدءاً من الظهور الأول في عام 1955 في مغناة (راجعون) التي سُجِّلت في إذاعة (صوت العرب) في القاهرة وجاءت جديدة على الناس أسلوباً ومضموناً وقوالب موسيقية: "والحق أن (راجعون) تتجاوز الشكل المألوف للأغنية الوطنية أو حتى البناء الموسيقي الميَّال للفخامة بالنسبة لفنِّ القصيدة". ويقارن المؤلف بين العبارة الوطنية الرحبانية والشعارات السياسية أو العبارة الأدبية الخاصة بفلسطين والتي كانت رائجة في الساحة العربية في تلك الأيام، بُعيد النَّكبة، إذ فيها: "يولد الموقف الثوري من رحم الحنين الرومانسي، ليعطي للحس الثوري معنى الارتباط بالأرض والبيت والذكرى، لا بالحماس والشعار الأجوف".

ويشير المؤلف إلى أن الفن الرحباني خصَّ مدن فلسطين وقضيتها بالعديد من الأغاني مثل (ياربوع بلادي، يافا، بيسان، القدس العتيقة، زهرة المدائن، راجعون، سترجع يوماً، جسر العودة، أجراس العودة إلخ ..) ويبرز مافي هذه الأغنيات من عرضٍ للحلم بالعودة أراده الأخوان رحباني أن يرتبط في ذهن الناس بالحنين الملوَّن بالأمل والمسلَّح بالوعي بعيداً عن التشاؤم والشعور بالانكسار. ويؤكد محمد منصور أن الفن الرحباني نجح في تقديم أغنية وطنية مؤثرة متكاملة العناصر (لغة وموسيقا وقدرة تصويرية) تختلف عن الأغنية الشعاراتية المباشرة، وكأمثلة يفرد لأغنيات القدس الصفحات الأخيرة من هذا الفصل عارضاً المكانة الخاصة لمدينة القدس العتيقة، زهرة المدائن التي سيعاد بهاؤها وسيأتيها السلام بأيدينا.

يضم كتاب (فيروز والفن الرحباني) إضافة إلى بابيه ملاحق هامة منها نص (سهرة الحبّ) وقصائد وأغانٍ عن دمشق وقصائد وأغانٍ عن فلسطين بالإضافة إلى دراسة موجزة عن فيلم (بعدَك على بالي) الذي ألفه محمد منصور وأخرجته ميّ بلكباشي وعرضه التلفزيون العلابي السوري بتاريخ 27 حزيران 1996 بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل عاصي الرحباني. كما يضم الكتاب قائمة بالمراجع التي اعتمدها الكاتب في دراسته مصادرَ للمعلومات والأحداث والأحاديث.

نظرة محمد منصور إلى الأدب الرحباني من خلال ما استعرضه من إبداعات الأخوين عاصي ومنصور نجحت في لفت انتباه محبِّي هذه المدرسة وعاشقي عطاءاتها التي لوَّنت حياتهم حاضرةً وبقيت في تألقها ذاكرةً يفتخرون بنقلها لأبنائهم رموزاً رائعة للأناقة والبراعة والقوة والجمال.