عاقلٌ رغم أنوفكم.. نجيب سرور الفنان الرقيق.. المناضل العنيد
عاقلٌ رغم أنوفكم.. نجيب سرور الفنان الرقيق.. المناضل العنيد - د. مفيد مسُّوح
الفصل الثاني من كرَّاس "ترنيمة ثوريَّة"
صدر في الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد فرج الله الحلو
نيسان/ ابريل 2004
في معرض حديثه عن العديد من كتاب وشعراء مصر ذوي الأصول الفلاحية الفقيرة والذين نشؤوا في بيئات الحرمان والاضطهاد الطبقي والأمية والبطـالة يصف الكـاتب المصري (صلاح عيسى) القرية المصرية بأنهـا "المشتل المتجـدد للقيم والمواهب".. وبالفعل فقد عرف الأدب العربي وتاريخ الحركـات السياسية المناهضة للاستعمار والديكتاتوريات والرجعية العديد من الأدباء والمفكرين والمناضلين والفنانين الذين أثــْرتْ بهم الحياة وتجمهر حولهم المضطهدون والمتطلعون إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتطور..".
نجيب سـرور واحد من هـؤلاء..
فقد ولد في عام 1932 في قرية فلاحيـة صغيرة تقتات بجني مـا يزرع أهلها ومـا يربّون من الدواجن والمواشي بعيدا عن أية رعاية حكومية وترسل أبنـاءهـا بقليل من الحماس إلى المدارس الحكومية المجانية المكتظة بالتلاميذ يتعلمون بشروط بائسة القليل من المعرفة والعلم بعكس مدارس المدن الكبيرة أو المدارس الخاصة المكلفة.. ولكن مـا يتعلمه فتى مرهف الإحساس وكبير القلب وإنساني المواقف من أدب وشعر ولغة وتاريخ وفلسفة خلال المرحلة الثانوية مثل نجيب سرور كـافٍ لخلق الشاعر والفنـان الذي يتحدى الظلم والاضطهاد وهو يراه بعينيه الواسعتين وقلبه الحار قولاً يتحرّض بسببه زمـلاؤه إلى جـانبه ضد الظلم والقهر والاستغلال.. فكانت ولادة الشاعر المناضل الفتي الذي سرعـان مـا ظهرتْ مواهبه الفنية الأخرى.. فالشعر كلمـة سهلة التكوين وسريعة الوصول والمسرح هو الفضاء الآخر الأكثر رحابة وتأثيراً في حياة الناس.. يـُدخلـُهم إليه ليـُريهم مـا لا يرونه في حياتهم المعتادة.. إدراك نجيب أهمية عالم المسرح بالنسبة لقضيته الأولى، النضال من أجل كشف الحقيقة سعياً للحرية والعدالة، جعلته يترك دراسته الجامعية في كلية الحقوق قبل التخرج بقليل ويلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية الذي حصل منه على الدبلوم في عام 1956 وهو في الرابعة والعشرين من العمر.
حياة البؤس والحرمان واضطهاد بقايا الإقطاعية من مالكي الأراضي والمتنفذين للفلاحين البسطاء في منطقة (الدقهلية) شمالي القاهرة، حيث نشأ نجيب سرور، تركت بذوراً ثورية في نفس الفتى الذي امتلأ قلبه حقداً على الإقطاعيين وسلوكهم اللاإنساني تجاه الفلاحين.. قصيدة (الحذاء) التي كتبها عام 1956 في قصة تعرُّضِ أبيه أمامه وهو طفل للمهانة والضرب من عمدة القرية الذي سماه نجيب (الإله) وكان جشعاً جلفـاً قاسي القلب يتحكم بأرزاق الفلاحين وأعناقهم ويقول فيها:
أنا ابْنُ الشَّقاءْ
ربيبُ الَّزريبة والمصطبةْ
وفي قريتي كلُّهم أشقياءْ
وفي قريتي (عُمدةٌ) كالالهْ
يُحيط بأعناقنا كالقدرْ
بأرزاقنا
بما تحتَنا من حقولٍ حَبالى
يلدْنَ الحياةْ.
وذاك المساء
أتانا الخفيرُ ونادى أبي
بأمر الإله!..
ولبَّى أبي
وأبهجني أن يُقالَ:
الإلهُ.. تنـازل حتى ليدعـو أبي!
تبعتُ خُطاه بخَطْو الأوزِّ
فخوراً أتيهُ مِن الكبرياءْ
أليس كليمُ الاله أبي؟!
كموسى.. وإنْ لم يجئْه الخفيرُ
وإن لم يكن مثلَه بالنَّبي
وما الفرق؟.. لا فرقَ عند الصبيْ!
وبينا أسيرُ وألقى الصغار أقول: "اسمعوا..
أبي يا عيال، دعاه الاله"!
وتنطقُ أعينُهم بالحسدْ.
وقَصرٌ هنالك فوق العيونِ، ذهبنا إليهْ
يقولون.. "في مأتمٍ شيَّدوهْ
ومِن دم آبائنا والجدودِ وأشلائِهم
فموتٌ يطوف بكل الرؤوسِ
وذُعرٌ يخيِّم فوق المُقلْ
وخيلٌ تدوسُ على الزَّاحفين
وتزرع أرجلَهَا في الجثتْ".
وجدَّاتُنا، في ليالي الشِّتاء،
تحدثْنَنا عن سنينٍ عِجافْ
عن الآكلين لحومَ الكلابِ
ولحمَ الحمير.. ولحمَ القططْ
.....
ذهبنا إليه
فلمَّا وصلنا.. أردتُ الدُّخولَ
فمدَّ الخفيرُ يداً مِن حديد
وألصقَني عند باب الرَّواق
وقفتُ أزفُّ أبي بالنَّظر
فألقى السَّلامَ
ولم يأخذِ الجالسون السَّلامْ!!
رأيتُ.. أأنسى؟
رأيتُ الإلهَ يقومُ فيخلعُ ذاكَ الحذاءْ
وينهالُ كالسَّيل فوق أبي!!
أهـــذا.. أبي؟
وكمْ كنتُ أختالُ بين الصغار
بأنَّ أبي فارعٌ " كالملك "!
أيغدو ذليلاً بهذا القِصَرْ؟!
....
أهـــذا.. أبي؟
ونحن العيالُ.. لنا عادةٌ..
نقول، إذا أعجزتْنا الأمور: "أبي يستطيع!"
فيصعد للنَّخلة العالية
ويخدش بالظِّفْر وجه السما
ويغلبُ بالكفِّ عزْم الأسَد
ويصنع ما شاء من معجزات!
أهـــذا.. أبي،
يُسامُ كأنْ لم يكنْ بالرجلْ
وعُدْتُ.. أسيرُ على أضلعي
على أدمعي.. وأبثُّ الجدرْ
"لمـاذا.. لمـاذا؟ "
أهلْتُ السُّؤال على أمِّيَه
وأمطرتُ في حِجْرها دمعٍيَه
ولكنها أجهشتْ باكـيهْ
"لمـاذا أبي؟"
وكان أبي صامتاً في ذهولْ
يعلِّق عينيه بالزاوية
وجدِّي الضَّريرْ
قعيدُ الحصيرْ
تحسَّسَني وتولَّى الجوابْ:
"بنـيّ.. كذا يفعلُ الأغنياءُ بكل القرى"!
كــرِهْت الإله..
وأصبح كلُّ إلهٍ لديَّ بغيضَ الصَّعرْ
تعلمتُ من يومها ثورتي
ورحتُ أسيرُ مع القافلةْ
على دربها المدْلهمِّ الطَّويل
لنلفى الصَّباحَ
لنلقى الصَّباح!
بتركه كلية الحقوق ودراسته وتخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية تبدأ علاقات نجيب المتميزة مع الكتاب والأدباء والمفكرين والمناضلين والفنانين من خلال أعمـال مسرحية شعبية برز فيهـا كمؤلف وممثـل ومخرج لافتــاً الأنظـار إلى عبقرية نـادرة.. ولكن أحـداً لم يكن يتخيـَّل مستقبله الفني ولا مصيره الحزين.. أما سياسياً فقد كان في البداية يخفي انتماءه إلى جماعة (حدتو) الشيوعية قبل سفره في بعثة حكومية إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الإخراج المسرحي من عام 1958 وحتى عام 1963 حيث أعلن هناك، تدريجياً، ميله للماركسية ما كان له أثرٌ سلبي لدى مجموعة الطلاب الموفدين الذين حرَّضوا السفارة المصرية ولفّقوا التقارير ضدّه وفي نفس الوقت تحوّل تساؤل الشيوعيين العرب عن حقيقة كونه يحمل الفكر الماركسي، في حين أنه موفدٌ ضمن بعثة حكومية يٌفترض أن يكون من جماعة جمال عبد الناصر المناهضة للشيوعية، تحوّل إلى شكوكٍ وتلميحات أقلقته وأثارت في نفسه اكتئاباً، وهو الإنسان الثوري الوجداني الصادق الواثق بالفكر والحزب والشيوعيين.. هذه المعاناة جعلته يبالغ في تأكيد صدقه ونفوره من مجموعة الموفدين وعدم ارتباطه بأية جهة غير شيوعية عن طريق تشكيل مجموعة (الديمقراطيين المصريين) في السنة الدراسية الثانية عام 1959 وتعمّد المشاركة في الحياة الطلابية وإلقاء الخطب الحماسية والبيانات ضد النظام الديكتاتوري وسياسة القمع في مصر وسوريا والتي امتلأت بسببها سجون البلدين بالآلاف من أبناء الوطن الشرفاء من عمال وفلاحين ومثقفين. عندها فقط أزيلت الشكوك عن نجيب الذي سرعان ما أحاطه الشيوعيون من بلدان الشرق الأوسط بالمحبة والدعم وساعدوه بالتعاون مع إدارة الجامعة لحلّ مشكلة المنحة الحكومية المسحوبة منه وإبقائه في موسكو بمنحة حزبية أممية.
عن نجيب سرور وسيرة حياته في موسكو يتحدث أقرب أصدقائه إليه الدكتور أبو بكر يوسف الذي تعرّف إليه وعاصره في فترة دراسته في كلية الآداب بجامعة موسكو الحكومية فيقول:
"منذ أن تعرّفت بنجيب سرور أحست بأنني مشدود بهذه الشخصية الفـذة كقطعة حديد إلى مغناطيس قوي. كان فارق السن بيننا غير كبير، إذ كنت فى العشرين، وكان هو فى أواخر العشرينيات، ولكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلاً. كان نجيب- بالنسبة إلي على الأقل- كنزاً لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب إلى درجة خارقة. فقد كان ممثلاً وشاعراً ومخرجاً وناقداً وكاتباً وكانت معرفته بالأدب العربي والغربي واسعة. ولكثرة ما لاحظت فى أشعاره من استشهادات بالتاريخ والأساطير المسيحية ظننته في بداية تعارفنا مسيحياً، خاصة وأنَّ الاسم (نجيب سرور) أقرب الى الأسماء المسيحية فى مصر. وتحرجت أن أسأله، ولكنه ملأ أمامى ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره، وكان اسمه فيها (محمد نجيب محمد سرور هجرس)! وفيما بعد لمستُ كيف كان يستلهم في أشعاره التاريخ والأساطير الفرعونية والإغريقية والشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهراً إنسانياً عريضاً يغترِف منه كيف يشاء. أما الانتماء الديني فكان مسألة تركها وراء ظهره!"
ويضيف الدكتور أبو بكر يوسف:
"وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها فى غاية الغنى والعمق، منطلقة ومرحة إلى أقصى حد. كان لا يكفُّ عن إلقاء النكات والقفشات الفورية، بنت الساعة. وحتى فى ذروة الجد واحتدام النقاش تفلت رغماً عنه، فينفجر الحاضرون بالضحك، وينفرط عقد التزمت والجدية."
شخصية نجيب سرور، كمـا رصدهـا الدكتور أبو بكر يوسف خلال السنوات الخمس من صداقتهمـا اليومية في موسكو وبعدهـا من خلال الاتصالات المستمرة معه وهو في هنغاريا ثم في مصر، مثيرة رغم جانب البساطة الكبير فيها.. فنجيب، الإنسان صاحب العقل الراجح والقلب الكبير والأحاسيس الصادقة تجاه الناس والوطن، يتعرَّض إلى المتاعب العديدة لأسباب تتعلق بمنهجه في الحياة وكتاباته ومداخلاته مما ينتزعه أحيانـاً من حالة الوداعة والظرافة المعتادة إلى حالة الاضطراب والغضب والسرعة في اتخاذ القرار.. أغلب الظن أن ذلك مردُّه حالة الإحبـاط الناجمة عن اكتشافه المفاجيء للكثير من الحقائق السلبية عكساً لتوقعاته وثقتـه.. لذلك وجدنـا نجيب سرور، الملاحـَق والمتـَّهم من قبل أجهزة الأمن في مصر بسبب أشعاره ومقالاته وخطبه، إضافة إلى منحته الدراسية الملغاة وجواز سفره المسحوب وعشرات التقارير الأمنية ضده، يسـارع إلى مغادرة موسكو بطريقة غاضبة بسبب ملابسات كان من الممكن حلـُّهـا، إلى بودابست التي لم يطق البقاء فيها أكثر من سنة بسبب مـا واجهه من تعامل سيء من قبل من وصفهم بذوي الفكر الصهيوني المتغلغل في صفوف وهيئات الحزب الشيوعي الهنغاري، وقد عبّر عن موقفه من ذاك الواقع المخزي بقصيدته الشهيرة (المسيح واللصوص)، فقفل راجعـاً إلى القاهرة عـام 1964 ليبـدأ مرحلة أخرى من حيـاته مختلفة شكـلاً وممـاثلة جوهراً.
حنين نجيب إلى مصر لم يخْفِه حقدُه الكبير على السياسيين وضباط المخابرات الذين ناله منهم مـا اضطره إلى قبول حالة النفي المحدودة التي عاشهـا. وقد عبَّر عن حالة الإحباط واليأس والتخبُّط وهو في موسكو قبيل مغادرتهـا إلى بودابست في قصيدة قـال فيهـا:
يا مصرُ
يا وطني الحبيبْ
يا عشَّ عصفور رمتْه الريحُ فى عشٍ غريبْ
يا مرفئي
آتٍ انـــا آتٍ..
ولو فى جسميَ المهزول آلافُ الجراحْ..
وكما ذهبتُ مع الرياح..
يومـــاً أعودُ مع الرياح..
ومتى تهبُّ الريحُ
أو هبـَّتْ
فهل تأتى بما يهوى الشِّراعْ؟
ها أنتَ تصبحُ فى الضيـاعْ
فى اليأس..
شاةً عاجزةْ.. ما ذا لها،
إن سُلـَّتِ السِّكينُ،
غيرُ المُعجزةْ؟!
فهو أمام كرهه للمنفى وحبه العميق الصادق لوطنه لا يستطيع أن يخفي رغبته الجامحة بالعودة دون اكتراث بما سيلقاه من مصير وما سيواجهه من متاعب. ثم إنه لا يخفي ما أقلقه في المنفى من حالة ابتعاد عن أهم مقدساته وهو الكلام (لزوم ما يلزم):
يا سيِّداتي مَعْذرةْ..
أنا لا أجيدُ القول، قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلامْ
وعرفتُ سرَّ الصَّمتِ..
كم ماتتْ على شفتيَّ في المنفى الحروفْ
ألصَّمتُ ليس هنيهةً قبل الكلام،
ألصَّمتُ ليس هنيهةً بين الكلام،
ألصَّمتُ ليس هنيهة بعد الكلام،
ألصَّمتُ حرفُ لا يُخَط ولا يقالْ
ألصَّمت يعني الصَّمْتَ..
هل يعني الجَحيمُ سوى الجَحيم؟!
شخصية نجيب الإنسان المناضل والفنان والشاعر والأديب تكونت في مصر وصـُقلت في موسكو من خلال الحياة السياسية والثقافية والفنية التي رمتْه في بحار الأدب والفلسفة والتاريخ فالْتَهم مصادرها بِنَهَم.. والغريب، كما يفيد الدكتور أبو بكر، أن نجيب لم يستطع استخدام اللغة الروسية في المحادثة بشكل جيد وكان يكره قواعدها الصعبة وتـُضحك زملاءَه كلماتـُه بنهاياتها الإعرابية الخاطئة والتي كان يفسِّرها على أنها (الحالة الإعرابية السابعة)، ومع هذا فقد كان يقرأ بسرعة فائقة وجلد نادر غالباً ما يصاحبه توتُّرٌ ذهنيٌّ وحالة عصبية تزيدها مبالغته في تناول المنبِّهات. أحد الدلائل على قراءته ومحبته للأدب الروسي ترجمته لمسرحية الأديب الروسي أنطون تشيخوف (بستان الكرز) بالتعاون مع صديقه الحميم ماهر عسل في العام 1964.
الرصيد الثقافي الكبير عند سرور أثرى رؤياه الفلسفية وتحليلاته ومنهجيته المادية وعمَّق نظرته إلى الأشياء. شواهده في قصائده بالعامية والفصحى وفي أعماله المسرحية تنمّ عن اكتنازه سيولاً من المعرفة وعن ذاكرة قوية وذكاء خارق..
في موسكو كتب نجيب دراسات نقدية ومقالات ورسائل وقصائد نـُشر بعضها في مجلات لبنانية أما ما لم ينشر عند كتابته فقد جُمع بعضُه فيما بعد ونُشر بواسطته أو بمبادرة من أصدقائه بعد وفاته وتُرك الآخر كما هو في مكتبة بيته.. مثل:
· رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ - دراسة طويلة كتبها عام 1959 ونشر فصولاً منها في المجلة اللبنانية (الثقافة الوطنية) 1959 ثم جمعها وقام وقدَّم لها محمد دكروب وصدرت في سلسلة (الكتاب الجديد) - دار الفكر الجديد، بيروت 1989 ثم أعيد نشرها كاملة عن دار الفارابي عام 1991
· أعمـال شــعرية عن الوطن والمـنـفي - ديوان كتب قصائده في موسكو وبودابست بين 1959 و 1963 ولم ينشر.
· عن الإنســان الطيب - ديوان كتبه في مـوسـكو فيما بين 1959 و 1963 ولم ينشر
· رسـائل إلى صـلاح عبد الصـبور - كتبها في مـوسـكو بين 1959 و 1963 ولم تنشر.
ولع نجيب بالأدب والفلسفة وشغفه بالقراءة وكتابته للشعر بالعربية الفصحى لم يكبتْ رغبته الدائمة بمخاطبة الناس عبر المسرح.. كان التمثيل في نظره أداة التعبير الأكثر نجاعة.. ويقول أصدقاؤه بأنه لم يلقِ عليهم قصائده بل قام بتمثيلها.. وكان له من المهارة في الأداء والتحكم بتعابير الوجه وحركة اليدين ما يشدُّ الناس إليه فينشدُّوا بكليتهم إلى موضوع القصيدة أو الحديث مثيراً عواطفهم ومشاعر الحب أو الكراهية والضحك أو العبوس وتدفق الدموع حسب الموقف. أي موضوع عند نجيب سرور هو مادة يسخِّرها لربط الأمور وتسليط الضوء على أسباب معاناة الناس والظلم والاستغلال والتخلف..
هذه البراعة عند نجيب سرور أساسها دراسته لفن التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة وقد حرص على التعرف في موسكو على المدارس المختلفة في الفنون المسرحية وانتقاء منها ما يريد بحرية وشجاعة ودون قيود فأصبح بعدها يتوق إلى العودة إلى مصر ليلتحم بشعبه ورفاقه وطليعة المثقفين المصريين ويقوم بدوره النضالي من أجل أن تحيا مصر ويسعد شعبها.
مع وصول الفنان والشاعر المناضل إلى مصر عام 1964 تبدأ حياته الفنية والأدبية والسياسية، التي استمرت قرابة الأربعة عشر عاماً حتى وفاته المبكرة جداً في خريف عام 1978 (24 ت1/ أكتوبر) متراجحة بين النجاح والمعاناة الشديدة، بكتابة وتقديم النصوص الدرامية ومسرحياتها، استهلَّها في عام 1965 بعمل مسرحي من إخراج (كريم مطاوع) وتحمل عنوان (ياسين وبهية) وهي رواية شعرية كتبها في بودابست قبل عام واعتبرها الجزء الأول من ثلاثية ضمـَّت (آه يا ليل يا قمر)، المسرحية الشعرية التي كتبها عام 1966 وأخرجها جلال الشرقاوي عام 1967 و(قولوا لعين الشمس)، مسرحية نثرية في ثلاثة فصول، كتبها عام 1972، وأخرجها توفيق علي عام 1973.
ويستمر عطاء نجيب سرور في المسرح فيقدم مسرحية (يابهيَّة وْخبِّريني) عام 1967 بإخراج كرم مطاوع ثم (آلو يامصر) وهي مسرحية نثرية، كتبت في القاهرة عام 1968 و(ميرامار) وهي دراما نثرية مقتبسة عن رواية نجيب محفوظ المعروفة من إخراجه عام 1968. ويستمر تألُّق نجم نجيب سرور مع هذه الأعمال التي نشرت معظمها كتباً أثـْـرت المكتبة المسرحية العربية في طفرة الصعود في السبعينات.
في عام 1969 يقدم نجيب سرور من تأليفه وإخراجه المسرحية النثرية (الكلمات المتقاطعة)، التي تحولت فيما بعد إلى عمل تليفزيوني أخرجه جلال الشرقاوي ثم أعاد إخراجها للمسرح شاكر عبد اللطيف بعد عشر سنوات واستمر تألق هذا العمل الفني حتى عام 1996.
وفي عام 1969 قدم المسرحية النثرية (الحكم قبل المداولة) وكتب المسرحية النثرية (البيرق الأبيض) وفي عام 1970 قدَّم (ملك الشحَّاتين) وهي كوميديا غنائية مؤلَّفة اقتباساً عن أوبرا "القروش الثلاثة" لبرخت و(الشحاذ) لجون جاي من إخراج الشرقاوي.
تتجدَّد معاناة نجيب سرور بشدة في العام 1971 لدى قيامه بكتابة وإخراج العمل المكرس لمذابح أيلول الأسود في الأردن بعنوان (الذباب الأزرق) وجاءت بقالب الكوميديا السوداء، إذ تمَّ منع عرض هذه المسرحية من قبل أجهزة الرقابة في القاهرة. ثم كتب في العام 1974 المسرحية الشعرية (مْنين أجيبْ ناس) وقد عرضت في نفس العام أعقبها بمسرحية نثرية لم تعرض وتحمل العنوان (النجمةْ امُّ ديل) ثم بالدراما الشعرية المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لشكسبير وحملت العنوان (أفكارٌ جنونية في دفتر هملت).
معظم أعمال نجيب الدرامية طٌبعت ونُشرت بشكل فردي وكذلك ضمن مجموعة الأعمال الكاملة التي صدرت عام 1997.
أغلب أعماله الشعرية كتبها فرادى خلال فترات متباعدة ثم جمعها في دواوين أو مجموعات. فالمجموعة الشعرية (التراجيديا الإنسانية) كتب بعض قصائدها في مصر منذ 1952 وضمَّنها قصائد أخرى كتبها في موسكو قبل سفره إلى بودابست وقد أصدرتْها "المصرية للتأليف والنشر والترجمة" عام 1967. والمجموعة الشعرية (لزوم ما يلزم) كتب قصائدها في هنغاريا في العام 1964 وصدرت في العام 1975.
أما أعماله الشعرية في موسكو وبودابست (1959 – 1963) والتي سمَّـى ملفها (عن الوطن والمنفى) فلم تـُنشر..
كتب نجيب سرور رباعيات وقصائد هجائية باللغة الشعبية المصرية ضمَّنها غيظَه وحقدَه على الكذب والنفاق والخداع الذي اتَّسمت به السياسة العربية بعد حرب السادس من حزيران، وكذلك استهجانَه للمثقفين العرب وبعض مُدَّعي الإبداع والنُّجومية الذين صمتوا عن قول الحقيقة أو باعوا أنفسهم لدوائر السياسة.. كُتبت هذه الرباعيات المثيرة خلال خمسة أعوام كان آخرها في العام 1974 وتم تبادلُها سراً في محيط الأصدقاء الضيِّق وهي تحمل عنواناً حُذِفَتْ منه اللفظة غير المقبولة واصطُلح في معرض الحديث عن أعمال سرور على تسمية هذه الرباعيات بـ (الأميـَّـات) دون أن تنشر ورقياً. يجمع النقاد على أن هذه الرباعيات، التي كسر نجيب في صياغتها الحواجز والخطوط الحمراء، تشير إلى حالة الإحباط الكبير الذي ألمَّ بالشاعر العبقري والمناضل العنيد خاصة إبَّان حكم أنور السادات.
في عام 1978 صدر للفنان (بروتوكولات حكماء ريش) وهي عبارة عن أشعار ومَشاهد مسرحية و (رباعيات نجيب سرور) التي كان قد كتبها بين عامي 1974 و1975.
استمر عطاء نجيب سرور حتى وفاته فقد كتب ديوان (الطوفان الكبير) وديوان (فارس آخر زمن) عام 1978 ولكنهما لم يُنشرا حتى صدرت أعماله الكاملة في العام 1997.
ولنجيب باع كبير في النقد الأدبي والمسرحي. فبالإضافة إلى عمله الكبير (رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ) هناك الكثير من المقالات النقدية مثل (تحت عباءة أبي العلاء) و(هكذا قال جحـا) و(حوار في المسرح) و (هموم في الأدب والفن) وغيرها مما لم ينشر في حينه أو نـشر في الصحف والمجلات المصرية واللبنانية وغيرها..
مع بدايات نجيب سرور تجد نفسك أمام فنان مرهفِ الإحساس محبٍّ لجميع الناس، صدره واسع، ربما عصبيِّ المزاج أحياناً ولكنه ظريفٌ ومرحٌ غالباً. وفي نفس الوقت تدرك الرصيد الثقافي الكبير عند شاعرنا الذي لا يوفر فرصة للربط الفلسفي والتاريخي وسرد الشواهد من التاريخ والأسطورة ليثبت ما يريد أن يقول.
في أول قصائد التراجيديا الإنسانية (حب وبحر وحارس) نقرأ:
كانوا قالوا: "إن الحبَّ يُطيل العمرْ"
حقاً.. حقاً.. إن الحبَّ يُطيل العمرْ!!
حين نحسُّ كأنَّ العالمَ باقـةُ زهرْ
حين نشفُّ، كما لو كنَّا مِن بلّورٍ
حين نرقُّ كبسمةِ فجرْ
حين نقول كلاماً مثل الشعرْ
حين يرفُّ القلب كما عصفورْ..
يوشكُ يَهجُرُ قفصَ الصَّدرْ..
كي ينطلقَ يعانقَ كلَّ الناس!
كنا نجلسُ فوق الرَّملَةْ
كانت في أعينُنا غنوةْ
لم يكتبْها يوماً شاعرْ..
قالتْ:
-.. صفْ ليْ هذا البحرْ!
- يا قبَّرتي.. أنا لا أُحسِن فنَّ الوصفْ
- وإذن.. كيف تقول الشعر؟!
- لست أُعَدُّ من الشعراءْ
أنا لا أرسم هذا العالم بل أحياهْ
أنا لا أنظم إلا حين أكاد أُشلّْ
ما لم أوجزْ نفسي في الكلمات
هيَّا نوجزْ هذا البحر
- كيف.. أفي بيتٍ من شِعر؟
- بل في قبلة!!
عبَر الحارسُ.. ثم تمطَّى.. "نحن هنا"!
ومضى يلفحُنا بالنَّظراتْ
"يا حارسَ.. إنَّا لا نسرقْ
يا حارسَ.. يا ليتك تعشقْ
يا ليتَ الحبَّ يـُظِلُّ العـالمَ كلـهْ
يا ليت حديثَ الناس يكون القُبلةْ
يا ليت تُقام على القـِطبين مظلةْ
كي تحضُن كلَّ جِراح الناس
كي يحيا الإنسان قروناً في لحظات"
ومشى الحارس..
قالتْ: "أوجزْ هذا البحر"!
كان دعاءً يورق في الشَّفتين
- يبدو أن الحارس يملك هذا البحر
يكره منا أن نوجزَه في القبلات!
- فلنوجزْه في الكلمات..
أترى هل يملك أن يمنعَ حتى الكلمة؟!
فالحب عند نجيب ليس مجرد مشاعر بين الحبيبين وإنما هو حالة إنسانية يتمنَّاها للجميع مظلةً عند القطبين تحتضن كل الناس.. ويضيف في قصيدته الثانية:
"قبَّرتي.. لا يعلو شيءٌ فوق الكلمة"
وفي القصيدة الثالثة:
يا قبَّرتي.. بعُدتْ عنَّا عينُ الحارس
هيَّا نوجزْ هذا البحر
لن ندخلَ في ملكوت الأرض
ما لم نرجعْ يا قبَّرتي كالأطفال
وعندما تسأله حبيبته عن الجنَّة والإنسان على الأرض يقول:
.. شقَّ صحارى سبعٍ
ذاق الويْل
لاقى كلَّ صنوف الهولْ
جاع.. تعرَّى.. عـُلـِّق في السفُّود
شـُرِّدَ.. طوردَ.. سـُمِّـر فى الصُّلْبان
كُتِّف.. أُلقي للنِّيران
ماتَ مسيحٌ يا قبَّرتي بعد مسيحْ
لكنْ لم يمتِ الإنسان!
كيف يموت..
وهو يرصُّ الطُّوبةَ فوق الطُّوبْ
يبنى في الأرض الملكوتْ
يصنع يا قبَّرتي الجنـَّة..؟!
بدايات نجيب سرور الشعرية تشير إلى تفاؤله وثقته بانتصار الإنسانية والخير وانحسار الظلم ونفوذ الظالمين.. في قصيدته (أغنية عن طائر) مثلاً يتحدث بلسان الثائر السلبي وقد فقد الأمل بمغزى الحياة قائلاً:
إلامَ نجيءُ ثم نروحُ لا جِئنا ولا رُحنا
إلامَ نعيشُ ثم نموتُ لا عِشنا ولا مُتنا
هو المنفى.. إذا كان البقاء قرينَ أن نفنى
يتامى نحن يـا أطيارْ
دعوا الآهاتِ للأشجارْ
فقد جُزَّتْ بلا منشارْ!
علامَ نبتنى الأعشاشَ والحيَّاتُ فى الأعشاشْ
إلامَ نسير كالعميان والممْشى طريقُ كِبـاشْ
وفيمَ الخُلْفُ.. كم مِنَّا قتيلٌ مثلما مَن عاشْ
هو الحَتْفُ
الذي يُصْمي برغم الضَّوء جيشَ فَراشْ
ويضيف:
إذا كانتْ أغانيــنا تِباعاً مثلنا تـُـروى
وهذا الكون يطوينا فهل في مرَّة يـُطوى؟
فما الجدوى.. فما الجدوى.. فما الجدوى
ثم يخاطب المتشائم منبِّهـاً ومؤكِّداً دور الفن في معنى الحياةً:
رويداً أيها الثـَّـائرْ
فليس القدَر السَّاخرْ
ولكن دوماً الشاعرْ!
إذا ما الطائر الصدَّاح قد هدهده اللحنُ
ورفّت نسمةُ الفجر على أشجانه تحنو
هناك السحر والأحلام والألحان والفنُّ
في قصائد ديوانه ذي الموضوع الواحد (لزوم ما يلزم) يعالج موضوع العلاقة بين الناس والحياة مؤكداً كرهه للنفاق والجبن بقدر ما هو يعشق الحقيقة. وهو يستخدم "دون كيخوت" وحبيبته "دولسين" الوهمية ليقدّم فلسفته في الشجاعة والبطولة متَّهماً فرسان هذا العصر باللُّصوصية:
هو لم ينْتَهِ بطلاً
ولكنْ ماتَ كالفرسان بحثاً عن بطولةْ..
لم يَلْقَ في طول الطَّريق سوى اللُّصوص،
حتى الذين يندِّدون، كما الضَّمائر، باللُّصوص..
فرسانُ هذا العصر هم بعض اللُّصوص.
ويضيف بصيغة حوارية محملاً الناس، ويقصد بهم أولئك المفترض أنهم معنيّون بالنضال من أجل الخير، مسؤولية الضعف والانكسار:
إنَّا لَتُعجِزُنا الحياةْ..
فنلومُها.. لا عجْزَنا،
ونروحُ نندبُ حظَّنا،
ونقولُ: هذا العصر لم يُخلق لنا!
- هو عصرُنا!
- لكنَّنا لسنا به الفرسانْ..
نحن قطيعُ عميانٍ يفتِّش فى الفراغ عن البطولة،
والأرضُ بالأبطال ملأى حولنا!
- ملأى.. ولكن بالُّلصوص!
- الكأسُ حقاً نصفُ فارغةٍ فماذا لو ترى النصف المليءْ؟
- لو لم تكن في العالم الأضداد ما قلنا: "عظيم أو قميءْ"
- إني لأعلم.. غير أن الزِّيف يغتال الحقيقة!
ويصل بنا إلى أن حياة الجبناء مليئة بالخزي ولن نصل إلى الحقيقة من دون إقدام:
قلْما تريدُ لمَن تريدُ كما تريدُ متى تريدْ..
بعدها الطوفان قلْها في الوجوه بلا وجلْ:
"الملِك عريانٌ".. ومَن يفتي بما ليس الحقيقهْ..
فلْيلْقِني خلفَ الجبل!
إنـي هنالك منتظرْ..
والعار للعميان قلبـاً أو بصرْ،
وإلى الجحيم بكل ألوان الخطرْ!
(بروتوكولات حكماء ريش) هي حوارية ضدَّين مؤلفة من ثماني قصائد صيغتْ بقالب المَشاهد لتعبِّر عن منهجية وسياسة أصحابها وهم الحكماء من الشعراء والكتاب والفنانون والرسامون وغيرهم من الذين أبرموا هذا الاتفاق ووقّعوا هذه البروتوكولات في مقهى ريش، المعروف في القاهرة كملتقى للمهتمين بالفن والأدب، الحقيقيين منهم والأدعياء.
يافرسانَ الأمسِ..
غير الأمس مع الفرسان..
خلفَ غيوم اليأسِ..
فإلى مقهى ريشْ..
كلُّ العالم مقهى ريشْ..
كلٌّ يـُغرِق عارَهُ..
في أغوار الكأسِ!
بعد حرب أكتوبر وما تلاها من مساعٍ عربية موجهة من قبل الغرب وبرعاية أمريكية بدأتْ سياسة الانفتاح الاقتصادي في البلدان العربية المعروفة في النصف الثاني من السينيات بتشدُّدها تجاه القطاع الخاص تكريساً لمبادىء الاقتصاد المنهجي والسياسة الشمولية ورأسمالية الدولة، وبرزتْ آثارها جلية على الشارع المصري وفي كافة مجالات الحياة وتأثر الناس بها مكوّنين مجتمعاً استهلاكياً يستمتع بالطـُّعْم دون أن يشعر بالافتراس الذي جُـُنِّدت لسَنِّ قوانينه الجديدة شرائحُ من الأفراد الأنانيين والطفيليين شاركهم أرباحَهم وسهـَّل لهم أمورَهم موظفون كبارُ وأصحاب نفوذ ومدراء دوائر حسَّاسة مما خلق البيئة الملائمة للفساد وتَحيُّنِ الفرص وتكريس الجهل وتكديس الأموال في جيوب حِفنة قليلة على حساب فقرٍ مُدقع سحقَ الملايين فازداد الصراع الطبقي حدة.. ثقافة المجتمع الاستهلاكي احتلَّت الساحة مروِّجةً لمفرداتها وأزيائها وصرعاتها ومراسمها الجديدة وبرز فنُّها وأدبُها السَّطحي والتافه على حساب الأدب الإنساني والفن الراقي المرتبط بحياة الناس وكفاحهم من أجل الحرية والعدالة. في هذه الفترة ظهرت (بروتوكولات) نجيب سرور لتعبِّر عن السخرية مما سُمِّي بالحياة العصرية وما يحيط بها من تفاهات وسطحية وانتهازية وخرق لمفاهيم الناس البسطاء في المجتمع الفلاحي وتسويق للبذاءة والدعارة وعصاباتها التي أصبحت الحدود لها مفتوحة وتأتيك من عواصم العالم..
لا تصْمتْ أبداً.. إنَّ الصَّمتَ جهالهْ..
واحذرْ أن تتكلَّم في الموضوعْ
لا موضوعَ هنالك
إن الفلكَ اليوم عطارهْ
كن فيهم "خضرَ العطَّارْ"
...
البحرُ سبَّاقْ
والمُوجاتْ ألــوفْ
"المُوجَه تِجْري ورا المُوجَه
عايْزة تْطُولها"
عَجـِّلْ وارْكبْ أيَّة مُوجَه
فالأيَّامُ دولْ..
ويلٌ للبسطاء ذوي القلب الأبيض..
حين تفاجئـُهم أنواءُ الطقس..
الناس اثنان
واحـدُ ينجو في الطوفان..
والآخر يغرَقُ في كأسٍ..
"إنـي أغرقُ..
أغرقُ.. أغرقُ في هذا الكأس"
.....
يا أيتها المستشرقةُ المزعومة
والعَطشى لأحاديث الفرسانْ
فرسانِ الأمسِ الخصيانْ
الفكرُ بخيرْ..
والأدبُ بخيرْ..
والفنُّ بخيرْ..
ونحن بخيرٍ لا تنْقُصُنا غيرَ
مشاهدة القِرَدَه..
من أبناء يهوذا..
في أقنعة المستشرق والمستغرب..
بجوازات السفر الصادرةِ بأورشاليم..
والمنسوخةِ في باريسْ..
والمختومةِ في بيروتْ..
والقادمةِ إلينا من واق الواق..
سائحةً في حَرِّ الشمس..
حَقْدُ نجيب سرور الدفين على العنصرية الصهيونية الرجعية قديم وقد فجَّره سابقاً وهو ما يزال طالبا.. ولكنه مع زملائه (حكماء ريش) يصبُّ جام غضبه على الشارع المصري الذي أصبح مرتعاً لبعض الإسرائيليين القادمين بثقافاتهم القذرة وبضائعهم المزيَّفة وألاعيبهم ومهماتهم السرية في التجسُّس لصالح سياسة إسرائيل:
يا سيَّدتي الأفعى..
اللهجةُ من أعماق الشـَّام..
لكن العبريَّةَ بومٌ ينعقُ في ذيل الكلمات!
وأنا أذني يقظةْ
لا تخطيء زحف الأفعى..
من رهطِ يهوذا
في أي قنـاع!
ما حاصلُ جمْع المعلوماتِ
حتى الآن..
من ثرثرة الخصيان..
فرسانِ الأمسْ..
عشـَّاق السُّوق الصحفية..
في بيروتْ!
ذات التمويل المجهولِ
أو المعلوم؟!
-القومُعطاشٌ للْجنس _
كم فروج دانمركيٍّ
ذُبحَ وروقبَ.. ثم استنزفَ..
حسب شريعة موسى والتلمودْ..
والتوراة..
بغلاف "الموعد" و "الشَّبكة"
و"الصيَّاد"
و"رجوع الشيخ"
و"الفاشـوش"
لا تقتلْ.. بدءُ وصايا عشرْ..
يقصد موسى..
"لاتقتلْ إلا.. غيرَ يهوديّْ"
ويـلٌ للفروج الدانمركيّْ..
آهاً.. هاملت..
سبق السـمُّ السيفْ
سبق العـزَلُ السيفْ..
نمْ يا هملت!
وفي بروتوكول آخر يقول:
هذا عصرٌ تَهتُك فيه الفأرةُ..
عرضَ الفيل!
...
فلْتمرحْ في الأرض الفِئرانْ!
هذا عامُ الفيلْ!
ثم يعود ليذكِّرنا بالنَّزاهة وصوتِ الحق:
ألحقَّ الحقَّ أقولُ لكمْ..
لا حقَّ لحيٍّ إنْ ضاعتْ..
فى الأرض حقوقُ الأمواتْ..
لاحقَّ لميتٍ إن يُهتكْ..
عرضُ الكلماتْ!
وإذا كانَعذابُ الموتى
أصبح سـِلعهْ..
أو أُحجيةً.. أو أيقونهْ..
أو إعلانـاً أو نيشانـاً..
فعلى العصر اللَّعنةْ..
والطوفان قريبْ!
والأبطالُ،
بمعنى الكَلِمة..
ماتوا لم ينتظروا كِلْمهْ..
ما دار بخلد الواحد منهمْ..
حين استشهد..
أنَّ الإستشهادَ بُطولهْ..
أو حتى أنْ يُعطي شيئاً..
للجيل القادم مِن بعده..
فهو شهيدٌ لا مُتَفَلْسِفْ
ماذا يتمنَّى أنْ يأخذ..
مَن أعطى آخرَ ما يملك..
في ثورة غضبٍ أو حبّ؟!
قصائده (إحباطات شعرية) تعكس حالة من اليأس والنفور من عالم بلا عدل ولا حب ولا جمال.. حتى الطيور هربتْ من أعشاشها:
وها أنا أغوصُ في رمال الصَّمت..
أختنقْ
العشُّ يحترقْ..
ويهرب العصفور..
ثم:
أللَّيلُ أخطبوطْ!
مدينتي في الليل تدَّعي الهدوءْ..
لكنَّني أمــوءْ..
كقطَّةٍ جريحةٍ في البردْ..
مدينتي أبـراجْ..
والبرد كالكرباجْ..
مشيتُ طول اليومْ..
كما مشيتُ كل يومْ..
في الليل والنهار..
بغير مأوى يا مدينةَ السُّواحْ..
يا جُعبة الجرَّاحْ!
هذا الهدوء مصطنعْ..
والوحش يستريحُ كي يقوم في الصباحْ..
يستأنف الهجومْ!
الإخطبوط:
-بطاقتكْ!
-تفضَّلوا!
-ما مهنتكْ!
-كثيرةٌهي المهنْ!
لكنَّه النَّصيب!
-ما حرفتكْ؟
-قد أدركتْني حرفةُ الأدبْ!
أنا أقول الشعرْ!
-وتكتبُ الأشعار؟
-وآسفٌ أنا!
ألم أقلْ هو النَّصيبْ؟!
-هو التشرُّدُ.. الشَّغبْ..
هيَّا معي
*********
ويثقبُ الصباح نافذةْ..
هذا أنا فـي الحبسْ!
الليل والنهار أخطبوطْ
ويختم قصائد الإحباط بقوله:
يا للعصر اللَّولبْ
فلنبدأ من حيث بدأنا!!
أما (أميـّات) نجيب سرور التي استغرقت كتابتها خمسة أعوام (1969 – 1974) فهي قصائد هجائية بقالب الرباعيات وهي عمل خاص وشخصي ولم يقصد نجيب نشره للعامة بقدر ما أراد أن يسجل فيه رغبة دفينة في التعبير عن رفضه للقوانين المقلوبة والنفاق والتصنع وتحكم التافهين بشروط معيشة وإبداع الموهوبين والعباقرة والشرفاء، بلغة تختلف كليـَّاً عن لغة الكتابة والأدب المعروفة والمشروعة فجاءتْ من حيث الشكل عملاً غير قابل للنشر والتداول ولا حاجة تبرِّر له ذلك. والعمل بقي محفوظاً في مكتبة شهدي، ابن الفنان الراحل، لمدة عشرين سنة بعد وفاته دون أن ينشر. في عام 1998 أضاف شهدي نصَّ العمل إلى موقع على شبكة الإنتيرنيت باسم والده منوِّهاً إلى خصوصيته وقد أثار هذا الإجراء زوبعة كبيرة تعرَّض شهدي بسببها إلى متاعب كبيرة أمام أجهزة الرقابة والمحاكم في القاهرة.
و(الأميَّـات) جاءتْ كردِّ فعل الشاعر على وضع الساحة العربية خلال الفترة من حرب حزيران إلى حرب تشرين مع إسرائيل وما تلاها من اتفاقيات معها. في فترة السبعينيات واجهت نجيب سرور ظروفٌ قاسية للغاية وصل فيها اضطهاده وفصله من عمله مدرساً في أكاديمية الفنون في القاهرة إلى التشرُّد المأساوي ما جعله، وهو الإنسان الذي يكره الصمت والخنوع والاستسلام، إلى كتابة بعض القصائد الساخنة انتقد فيها بشكل لاذع سياسة حكومة أنور السادات تجاه الوطن والشعب وخاصة قمع الحريات العامة وحرية التعبير والتسلط على المثقفين والتنكيل بالشرفاء والوطنيين. تحاملتْ أجهزة السلطة في حينها على شاعرنا الكبير فلفَّقتْ له التهم المختلفة وساقته استناداً إلى شواهد كاذبة إلى مستشفى الأمراض العقلية.. وقد تكرَّر ذلك سعياً من السلطة لتحطيم نفسية نجيب سرور، العبقريِّ والمناضل العنيد وذُخرِ الفكر الثوري والإنساني.
عبقرية نجيب سرور يشهد لها تراثـه.. ولكنه قدر المناضلين.. فمثلمـا وقع فوتشيك بأيدي النازيين وشهدي عطية بأيدي الجبناء وأنطون سعادة وفرج الله الحلو والمئات غيرهم بأيدي الجلادين القذرة وقع نجيب سرور، نظراً لخطورة لسانه الحر وفكره النير وقدرته العظيمة على التحريض، عدة مرات بأيادٍ مجرمة سواء في بودابست أم في القاهرة.. والشاعر يدفع ثمن فراسته.. فرؤية نجيب لما خلف الصور التي تبدو لنا عادية أوصلتْه إلى حقائق كان من المستحيل نيلُ قناعة المعنيين بها في ذلك الوقت ولكن الحياة أثبتتْ صحتَها.. فلنقرأ ما قاله في قصيدته الشهيرة (المسيح واللصوص) بعد تعرُّفِه على الكثير من خلفيات الأمور في هنغاريا، البلد الاشتراكي الأوروبي وقد تغلغل النفوذ الصهيوني في صفوف حزبه وحكومته، والتي يتَّهم فيها المسيح بالتساهل والتسامح مع اللصوص مما أعطاهم الفرصة للاهتمام بمصالحهم والمتاجرة بنفس شعارات المسيح عدوهم. يحاور الشاعر المسيح متسائلاً ومستهجناً طوباويته فيعده بالعودة لتصحيح الأوضاع ويجري الحوار التالي:
- هل تـُصدّقُ ما تقولٌ؟
- الأبُّ قال بأنَّني حتماً أعودْ
مَلِكاً على أرض البشرْ
لتَسودَ في الناس المسرةُ و السلامْ!
- لو عدتَ.. منذا يعرفـُكْ؟
- سأقول: جئتُ أنا المسيحْ!
- سيطالبونكَ بالدليلْ.
- ستكونُ في جيبي البطاقةُ و الجوازْ.
- هذا قليل..
ما أسهـلَ التزويرَ للأوراقِ في عصرِ اللصوصْ.
ولديهمُ (الخبراءُ) سوف يؤكِّدونْ
أن الهويَّةَ زائفةْ!
- لكنْ عليها الختمُ.. ختمُ الأبّْ..
- يا بئسَ الدليلْ!
سيؤكدُ الخبراءُ أن الختمَ برهانٌ على زيفِ الهويَّة!
- سأريهمُ هذى الثقوبْ..
في جبهتي _ انظرْ_ و في الكفَّينِ.. في الرجلينِ..
جئتُ أنا المسيحْ!
- سيقول لوقا: قالَ مرقصُ
إنَّ متَّى قال يوحنَّا يقولْ:
"في البدء كانَ الأمرُ إصلبْ
والآن صار الصلب أوجَبْ!"
حتماً ستُصلبُ من جديد
همْ في انتظاركَ، كلُّ اتباعِكَ، قطعانُ اللصوص
همْ في انتظاركَ بالصليبْ...
ماذا؟ أتبكي؟ كلُّ شيءٍ مضحكٌ حتى الدموعْ!
العصرُ يضحك من دموعك، من دموعي،
عصرنا عصرُ اللصوصْ
بل أنتَ... حتى أنت لصٌّ!
لو لم تكنْ ما كان في الأرض اللصوصْ!
حتى أنا لصٌ.. ألم أُخدع طويلا باللصوص؟!
من أعمال نجيب العظيمة (أفكار جنونية في دفتر هـاملت) وهي دراما شعرية قدم لها بما يلي:
"ظل المؤرخون والمحققون والدارسون يبحثون قروناً عن "دفتر هاملت" الذي أشار إليه شكسبير في المشهد الخامس من الفصل الأول حتى يمكن حل "لغز هاملت" المحيِّر والمعجز وحسم الخلافات المستمرة والمعارك الموسمية حوله.. وبعد جرد ومسح المكتبات العامة والخاصة وكذلك مكتبات الجامعات والأكاديميات والصالونات والأديرة في جميع أنحاء العالم يئِسَ الجميع من العثور على مخطوط الدفتر حتى ولو في صورة منسوخة أو ممسوخة أو مشوهة أو مختصرة أو محرفة أو متحولة أو مطبوعة أو مصنوعة أو مدسوسة أو مزوَّرة.. كما يحدث عادة وبطريقة منظمة ومدروسة لكنـوز التراث الإنساني المهدد دائماً بالطوارىء الخفيـة والدورية.. ورغم هذا تمكن كاتب هذه السطور بطريق الصدفة والحظ وبركة دعاء الوالدين من أن يعثر على نسخة موثوق بها من الدفتر المنشود.. أما لماذا يوثِّق بها فلأنها النسخة الوحيدة في العالم من ناحية.. ومن ناحية أخرى فعلى من ينكرها أو يشك فيها أن يرجع بها إلى المرحوم شكسبير نفسه! ولهذا نورد الدفتر هنا بنصه "وبلا هوامش" ـ خاصة وقد انتشرت الدفاتر والهوامش في عصرنا هذا الحجري العاشر ـ ونرجو أن يجد فيه المؤرخون والمحققون والدارسون والطلبة ما يمكن أن يكون مفيداً"...
دراسة تراث نجيب سرور وعالمه الإبداعي مهمة ملحَّة أمام الجامعات والأكاديميات العربية والقوى الثورية واتحادات الكتاب والفنانين في العالم العربي لما يمثله هذا التراث من إثراء للأدب الشعبي والثوري والإنساني في مكانته من حياة الناس وكفاحهم من أجل الحرية والعدالة إضافة إلى المكانة العلمية والفنية التي تحتاج إلى المتخصصين. يذكر بأن بعض الدراسات في عالمه المسرحي صدرت بعد رحيله بفترة طويلة، وربما كان مردُّ ذلك التردُّد تأثراً بالحملات المتجنية التي حاولت النيل من سمعة شاعرنا الكبير، وتفتقر المكتبة الفنية العربية لدراسات لاحقة في عالمه المسرحي والشعري نأمل أن يبادر المتخصصون المخلصون لإنجازها دون تأخر. والكتب التي صدرت في نجيب سرور حتى الآن هي:
مسرح نجيب سرور - التوظيف الدرامي لأشكال الأدب الشعبي
القاهرة: مكتبة مدبولي، 1989
المؤلف: عصــام الدين أبو العلا
التراث في مسرح نجيب سرور
القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990
المؤلف: محمد الســيد عــيد
نجيب سرور.. مسرح الأزمة
القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992
المؤلف: خــيري شــلبي
حالة الإحباط التي رافقت حملات التنكيل بنجيب سرور قبيل وفاته يفسرهـا الصراع الداخلي في نفسه بين الثقة بالعدالة الحتمية والربيع الزاحف من جهة واليأس من الواقع المرير الذي عاشه وأحاط به وبزملائه وأهله والوطن من جهة ثانية.. وربما انتصرت الشخصية المهزومة في داخله في أواخر أيامه على شخصية سبارتاكوس التي ألبسها للفلاح، بطل مسرحيته (ياسين وبهية)، المناضل العنيد الذي كان على استعداد لأن يضحِّي بحياته من أجل تحرير الآخرين من الظلم والاضطهاد.. لكأنه ابتدأ العدَّ التنازلي لما تبقى له في هذه الدنيا من أيام.. وهو الذي قال من قبل:
قدْ آنَ يا كيخوتَ للقلب الجريح
أن يستريحْ،
فاحفرْ هنا قبراً ونمْ
وانقشْ على الصَّخر الأصمّ:
"يا نابشا قبري حنانكَ، ها هنا قلبٌ ينامْ،
لا فرقَ من عامٍ ينامُ وألفِ عامْ،
هذى العظام حصادُ أيامي.. فرِفْقاً بالعظامْ".
وهو الذي انتقل، لصدماته المتتالية، من حالة الإيمان بأن الحب يطيل العمر، فبه نحسُّ بأن العالم باقة زهر وترقٌّ مشاعرنا ونرقُّ لنصبح كنسماتِ الفجر الناعمة وتتحفز قلوبنا للخروج من الصدور كي تعانقَ الناس محبةً وتضامناً فنوجز البحر بقبلةْ.. إلى حالة التساؤل:
(البحرِ بْيِضْحَكْ ليه؟..البحرِ غضْبانْ ما بْيِضْحَكْشْ.. أصل الحكاية ما بِتْضَّحَّكْش..!!)القصيدة الشعبية التي غناها صديقه الفنان الثوري الراحل الشيخ إمام.
مات نجيب سرور.. وغضب البحر عبوساً واسودَّت السَّماء فوق (إخطاب) وصمتتْ عصافيرها عن التغريد حزنـاً على ابنها الشاب.. وغنّى رفاقُه الثوريون مرثيته التي خطها بيده من قبل:
"نحن حبـَّات البذارْ
نحن لا ننمو جميعاً عندما يأتي الربيعْ
بعضُنا يهلكُ من هولِ الصقيعْ
وتدوسُ البعضَ مِنَّا الأحذيةْ
ويموت البعضُ مِنَّا في ظلام الأقْبيةْ
غير أنَّا كلَّنا لسنا نموتْ
نحن حبَّاتُ البِذارْ
توفي نجيب سرور في 24 أكتوبر 1978 بمدينة دمنهور بمصر عن ستة وأربعين عاماً تاركاً جراحاً لن تندمل. أثار رحيله الباكر اكتئاباً في نفوس محبيه من الأدباء والفنانين والمفكرين والمناضلين الشرفاء. يقول صديق أيام الدراسة الدكتور أبو بكر يوسف محاولاً وصف التفسير المنطقي الوحيد لأزمة نجيب ونهايته المأساوية:
"إنه مأساة العقل، الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف والأكاذيب ليصل إلى الحقيقة، ولكنه للأسف يواصل الحفر حتى يخرج إلى الجانب الآخر، مُحْدثاً ثغرة في السَّد تتَّسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمرةً كل شيء!...
الفنان شمعة تحترق.. لتضيء لنا الدرب إلى الحقيقة والخير والجمال... ونجيب سرور فنان لم يدَّخر ضوءَه فاحترق سريعاً كشهاب مرَقَ في سمائنا ولكنه ترك في نفسي وفي نفوس الكثيرين غيري أثراً ساطعا لا ينسى.. لأنه أثرُ الموهبة المبدعة..".
لأولئك الذين ساهموا عن قرب أو بعد في أيٍّ من إجراءات التجنـِّي اللاأخلاقي على نجيب سرور وكـَيل الإتهـامات وتلفيق القصص وحياكة المؤامرات لاستعداء البعض وإقناع آخرين بتعرِّض شاعرنا الكبير إلى أزمات نفسية وخلل عصبي توجـَّبَ معها وضعـُه في مصح الأمراض العقلية مما أدى إلى إخضاعه لأبشع أشكـال التعذيب النفسي نقـول:
نجيب سرور عـاقل رغم أنـــوفكم.. ولد عـاقلاً وموهـوبـاً وعاش وجـاد فنـاً وأدبـاً وشعراً وفكراً عظيماً وقدرةً خارقة على تحريض المظلومين عبر إبداعاته الفنية والأدبية ونـاضل من أجل مصر والمصريين والعرب ومن أجل الإنسانية عـاقلاً وعبقريــاً وصمَـد بتحـدٍ أمـام أساليب التنكيل والإهانة في أقبيتكم وخارجها ومــات وهو عـاقلٌ.. وكـمـا اغتالت الأيادي القـذرة في محطات حزينة سوداء من التاريخ أنطون سعادة وفـرج الله الحلو وتشي غيفارا وغسان كنفاني وناجي العلي وغيرهم الكثير من الشرفاء، قتلت أنانيتكـم وخوفكـم من الإدانة نجيب سرور مسيحـاً اصطحب صليبه منذ فتوته ورافقته همومه وهواجسـه لكشف الحقائق إنارة لطريق المضطهدين طوال حياته.. ولن ينسى مفكرو وأدباء وشعراء وفنانو ومثقفو مصر وبلاد الشام والعرب الثوريون العقلاء وكذلك أبنـاء الشعب الطيبون والوطنيون الصادقون شاعرهم وفنانهم الرقيق والمناضل العنيد لأنـه حيٌّ في ذاكرتهم وحـاضرٌ في فكرهـم وهمومهم وقضاياهم المصيرية وجليٌّ في إبداعاتهم التي تحمـل قيم النضال ذاتها التي كـانت لنجيب سرور وهو يردد:
نحن حبـَّـات البـذار.. نحيــا من أجــل الربيـع ونموت من أجــل الربيـع.. وستغَطَّى قبورُنـا بالسنـابل.. أما أنتم، فسيضحك التاريخُ منكم والزهورُ.. أيها الجبناء!
***
اقرؤوا المزيد
عن نجيب سرور - جماليا