بدون عنوان

د. مفيـد مسُّـوح قرأها 1,639

"فـرج الله والغستــابو"

ترتيــــــلة ثـوريـــَّـة لمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد فــرجالله الحلــو

د. مفيـد مسُّـوح

نيسان/ ابريل 2004

الإهـداء:

- إلى السيدة فيرجيني الحلو

باسم حبات البذار...

- تحيـَّاتي عبدالله.. لك عندي مفـاجـأة

- أهـلاً بصديقي العزيز.. الحمد لله عَ سلامْتك.. هـات مـا عندك

 وبطريقة تشبه التسلُّل تمشَّينا إلى المكان الذي اعتدنا أنا وعبدالله وآخرون من الأصدقاء المقرَّبين الانزواء به لتبادل الأحاديث، بعيداً عن المتطفِّلين من الأولاد ذوي التربية السطحية، وهو أبعد واحدة من قناطر كنيسة الضيعة القديمة.. وأدركَ عبدالله على الفور أن المفاجأة من النوع الذي يحب.. مادةٌ للقراءة!!

كانت الشمس ترسل آخر أشعتها الصفراء قبيل غروب ذاك اليوم التمـوزي الدافيء والذي عادتْ في ساعات مسائه لذّةُ ما تبقى من برد الليالي الربيعية المعتاد في بداية صيف القرى الجبلية..

الضوء الواصل إلى القنطرة المتجهة إلى الغرب كان كافياً لتمكيننا من قراءة ما جلبته معي من مدينة بانياس مقصوصاً من جريدة لبنانية اعتاد الأهل قراءتها باستمرار..

تبادلنا أولاً أحاديثنا التقليدية للاطمئنان عن الأحوال الصحية والدراسية وعن الأهل والأصدقاء بعد انقطاع لفترة تسعة أشهر كما هي الحال كلَّ عام. كـانت أجوبة عبدالله مقتضبة وسريعة وكانت أسئلته لي قصيرة جداً لأنه كان متلهفاً لرؤية ما بيدي دون أن يخفِّف ذلك من حالة الفرح باللقاء والبهجة وتعالي القهقهات..

ولم أُطِلْ انتظارَه.. فتحتُ الورقة التي أخذتها للتَّو من الحقيبة المملوءة بمـا اخترتُه من كتب ومجلات أحملها مؤونةً لأيام الصيف الطويلة في قريتي (حبنمرة) التي تبعد حوالي ستين كيلومتراً من بانياس، حيث كنت أعيش مع جزء من عائلتي بينما كان كبارنا في دمشق.

كنت قد وصلت مع عائلتي إلى الضيعة قبل ساعة واحدة قضيتُها بمتعة كبيرة في البيت مع جدَّي وآخرين.. ولكنني كنت متلهفاً للذهاب إلى الساحة المتاخمة للكنيسة حيث يلتقي عادة الشباب والفتيان بعيداً عن ساحة الضيعة التقليدية، الملتقى اليومي للشِّيَّب..

- يـالله خلِّصْني.. هات لَشوف شو معك..

- مهلاً يـاصاحبي سنقرأ معاً.. ولكننا بحاجة أولاً إلى فاصل من الصمت.. فالموقف حزين وما لديَّ يثير ولا يُبهِج..

- حسنـاً مـا هذا؟

- إنهـا قصيدة رائعـة لشاعر مصري اسمـه نجيب سرور عن الشهيد فرج الله الحلـو..

والتصقنا على المقعد الحجري القديم، غيرَ عابئَين ببرودته أو بخشونة سطحه ولا مكترثَين بالمارّة، واضعَين القُصاصة بيننا.. قرأتُ بصوت طفولي متهدِّج وسمعَ بصمتٍ ما لبث أن اعتراه الخشوع بعد بُرهةٍ قصيرة:

القـرنُ: يُــقالُ العشــرونْ

والعـام: التاسـعُ والخمسـونْ

لكنْ لا أذكرُ ما الشـَّهرُ

لا أذكر حتى ما اليـومْ

والساعةُ لا أعرف كـمْ

فهنــا..

في جوف الزّنزانـــةْ

خلفَ الشمسِ

يجري توقيتُ الغستابـــو

سألوني من زمن ٍ مااسـْمـُكْ؟

-       "تيلمـانْ

أو شـُهدي..

أو فوتْشيـك

أو قولوا الحلــو

قولـوا ماشئتـمْ

أيَّ اسْــمٍ

عســَّافٌ إسمـي

عسـَّـافْ"..

جـُنَّ الغستابو وانفجرتْ

في وجهي آبـارُ الـَّدمِّ

فبصقتُ دماً ملءَ الفـمِّ

في وجه الغستابو الجَهمِ

وأنا أضحكْ

ركـْـلـه ْ...‍‍‍‍!

زعقوا... مااسْمـُكْ؟

إنســـانٌ

أيُّ إنســانْ..

إبـنُ العمـَّالِ أنا

من رأسي حتى قدمـيْ

من أغور أغـوار القـلبِ

جنديٌّ في جيش الشـَّعبِ

قربانٌ من أجل الحـزبِ

في مصرَ أنا

في سوريَّـا

في لبنــانْ

في العالم في كل مكــانْ

أنا وطنيْ كـلُّ القـارَّاتْ

أمشي في زحف العمـَّالْ

عسـَّافٌ إسمـي عسـَّافْ..

انغمسْنـا في جوِّ القصيدة..

الذي كـان يعنينا حقاً هو الشِّعر.. لم نكن نعرف الشاعر.. ربمـا عرفه غيرُنـا في ذلك الحين ولكن أغلب الظن أن قلائـل سمعوا عن نجيب سرور.. ومن المرجح أن معظمهم من لبنان، المتميزة بحرياتها العامة وخصوصاً حرية الفكر والتعبير والنشر والتداول بفارق هائل عما كانت عليه الحال في سوريا.. أنا نفسي سألت أهلي عندما قرأت القصيدة لأول مرة عن الشاعر ولم أعرف أكثر من أنه فنانٌ مصري شيوعي ويعيش في موسكو..

عشنـا صور القصيدة ورحلاتها بحزن عميق هزَّ كياننا وملأ عيوننا بالدَّمع واشرأبَّ الوبر النـاعم على سواعدنا الطرية.. توقَّفت عن القراءة عدَّة مرات بسبب جفاف حلقي أو تقلُّص عضلات وجهي القريبة من فمي.. ولكن فكرة إلغاء القراءة أو تأجيلها لم تكن واردة.. استغرق إكمال القصيدة من الزمن ما يزيد عن الحاجة لقراءة قصيدة عادية بنفس الحجم نظراً لبرهات صمت اضطرارية اشتهيت عندهـا جرعة ماء من "عين مريم" ولم يكن الماء قريباً..

وأعـاد الغستـابو الكَرَّةْ

لا أدري في هذي المَـرَّة ْ

من أيــنَ الآبارُ الثـَّرَّةْ

في جسميْ كانتْ تتدفـَّقْ

حاولتُ كثيراً أن أبصـُقْ

جاهدتُ

ولكنْ لم أبصـُقْ

وتـدور الأرضُ

والسقفُ الصخريُّ يدورْ

وتدور الجـدرانُ تدورْ

ويلفُّ الأشياءَ ضبــابُ

وتغيب وجوهُ الغستـابو

وأغيبْ أنا...

الضوء تخامد تدريجياً وكاد أن يختفي نهائياً ما جعلني أبذل جهداً أكبر لرؤية ما تبقى من الأبيات على ورقة الجريدة الباهتة اللون والمطبوعة بأحرف صغيرة على صفحة واحدة منسَّقة وفق أعمدة مترادفة دون أي تعليق. الورقة شارفتْ على الاهتراء لكثرة ما قُرئتْ وطُويتْ وفُتحتْ وانتقلتْ من جيب إلى آخر.. ومن حُسن حظي في ذاك الوقت أنني كنت قد حفظت قسماً من القصيدة بعد أن قرأتها عدة مرات أو سمعت الآخرين في البيت يردِّدونها، بألم وأسى، كي يكبر السّخط في نفوسنا على القتلة أعداء الإنسانية.. وكم كنتُ متأنياً في مسك الورقة بنعومة خشية ازدياد اهتراء أطرافها أو خطوط ثنيها حرصاً مني على الالتزام بتعهُّدي الحفاظ عليهـا سليمةً، بالرغم من أنني رأيتُ أخي الذي يكبرني وقد نسخها على دفتر عزيز على قلبه كإضافة قيِّمة لرموز مقدساته..

كانت القصيدة قد أعيد نشرها في ذاك العدد من (الأخبار)، صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني بمناسبة الذكرى السابعة لاستشهـاد فرج الله الحلو تحت التعذيب الوحشي بأيدي أجهزة أمن عبد الحميد السرَّاج في دمشق في الخامس والعشرين من حزيران 1959 بتهمة قيادة تنظيـم سياسي محظور. والقصيدة التي كتبها الشاعر والفنان نجيب سرور تحمل عنوان "فرج الله والغستـابو" تركتْ أثراً بالغاً في نفوس الوطنيين واليساريين في مصر وبلاد الشَّام كما أنها أثارتْ حفيظة أجهزة الأمن في سوريا ومصر.

لم نكن في تلك الأيام، ونحن في الخامسة عشر من العمر، ندرك الأوضاع السياسية وتفاصيلها ولم يتجاوز اهتمامنا كفتيان من منْبتٍ فقير ثوري إبان فترة الوحدة المصرية-السورية وبعدها بعدة سنوات سوى تذكر وحشية الجلادين في تعاملهم اللاإنساني مع المعتقلين السياسيين ممَّن لم ترقْ للسلطة آراؤهم وانتماءاتهم ونشاطاتهم الفكرية والجماهيرية وكانت قضية فرج الله الحلو، الذي طالما سمعنا الأحاديث المستفيضة عن أخلاقه العالية ووطنيته الصادقة ومحبته للناس ونضاله من أجل قضاياهم وكذلك عن ثقافته العميقة وموقعه الكبير في أوساط الأدب والسياسة في عدة بلدان عربية، كانت هذه القضية المثال الصارخ للديكتاتورية والقمع والاستبداد ومصادرة حرية التعبير والتنكيل بسجناء الرأي وتعذيبهم حتى الموت.

نجيب الذي يذكر في قصيدته على لسان فرج الله الحلو، المناضلَ والأديب التشيكي يوليوس فوتْشيك، صاحب الرواية الشهيرة (تحت أعواد المشانق)، الذي مات تحت التعذيب الوحشي بأيدي الشرطة النازية (الغستابو) رافضاً الاعتراف أمامهم بأسماء رفاقه أعضاء خلايا المقاومة الوطنية وأرنيست تيلْمان المناضل الألماني الذي استشهد أيضاً في سجون هتلر عام 1941 يذكر إلى جانبهما المناضل والكاتب الشيوعي المصري شهدي عطية الشافعي الذي مات تحت التعذيب في أقبية المباحث المصرية أيام حكم جمال عبد الناصر عام 1960 عن 48 عاماً.. إنها لمقارنة سليمة وصحيحة جعلتْنا نقبل عنوان القصيدة وتسمية الجلادين الذين عذبوا شهدي ويعذبون فرج بأنهم الغستابو نفسه الذي ارتكب أفظع الجرائم بحق المناضلين والشعوب الأوروبية وبحق الإنسانية جمعاء..

تنهيدة!! وأكْملُ:

القرنُ: يُـقـالُ العشرونْ

والعام: التاسعُ والخمسونْ

وحدي أنتظـرُ الغستابـو

وحدي..

وحدي؟!

ومئاتٌ من حـولي

ومئاتٌ من قبـلي

ومئاتٌ من بعـدي

وألوفُ ألوفُ العمـَّالْ

في الخارج لا بلْ في قلبـي

ورفـاقي كلُّ الشرفاءْ

في وطني يحضنهمْ شعبـي

أأنا وحدي؟

كنتُ أسيرْ..

وســْطَ دمشـقْ

والساعةُ منتصفُ الليـلْ

والبردُ رصاصٌ مسمـومْ

والـريحُ تنـوحُ كما بومْ

والشارع.. خـالٍ من نسمةْ

ودمشقُ

تلفـِّحـُها الظُّـلمةْ

والليل ضريرٌ

لم تبسمْ حتى نـَجمةْ

ويجيءُ نـُباحُ الغستابــو:

"يحيــا القائـدْ.. هايـْل الرائـدْ"

أذكرُ أذكــرْ

يذكرُ مثـلي فوتْشيـكْ

يذكرُ تيلْمــانْ

"يحيـا الفوهررْ.. هايـْـل هتلرْ"

أذكر ُ أذكــرْ

       "يحيا الحسنــي

              والحنـــَّاوي

                     والشيشكــلي"

أضحكُ... أضحكْ

يضحكُ كـلُّ العالـمْ

تضحكُ كـلُّ دمشقْ

يضحكُ كـلُّ الشرقْ

أيـن الفوهْررْ؟

صـِرتُ أفكـِّرْ:

أكبادي.. زوجي.. بيروتْ

وأبـــو زعبـلْ

أكبادي في كل العالمْ

يابيروتُ

من ماتَ

ومن سوف يموتُ

أو يحيا من أجل الشـَّعبِ

البردُ رصاصٌ مسمـومْ

والـرِّيح تنـوحُ كما بومْ

والشارعُ خـالٍ مِن نَسمةْ

ودمشقُ

تُلفِّحُها الظُّلمةْ

والنَّجمةُ تهمُسُ للنَّجمةْ:

"هجْمـةْ... هجْمـةْ"

فِرِّي..

قـد هجمَ الغستابـو

ضربـو.. ضربـو..

آهٍ..

لكأنِّي أركبُ أرجوحةْ

تعلو تهبطْ..... تعلو تهبطْ

غابتْ عنـِّي الرؤيـا

أسقطُ... أسقطْ

   

نسمات الهواء القادمة من الفتحة الطبيعية التي تحدُّ القرية من جهة الغرب تودِّع الشمس وتُنبئُنا بليلة باردة تتطلَّب احتياطات كافية.. الأمهات يحرصْن على إبقاء اللحف الثقيلة والحرامات لحماية الأولاد من برد الليل.. ليالي شهر حزيران وحتى أواسط تموز ليست كليالي شهر آب التي يتلذَّذ فيها الكثيرون بالنَّوم على السطوح والأماكن المكشوفة بالرغم من أن الليل في آب بارد ولكنه محبَّب بالمقارنة مع نهاره الحار..

بدأتُ أحسُّ بالبرد وأنا في أول يوم من إجازة الصيف بعيداً عن شاطىء البحر الدافيء. السَّماء التي تركتُها زرقاء صافية كشرشفٍ أزرقَ وحيد اللون فوق بانياس أراها مرقَّعة بغيوم رمادية فوق الضَّيعة وممتزجة مع أخرى برتقالية فوق بلدة صافيتا والبحرِ وهي تضم الشمسَ وداعاً إلى الغد بينما راحت الرياح الخفيفة تغازل الأوراق الفتية النَّضرة لأشجار التين والتوت والمشمش والتفاح التي تبرز أجزاؤها العليا من خلف أسوار المنازل القريبة على الغصون المتراقصة لربيعها الشاب.

قصة جريمة اغتيال فرج الله المختطَف، التي لم تتأكَّد إلا بعد قرابة السنة من استشهاده تحت التعذيب الهمجي، كانت على كل لسان في سوريا ولبنان ومصر وغيرها.. سمعناها من أهالينا ونحن أطفال وكان من الصعب أن تجد أحداً تردَّد في التنديد العلني بالجريمة البشعة التي أثارت الأهالي في سوريا ولبنان مثلما أثارت السياسيين.. وتكرَّر التَّذكير بالرواية سنة بعد سنة.. قيل لنـا فيما بعد أن السخط والإستنكار عمَّ الأوساط الشعبية وحركات التحرر والسلم في العالم وتشكلتْ لجانٌ دولية ضمَّتْ شخصياتٍ لامعةً من بلدان أوروبية وآسيوية ومن بلدان عربية وأخرى في أميريكا اللاتينية مارست ضغوطاً سياسية على القيادة المصرية، التي كانت في ذلك الوقت تسيطر على القيادة السورية عبر شخصيات سيئة السيرة وتتميز بقدراتٍ خاصة على القمع والتنكيل بالمواطنين وتكريس الاستبداد.. وقد سجَّل التاريخ فشل هذا التضامن الدولي بسبب تهرُّب أجهزة الأمن في سوريا والقيادة المصرية من مسؤوليتها تجاه جريمة نكـراء اهتـزَّت لهـا مشاعر أحرار العالم..

وقد أثـار لغز غياب فرج الله وانعدام تسرُّب أي خبر من أروقة أجهزة القمع الناصري في سوريا، أثار قلقَ أهله وذويه وقيادة الحزب وجماهيره وكافة القوى الوطنية.. ولكن هذا القلق لم يُفقد المناضلين الأمل بإمكانية بقائه حياً في سجون عبد الحميد السرَّاج.

عَرِف فرج الله الحلو دمشقَ بحاراتها وشخصياتها وأحبَّها.. قبْلها عرف حمص التي درَّس في إحدى مدارسها وتعرَّف إلى أهاليها.. وسافر كثيرا إلى بلداتِ وقرى معظم المحافظات السورية فالتقى كوادر الحزب فيها وعائلاتهم فأحبّوه كثيراً لما كانت تحمله شخصيتُه من صفات الإنسان الوديع الودود المتواضع الهادىء المُحبِّ للآخرين والنَّاكر للذَّات أمام إيمانه المطلق بالعمل الجماعي معياراً للرُّقي والتطوُّر.. لقد كان فرج في مرحلة العمل السري منذ قيام الوحدة وتوليه قيادة الحزب في سوريا كما كان في المرحلة العلنية السابقة نموذجاً للقائد الشيوعي والرفيق المحبّ لوطنه وشعبه والغيور على الحزب. كان يتمتَّع بثقافة عالية وإلمام بأسس الفكر الماركسي والتراث الثوري العالمي إضافة إلى اهتمامه بالتاريخ والفلسفة والأدب العربي والعالمي.

مسـاءُ القرية في أواخر أيام الربيع وطيلة أيام الصيف يعجُّ بالمارَّة والمتسكِّعين.. بعد نهاية السنة الدراسية يتقاطر إلى البلدة الوديعة أبناءُ أهاليها من المدن التي يعمل فيها الموظفون والمدرسون وعمال المصانع فتزداد ساحاتها وأزقّتها حيويةً.. حتى أولئك الموظفون الساكنون في المدن القريبة والذين يقتصر تردُّدهم على الضيعة أيام الخريف والشتاء على عطلات الأعياد يعودون إليها مساءَ كل يوم مع اقتراب مواسم الخضار والفواكه وخاصة العنب والتين وقبلها موسم حصاد القمح يليه موسم سلْق الحنطة لتحضير البرغل، المادة الغذائية الرئيسة لكل بيت في قرى وبلدات المجتمع السوري آنذاك، لهذه المواسم رونقُ فرحٍ لا يخبو لمـا تعكسُه طقوسُها من مشـاعر ودٍّ وتحابٍّ يتحرَّض الشباب في ظلِّها إلى الخطوبة والزواج فتزدهر أيام الضيعة بالأعراس في صيفها البهيّ. من أجمل صور الاستمتاع البسيط نزهات فِرَقٍ من الفتيان والفتيات على طول طريق امتدّ من "عين مريم"، النبع الذي شربتْ منه أجيالُ أكثر من أربعمائة عام وما نضُبَ وما قلَّ ماؤه الطيِّب، إلى آخر نقطة مسكونة في القرية عند ما اتُّفق على تسميته "أبواب الهوى".. ومن المؤكد أن من أطلق التسمية لأول مرة قصد بها "أبواب الهواء" نظراً للفتحة بين التلال المحيطة بالمكان والتي مرَّرت الهواء النقي حاملاً معه رائحة غابات السنديان والكروم وعطر الطيّون ولكنَّ شباب القرية راق لهم استخدام الألف المقصورة ذريعة لتبرير نزهات المساء اليومية المحبَّبة مشكلين قطاراً بشرياً أضيف إلى جمال الطبيعة الساحر..

حتى سيدات البيوت وكبيرات السنِّ تشجعنَ مساءً للتوافد إلى العين لمَلْء جرارهنَّ.. كنَّ يمشين مثنىً أو ثـلاث، والجرار الملأى بالماء البارد على أكتافهن، يتحادثْنَ طوال الطريق وأجسامهن تتمايل بحركة إيقاعية دلعاً يغطِّي التحايُل ضماناً للحفاظ على التوازن المطلوب للوصول إلى البيت بماء الشرب النقي الطيب..

- عطشت يا عبدالله.. وْأنا مشتاقْ لَميِّةِ العين.. لم أشرب في البيت إلا كأساً منها..

وبقفزة واحدة وعدَّة خطوات ودون الكثير من الكلام خُلقت في يد عبدالله "طاسة نحاسية" بحجم الكفين المتكوِّرتَين:

- بقيَ أنْ نستوقفَ إحدى المّلايات..

بعد ثوان ٍ كانت طاسة الماء بيدي.. شربتها كلها.. تمنيتُ أن أشربها على مهلٍ لتحقيق أكبر قدر من الاستمتاع ولكنني لم أكن بعد قد قرأت أكثر من نصف القصيدة فغببْت الماء اللذيذ دفعة واحدة واندلق بعضه على صدري.. ضحك عبدالله مني لأنني لا أتقن الشرب من الطاسة.. كان بارداً أثار فيَّ رعشةً.. الطقس يميل إلى البرودة والضوء إلى أفول..

- لا أعرف إن كنَّا سنكْمل القراءة.. مـا رأيك؟

- رأيي أنْ نذهب إلى البيت.. هناك سنشعل السِّراج ونكْملُ القراءة وسنشربُ الماء والشاي أيضاً وسأطعمك حصْرماً من كرمنا.

لم أتردَّد في الموافقة على اقتراح عبدالله، صديقي الأول الطَّيب الودود الذي كنت أكن له ولأهله كل محبة واحترام.. كان بيته بسيطاً للغاية وكنت أشعر في ترحاب أهله وتعابيرهم الصَّادقة دفئاً لا أجدُه في بيوت أخرى.. كان الجو في بيت العم "أبي جبُّور" ملائماً جدَّاً لإكمال قراءة القصيدة..

لم يفسح عبدالله المجال لإضاعة الوقت بالترحيب بي والاطمئنان عن الأهل.. جلسنا على المقعد الخشبي المغطَّي بطرَّاحة محشوة بالقماش العتيق ساندَين ظهرَينا إلى الخلف حيث وُضع مسندان محشوان بالقشِّ المضغوط.. كنـا قصيرَي القامتَين وكان المقعد عريضاً وكأنه مصنوع للعمالقة فقط مما ترك أرجلنا متدلِّية وبعيدة عن الأرض المفروشة بالتراب المرصوص والمغطاة بحصيرة سميكة.

استأنفتُ القراءة على ضوء خافتٍ تراجعتْ معه سرعتي وازداد تلعثُمي، مستعيداً أحاسيس التعايش مع فرج الله وهو يتعرَّض لأبشع أشكال التعذيب بينما عادتْ لعبدالله حالة الخشوع المترافقة مع حقدٍ على الجلادين وكراهية لرؤسائهم:

القـرنُ: يُــقالُ العشــرونْ

والعام: التاسـعُ والخمسـونْ

مطروحٌ مشلولُ الجسـمِ

أتلـوَّى فـي بـِركة دم ِّ

بعظامي شيءٌ

بعــُروقـي

بكيانـي يجري كالسـُّم ِّ

نادوني باسـْمي:

 "فـرج اللهً!!

لكنِّـي أحيـا متنكـِّرْ في عسـَّافْ!!

عرفــوا إسمـي؟!

ممـَّنْ عرفــوه؟

هابيـلُ.. يطعنـُه أخـوه!!

مـِن قابيلْ؟    مـِن قابيـلْ؟

كمْ غيري في سجن المـزَّة؟

كمْ هابيـلْ؟ كم هابيـلْ؟

قلبي يتخطـَّى الأسوارْ

ويغافـِلُ كلَّ الحرِّاسْ

ليعانقَ كلَّ الشـُّرفاءْ

في حـِضنِ دمشقْ..

       < كيفْ حالكْ ياجــارْ

              لو تعـرفْ شـو صارْ>

هل عرفوا أنـِّي في المـزَّةْ

في قـَعرِ الجـُبّْ؟

هل كشفوا خنجرَ قابيـــلَ

في ظـَهرِ الحـِزبْ؟

   

ترقرقَ الدمع في عيوننا.. وأضفنا إلى حقدنا على المخابرات والجلادين حقداً على الخونة والأنانيين والمستسلمين الذين فضَّلوا لأنفسهم الأمن والسلامة ولو على حساب حياة رفاقهم وحريتهم.. كنا قد سمعنا من أشخاص أكبر سنَّاً أنَّ أحد أعضاء القيادة ممن ائْتُمنوا على الكثير من أسرارها، كان على علم بموعد قدوم فرج الله الحلو من بيروت إلى دمشق في مهمة حزبية خاصة.. وقد تبين بأن هذا الشخص، ويدعى رفيق رضا، هو الخائن والمتخاذل الذي أعطى المعلومات التي أوصلتْ رجال المخابرات بقيادة عبد الحميد السرَّاج (مفرزة سامي جمعة وعبد الوهاب الخطيب) إلى فرج الله فاعتقلوه فور وصوله إلى البيت السرِّي في دمشق واقتادوه إلى أحد أقبيتهم القذرة المعروفة في (حي الطلياني).

رائحةُ الزبل تفوح.. تحملها النسائم التي تأتيني من الباب ومن الشباك الصغير المطل على أرض الدار.. زريبة البقرة قريبة جداً وقد عادتْ بالبقرة "أم جبُّور" من الكرم مروراً بالعين في الطرف الشرقي لملْء ما تبقى من فراغ في معدتها بالماء.. هذه عادة كل أهل الضيعة.. من غير المعقول تأمين الماء للدَّواب في المنزل، كل الدَّواب تشرب وهي في طريق العودة، حتى تلك القادمة من الغرب ولو طال بها المسير. لم أكن أكره تلك الرائحة.. كانت الفتيات لا تُطِقْنها أما الفتيان فكانوا أقل تحسُّساً.. الزّبل هو روث البقر فقط ويمثل بالنسبة لأهل الضيعة مادة ذات قيمة يجب عدم إهمالها وهم لذلك يحتفظون بوسائل لالتقاطها من الطريق أو أماكن وقوف البقر وجمعها ومعالجتها بالدَّعْك والمزج بفُتات قصب القمح لصنع مادة تسمى (الجلَّة) تُستخدم كوقود.. رائحته الخاصة تميِّز قرى وادي النصارى وجبال العلويين.. عندما يصبح المزيج جاهزاً لا بدّ من تجفيفه لطرد الماء الزائد مما يتطلَّب تعريضَه لشمس النهار ويتم ذلك بلصق أقراصه التي تُدوَّرُ كالرغيف السميك على الجدران ذات الحجارة المتنافرة السوداء المتراكبة بدون ملاط فوق بعضها البعض، ضماناً لالتصاقها.

أهل الضيعة سعداء وفخورون بحياتهم البسيطة طالما أنهم ليسوا بعيدين عن الحضارة والسياسة والعلم.. القرى هذه ترفد المدن السورية باستمرار بآلاف المحامين والمدرسين والضباط والأطباء وأساتذة الجامعات ورجال السياسة والأدباء والشعراء وكثيرون منهم سافروا أو أوفدوا على حساب الحكومة للتحصيل العلمي في بلدان أوروبية وأثبتوا جدارة ومهارة، وكانت تحظى بالقليل القليل من الاهتمام وتأمين متطلبات الحياة العصرية وتتميز هذه القرى بانخفاض نسبة الأمية بالمقارنة مع مناطق أخرى وباقي المحافظات.

أغلب الظن أن نجيب سـرور، الذي كـان في بداية مرحلة جديدة في حياته الدراسية في موسكو، ترافقت حملات تنديده المستمر والعلني بالسياسة المصرية المعادية للشيوعيين في مصر وسوريا بحرصٍ على تتبُّع أخبار المناضلين الملاحَقين أو المعتقَلين في سجون البلدين.. فكان يتلقَّف الأخبار المتسرِّبة عن فرج الله في دمشق وعن شهدي عطية في مصر.. ولكن شحَّ المعلومات وصعوبة نقلها واختلاط المؤكد منها بذاك المبني على التقدير والتخمين وغياب الحقيقة في دمشق، التي نُشرت تصريحات المسؤولين فيها على مستوى عالمي تشيع بأن مَرافقَ الأمن العام عند الحدود السورية لم تسجِّل دخول شخص يُدعى "فرج الله الحلو"..، كـلُّ هذا، إضافة إلى أن أحداً لم يكن يود أن يصِّدق أن فرج الله قد مات فور اعتقاله، جعل الكثيرين، بمن فيهم نجيب سرور، يعتقد بأن المناضل الكبير مازال على قيد الحياة ولا بدَّ من الإستمرار في تنظيم الحملات العالمية لإطلاق سراحه. الإعلان عن نهاية البطل أتى متأخراً سنة كاملة ومن دون تفاصيل نظراً لاستمرار الأجهزة آنذاك في التستُّر على الواقعة.. لقد ظنَّ نجيب وهو يكتب قصيدته، مثلما ظنَّ الآخرون، بأنَّ فرج تعرَّض في سجنه للاستجواب والتعذيب المتقطع لفترة لا تقل عن السنة وبأنه قضى في زنزانته في أوائل صيف 1960.

عدَّلـْتُ جلوسي على المقعد غير المريح وأنا آخذ رشفةً من كأس الشاي الشديد الحلاوة الذي حضَّرته لنا "أم جبُّور"، تخيَّلتُ صعوبة غلي الماء في الإبريق المصنوع من الألمنيوم وقد عشعش الشحَّار الأسود في ثناياه فوق نار البيت أو عند إحدى الجارات، بينما نهض عبدالله يزيد من إنارة ضوء الكاز الشحيح برفعه فتيلَه المشتعل إلى الأعلى دون أن يعبأ للزيادة في حرق الكاز الذي يُترجم إلى كلفة نقدية.. لم تكن في القرية حينها، كمـا هي الحال في أغلب القرى ومناطق الريف السوري، خدمة الطاقة الكهربائية.. كان هناك بيت واحد اعتمد على مولِّدة لإنارة بعض غرف منزله وقد نظر الأهالي إليهم بغيرة، بعضهم كان يقول (الله يتحنن!) دفعاً للحسد السلبي، وهو بيت المختار الثريِّ صاحب الأراضي والأملاك ووسائط النقل وغيرها من مصادر تراكم الثراء في قرية يعتمد معظم أهاليها على عطاء حقولهم وبقراتهم المتواضع أو دخل الوظيفة المحدود..

لم يكن اعتماد القرية على الإنارة بهذه الطريقة يزعجني.. كنتُ أحسُّ عتمة الطرقات في المساء والليل جزءاً لا يتجَّزأ من متعة الصيف لما تضفيه الظُّلمة، التي تكسِّرها أشعة خافتة صادرة من نوافذ البيوت المتراشقة دون أي انتظام، من جو رومانسي محبب في لوحة ليلية امتزجتْ فيها العتمة بهدوء لا يعكرُّه إلا أصواتُ "زيز الحصايد" أو نباح كلب..

كنا حريصَين أنا وعبدالله على البقاء لوحدنا لا بسبب الخوف، فالقرية آمنة ومطمئِنة تجاه قضايا من هذا النوع.. والضيعة برمَّتها تعاطفتْ مع قضية فرج الله الحلو وبكتْ استشهاده وأعلنتْ جهاراً سخطَها على القتَلَة، إنَّما رغبةً منا بإنجاز ما نقوم به دون عرقلة.. تـابعتُ:

القـرنُ:

يُـقالُ العشــرونْ

والعـامُ:

يُـقالُ الستــُّونْ

وأنا في الجبّْ

عينايَ على البـاب المُغـْلقْ

أذُنـايَ على الصَّمْتِ الأخرسْ

من بابِ فـُضولْ

ماذا في وِسْع الغستابو؟

خلـعُ أظافرْ؟

خلعـوها من أولِّ يــومِ

خرجتْ باللحـمِ وبالـدَّمِّ

لن تنبتَ ليْ بعـدُ أظافـرْ

ماذا في وِسْع الغستابو

فوقَ التعذيبِ الوحشـيّْ

فوقَ الكَـيّْ

أو صبِّ الماءِ المغليّْ

فـوقَ الباردِ

والباردِ فـوقَ المغليّْ

أسناني....!

هل بقيت سـنٌ في فكِّي؟!

عقبُ السيجارة في اللحمِ؟

حرقوا لحمي

هل يـُغرَسُ عقبٌ في العظمِ؟

قطـعُ لسـاني؟

هم أحـْوجُ مني للساني

ماذا في وِسْع الغستابـو

لمناضلَ غيرُ الموتْ

الموتُ لعيـنٌ ورهيبْ

لكن..

في جبِّ التعذيـبْ

لا نخشـاهْ...

نتمنـــَّاهْ

فالموتُ لنا مثـلُ الواحـةْ

والموتُ لهـمْ... للغستابـو

يعني الصَّمتْ

فالميـِّتُ مِن دون لسانْ

والحـيُّ لـه ألفُ لسانْ

قد يضعفُ يومـاً

قد يركـعْ

يتخاذلُ... يرضخُ... ينهارْ

ويبوحُ بتلـك الأسرارْ

سأموتُ لكي يحيـا الشـَّعبْ

* 

حَمَلُوني فوقَ النَّقــَّالة

هبطوا سُلـَّمْ

ساروا.. لفـُّوا

دخلـوا غـُرفـةْ

داخـلَ غـرفةْ.. داخـلَ غـرفةْ

وقفـوا..

حَطـُّوا النَّقــَّالةْ

< ماذا بجراب الغستابـو؟ >

الصورة السينمائية التي انتقلنا معها لنراقب ماذا سيحدث وإلى أين يَقتاد الجلادون بطلَنا، الذي كان بالنسبة لأهله ورفاقه مسيحَ القرن العشرين الواقع في قبضة جنود بني إسرائيل المتوحشين الساديين، فاديهم الذي ما انفك يردِّد (سأموتُ ليحيا الشعب)، خفَّفتْ للحظاتٍ من حالة الألم التي ألمَّتْ بنا ونحن نرى فنون التعذيب فاستغلَّينا هذه الاستراحة لمَسْح الدموع عن أعيننـا وأخذِ جرعةٍ من النَّفَس، الذي كان محبوساً في صدرَينا الصَّغيرين، ورشفةٍ من الشاي..

أروقة أبنية المخابرات مخيفة.. جدرانها مرتفعة وممراتها طويلة ومتشعِّبة وأقسامها كثيرة وطوابقُها كذلك وغرابتُها المعمارية تذكِّرك بسجون الرومان في قلاعهم.. في زواياها روائح القذارة والتآمر والتربِّص والتنصُّت والملاحقة وعلى أسطح جدرانها تتكسّر أصداء قهقهاتِ الضباط أو صراخهم في وجوه مرؤوسيهم ممزوجة مع أنين الخاضعين للتعذيب وتِلاواتِ بعض الموقوفين في زنزاناتٍ هنا ومهاجعَ هناك معزولةٍ عن النور والعالم الخارجي سوى من فتحة لا تزيد مساحتها عن سطح كفّين مفتوحتين ولها شَبَكٌ حديديٌّ قابلٌ للتحريك من الجهة الخارجية فقط لتمرير الماء والوجبات المخصصة للموقوفين.. أما من الداخل فالشروط الإنسانية والصحية للمكوث ساعة واحدة معدومة وأول ما يشعر به المرء هنا الذِّلُّ والمهانةُ والاحتقار.. وأنتَ لن تستغرب إن رأيتَ في مكاتب الضباط أجهزة التلفزيون والراديو والمسجلات وطاولات النَّرد أو الشطرنج وورق اللعب.. فقد اعتاد هؤلاء أخذَ أقساط من الراحة بين جولات الاستجواب والاستنطاق والتعذيب والترفيه عن نفسهم بعد تلك المعاناة.

- من هذا...؟

هل تعرف من...؟

وأشاروا للشَّخص الواقفْ

بصري من أيامٍ يضعفْ

لكـنْ أعرفْ

أعرفُ من!

       < لا، لا أعرف >

خــانَ النــَّذْلْ

قالَ: "وقـعـتْ..

 قـد وقـَعَ الكـُلّْ"

الخائنُ هذا قابيـلْ..

كمْ غيري في سـِجن المـزَّة؟

كم هابيـلْ؟ كم هابيـلْ؟

منذُ متى أنتَ خائـنْ

ياخائـنْ

خذْ مِنِّي هذي البصْقـةْ

ألخائنُ يضحكُ مِنـِّي

يزعمُ أنـِّي

أحمقْ

ينصحُ أنْ أستسـْلمْ

قال: "خسـِرتَ اللـُّعبـةْ"

< لا لم أخسـرْ

هذا أوَّلُ شوطْ >

- هل تتكلَّمْ؟

فضحكْتُ

وجـُنَّ الغستابـو

وأعادوا وصلَ التيَّـارْ

قالوا: "لا جدوى في الصمتْ

       قـلْ أو مُتْ..

              لا تخجلْ.. قدْ قال الكـلّْ"

تلك قديمـةْ

قد شاختْ حـِيـَلُ الغستابـو

هاتوا الأخــرى

لن أتكلـَّمْ... لن أتكلــَّمْ

وأعادوا وصل التيارْ

ياللصـَّدمةْ

قالوا: "الحكمةُ

       أن تـُنقـِذَ نفسـَكْ..

 ماكـِنيـةُ أعضـاءِ اللـَّجنـة؟

من يعمل من أجل الجبهـة؟

              أسماءُ بضعةِ أشخاصٍ

                           تلك الحـِكمةْ"..

عادت إلينا حالة الكآبة والحزن والتَّألم لعذاب فرج الله وعادتْ معها الصعوبة في القراءة التي حاولتُ تخفيفَها برشْفِ المزيد من الشاي الساخن.. أم جبُّور تجلس على طرَّاحة ممدودة فوق الحصير وتتَّكىء على مسند أكثر طراوة من الذي نستند عليه، ليس بعيداً عنَّا، بصمتٍ ودون اكتراث بما نقرأ، ربما تحاشياً لإظهار الفضول وعلى الأغلب بسبب التَّعب الذي نال من همَّتها في نهاية نهار طويل بدأ مع طلوع الضوء واستمر العملُ المضني طيلة ساعاته. "أبو جبًّور" ما يزال في الساحة يتبادل مع رجال الحارة أطراف الحديث ويتناقلون أخبار الساعة.. الساحة العربية تغلي والصراع العربي الإسرائيلي يُنْبىء بتصاعد التوتُّر وجمال عبد الناصر (بطل الثورة والقومية!) يحرِّض الـ (تسعين مليون) ويعدُ بتحرير القدس بقيادته الحكيمة والشجاعة ومع رفاقه (الأبطال) أعضاء قيادة ثورة 23 تموز وبتعاونه مع أشقائه الرؤساء والحكام العرب. كان شعراء القومية العربية يحضِّرون مساهماتِهم وقصائدهم لـ (مسابقة) أغنية القدس التي ستغنِّيها أم كلثوم من القدس المحررة في أول يوم خميس بعد تحرير فلسطين..

أخبار إذاعات العرب، وخاصة صوت العرب ومذيعها الشهير الذي أكَّد أن العرب سيُلقون بالإسرائيليين في قاع البحر طعاماً للسمك كان يحضُّ الجماهير للتهيؤ للحرب المقدسة، لم تكن تلقى المزيد من الإقبال لدى أهالي حبنمرة وجيرانها من قرى (وادي النصارى) وخاصة أقربها إليها (مرمريتا) الذين كانوا حتى مطلع الستينيات متحزِّبين، مناصفةً تقريباً، فعلاً أو تأييداً للحزب الشيوعي السوري وللحزب السوري القومي.. وعلى الرغم من بعض حالات التوتُّر أو عدم الاتفاق على تفسير قضايا معينة أو تحديد المواقف من بعض الأحداث فإن الرجال والعائلات المؤيدة لكلا الحزبين كانوا على تعاطف مع بعضهم وكم التقى شباب من كلا الحزبين، بمن فيهم السيدة "جولييت المير" زوجة الشهيد "أنطون سعادة"، في سجن واحد.. بسطاء من رجال القرية، ومثلهم كثيرٌ من المثقفين روَّجوا لتصوُّر طرحه أحد مؤيدي السوريين القوميين يقول بأن قاتلي فرج الله الحلو هم نفسهم الذين تواطؤوا مع قاتلي زعيم الحزب أنطون سعادة.. الوثائق المتعلقة بالحدثَين والتي أزيح الستار عنها مؤخراً تفيد بأن الشهيدين، برغم الفارق الزمني، وقَعَا تحت بطش نفس المفرزة ونفس الأشخاص الذين ورثَهم الحكم الناصري من حقبة حسني الزعيم وبنفس أسلوبهم الوحشي والدنيء.. المذكَّرات الشخصية لبعض مَن عاصروا تلك الفترة، بمَن فيهم مقرَّبون من السراج وأقارب له (غسَّان زكريَّا)، تستعرض تلك الفترة بالأسماء والوقائع والوثائق، إضافة إلى المسلسل التيلفزيوني السوري (حمام القيشاني) الذي عُرض مؤخَّراً فروى عطش الشعب السوري للكثير من الحقائق التي كشف عنها هذا العمل الناجح والذي استعرض في عدة حلقات وبكثير من الشفافية تلك الفترة بالأسماء الصريحة والوقائع المسجلة والتي كان يكتنفها الغموض إلى وقت قريب.

عبدالله، الذي يدرك بأن القصيدة ستقول في نهايتها بأن فرج مات، كان متلهفاً لمعرفة رد فعل البطل الذي أصبح رمزاً للصمود، على طلب الجلادين التعاون وذكر الأسماء التي يبحثون عن أصحابها.. لقد سمع الكثير مما تناقله الرجال عن خيانة "رفيق رضا" وإصرار فرج الله الحلو على الصمت والكتمان..

لم يستطع إخفاء فضوله الذي اخترق بحر الدموع في عينيه ليقول لي: أكملْ!!

وأُكمـــلُ:

قلبي يتخطَّى الأسوارْ

ويغافـِلُ كلَّ الحرَّاسْ

ليعانـقَ أعضاءَ اللجنـةْ

ويقبـِّلَ أنصارَ الجبهـةْ

< لا تخشـَوا لن أتكلـَّمْ

                     لا لن أتكلـمْ >

- لنجـَرِّبْ فيه المنفـاخْ

حـِيـَلُ الغستابـو الملعونةْ!!

أأنا أُنفـخُ كالبــالونةْ؟

أأنا أُنفـخُ كالبالونة..

نعم المنفـاخ.. صدِّقوا..

نجيب يعرف الكثير عن قصص النازية والغستابو وأساليب التعذيب الجسدي الوحشية التي مورستْ مع المناضلين ضد هتلر والنازية والثوريين منهم خاصة.. وهو لذلك يذكرنا بيوليوس فوتْشيك وأرنست تيلْمان.. وهو هنا يفضح أجهزة الأمن الناصرية التي قضتْ على حياة "شهدي عطية الشافعي" منذ أيام، ويفضح جلادي عبد الحميد السرَّاج الذين قرَّروا إنهاء حياة فرج لإثارة الرعب في صفوف الشيوعيين (أعداء الوحدة!) الذين يمارسون نفس أشكال التعذيب النازية ويستخدمون جميع وسائلها القذرة دون رحمة.. أليسوا غستابو ناصر والسرَّاج إذن؟!

في حديثه عن كتابه (خرافة فرج الله الحلو) يصف الكاتب صلاح عيسى أشكال التعذيب الذي تعرض إليه فرج استناداً إلى وثائق سـُرِّبت إليه وكذلك إلى مذكَّرات "الرائد سامي جمعة"، جلاد السـَّراج الرئيسي والذي عرف بهمجيته، كما قال عنه الراحل مصباح الغفري: "الرجل ولدٌ يحمل في يده سوطاً يُقنع به المعتقلين بأن السلطة، أي سلطة، على صواب دائماً!"، وعنوان هذه المذكرات التي نُشرتْ منذ ثلاثة أعوام (أوراق من دفتر الوطن).. كثيرون تحدثُّوا عن فنون التعذيب الجسدي وكشفوا النقاب عن أبطال الجرائم البشعة بحقّ سجناء الرأي أو العمل السياسي الوطني.. العدالة الحقَّة تقتضي محاكمة هؤلاء حتى ولو كانوا على عتبات قبورهم لكي يكونوا عبرةً لمن تسوِّل له نفسه القبيحة ممارسة أي نوع من أساليب التعذيب الجسدي بحق السجناء وهو مستنكَر ومحرمٌ دولياً!!.

في مقال للدكتور شاكر النابلسي تحمل العنوان (زلزال التاسع من نيسان أدخل العرب إلى رحاب الحداثة من أوسع أبوابها) نشر مؤخراً في الجريدة الإليكترونية (إيلاف) يرى الكاتب بأن مرحلة جديدة بدأت في العالم العربي بعد سقوط أعتى نظام ديكتاتوري عرفه الشرق في العصر الحديث، نظام الطاغية صدام حسين في العراق، ستخفُّ معها وطأة القمع الفكري وأساليب التنكيل بسجناء الرأي وإعدامهم:

" قبل التاسع من نيسان 2003 وقبل سقوط (صَنَم الوهم) الأكبر في بغداد، كانت الأنظمة العربية تعتقل، وتعذِّب، وتنفي، وتقتل أصحاب الرأي. فقد سجنت المئات من الصحافيين والمفكرين السياسيين العرب، وطردت من الأوطان المئات منهم إلى المهاجر في الشرق والغرب. وقتلت العشرات منهم: سيد قطب، شهدي عطية، فرج الله الحلو، سليم اللوزي، رياض طه، الإمام الصدر، المهدي بن بركة، محمود محمد طه، ناجي العلي، حسين مروة، كمال جنبلاط، مهدي عامل، وغيرهم كثيرون.

بعد التاسع من نيسان 2003 وبعد سقوط (صنم الوهم) الأكبر في بغداد، ما زالت بعض هذه الأنظمة العربية تقوم بجرائمها نحو أصحاب الرأي والرأي الآخر، ولكن ليس بالجرأة والشراسة التي كانت تقوم بها قبل هذا التأريخ. أصبحتْ تخشى مآل “صنم الوهم” الأكبر، وأصبحت تخشى حملات جمعيات حقوق الانسان، وأصبحت تخشى الإعلام الغربي والرأي العام الغربي اللذين بديا متربِّصَين بالأنظمة العربية التي ما زالت تكسر الأقلام، وتحرق الكتب، وتقتل الكتّاب والمفكرين، وأصحاب الرأي والرأي الآخر."

للتأكيد على صحة وجهة نظر الأستاذ الدكتور شاكر النابلسي أذكر بأن دار الكلمة اللبنانية نشرت في عام 1981 رواية الكاتب صنع الله إبراهيم (اللجنة) وقامت بحذف أسماء فرج الله الحلو وشهدي عطية وبن بركه وبن بيلا من الرواية خشية إثارة الجهات المعنية في بعض البلدان العربية (سوريا الأسد ومصر مبارك!!). أما الآن فالمقالات والكتب التي تكشف الحقائق برمَّتها أمام الناس وبذكرٍ صريحٍ للأحداث وأسماء المجرمين والمتورطين وليس فقط الضحايا، أصبحت سيولاً جـارفة يستحيل معها على أجهزة الرقابة التدخلُ لمنعها أو الحدُّ من قدرتها على الوصول إلى عقول المواطنين.

رثاء فرج الله والإشادة بصموده البطولي ورفضه تقديم أية معلومة لأجهزة التحقيق والتنديد بالجريمة ومقترفيهـا استمر لسنوات بعد ذلك ومـازال اسم فرج الله حتى اليوم حيَّاً في نفوس المناضلين الوطنيين الشرفاء كرمزٍ ساطع على نكران الذات والتضحية بالنفس من أجل قضايا الشعب والوطن..

القـرنُ:

يُــقالُ العشــرونْ

والعـامُ:

يُــقالُ الستــُّونْ

ألألـَمُ يموجُ علـى شفتـِيْ

والنار جحيمٌ في حلقي

حلقيْ جفّ

- إشربْ.. إشربْ

رفعـوا رأسي

صَبـُّوا قـَطرةْ

لكنْ لم يـُعطوني الأُخرى

يالَلبــُخلِ!

نـِصفي ماتْ

ويدبُّ الموتُ إلى نـِصفي

لكنْ

قلبــيْ في صدري

ما زال يــدقّ

ألشـَّرقُ الشــرقْ

بيروتُ دمشقْ

كلُّ العالــمْ

ياقلبـي

يا أعنـدَ قلبْ

ما زلتَ تـدقّ؟.

رفـَّتْ نسـْمةْ

في أعماقــي

غُـنـْوةْ.. غُـنـْوةْ

تأتي من أحضان الأرزْ

قلبي في أحضان الأرزْ

أرزةْ... أرزةْ

نغـْمـةْ... نغـْمـةْ

لكنْ

ماكلماتُ الغُنوة؟

ما الكلماتْ؟

              "بطلُ الثورة إحْنا مَعاكْ"!!

< صمتاً صمتاً يا غستابـو

الشَّعـْـــ

قاطعني عبدالله الفتى الذكيّ والحسَّاس والذي تأثر بأخيه الذي يكبره بحوالي عشر سنوات وقد كان حينها يدرس في ألمانيا الشرقية فعشق القراءة والثقافة وعرف الكثير من الأخبار والمعلومات. قـال:

- مـاذا؟ بطـل الثورة.. يعني عبد الناصر!! عيدْ يا مفيد.. باللهِ عيدْ

كانت كراهية أهل القرية والقرى المجاورة لجمال عبد الناصر وحكمه لا تقلّ عن كراهيتهم للاستعمار الفرنسي أو إسرائيل. لم يكن من السهل على أحد تذكُّر عبد الناصر بحسنة واحدة.. الأهالي عانوا القمع الذي لم يشهدوا مثله أيام سلطة الانتداب.

< لكن ماكلماتُ الغُنوة؟

ما الكلماتْ؟

              "بطلُ الثورة إحنا معاكْ" >!!

أعـدتُ:

يقاطعني عبدالله ثانية ويطلق مسبـَّةً لم أكن قد عهدتُه يقول مثلها.. فأنا أعرف كم هو مهذَّبٌ ومؤدَّب.. أدركتُ أنه اغتاظ إذ تذكر الأغنية التي كان أساتذة المدرسة يجبروننا على ترديدها ونحن في المرحلة الابتدائية فرضـاً لإشاعة حبٍّ كاذب للريـِّس..

لم أعلـِّقْ بل تـابعتُ على الفور:

صمتاً صمتاً يا غستابـو

الشعبُ هو الثورةْ

الشعبُ هو الثورةْ

لكنْ ما كلماتُ الغُنوة؟

أنا لا أذكرْ

أسمعُ صوتاً وزعيقاً في الظـُّلمةْ

حارسْ:

"هايْل هتلرْ، هايْل هتلرْ"

أسمعُ صوتَ المزلاجْ

تيمورلنـكْ

يا زكريـَّا

يا سـرَّاجْ

أهلاً أهلاً

ماذا في وِسْع الغِستابـو

لمناضلَ غيرُ الموتْ

الآنَ تذكَّرتُ الكلماتْ:

       < نِحْنا وِدْيابِ الغابـاتْ رْبينـا

       بالليل الدَّاجي العتْماتْ مْشينــا

للغاب لْيالينا.. للرِّيــح غْنانينا

   هِيْك.. هِيْكْ.. نِحْنا هِيْكْ رْبينا >

 هكذا كان فرج الله الحلو عاشقاً لوطنه ولشعبه يكرِّس نفسه ووقته للنضال من أجل حياة سعيدة حرَّة كريمة ومن أجل وطن عزيز يشمخ أرزُه وتصدح في سمائه أهازيجُ الفرح وأناشيد الأبطال للحب يطيبُ لهم اختراق العتمات الداجية.. ومن أجل عالم يسوده العدل وتظلله الحرية وابتسامات الأطفال.. رومانسية تتلون بها روايات النضال العنيد لصناديد رافقوا الصخر والغابات وذئابها والليل والدروب المليئة بالأشواك.. بلَوا الأيام مُرَّهـا وحلوَهـا.. فكانوا المنارة التي يسير بنورها شباب أجيال تكنُّ لهم العرفان..

لا أعتقد أن نجيب سرور التقى فرج شخصياً.. أغلب الظن أن الشهيد كان بالنسبة إليه ضحية الأنانية الفكرية لشلّة الحكم القابع حينها فوق صدور أبناء شعبين عزيزين.. وربمـا كانت جنسية فرج اللبنانية عاملاً إضافياً زاد من حقد نجيب على المخابرات الناصرية.. فالرجل يتمتَّع بحصانة يضمنها الدستور اللبناني في بيئة من الحرية الفردية ميزت الحكومة اللبنانية عن سواها من الحكومات المجاورة في ذلك الوقت، وقد كان بإمكانه الإحجام عن التردُّد إلى دمشق الواقعة تحت إرهاب عبد الحميد السـَّراج، الذي كان على مستوى من القذارة كافية لأنْ يتنكَّرَ لأي عرف إنساني أو ديبلوماسي. وهذه الرواية المذهلة يصرُّ الكاتب صلاح عيسى، مُحقـاً، على تسميتها (خرافة) ليس تشابهاً مع مصطلح القيادة السورية السائد آنذاك وإنما حفاظاً على حقها بالتميُّز عن سائر روايات البطش وجرائم الإعدام المعروفة في أقبية التعذيب التي يرعاها العديد من الأنظمة الديكتاتورية، فالقصة تكاد لهولهـا لا تصدق..

وكتمان الرواية وتفاصيلها لفترة طويلة من الزمن جعل البعض، وربما لأسباب إضافية تتعلق بالسياسة الدولية والتوازنات على الساحة العربية اقتضتْ إجراء إعادة اعتبار لجمال عبد الناصر أظهرته بطلاً قوميَّاً وحليفاً للاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية ولقوى التحرر العربية والعالمية في نضالها ضد الاستعمار وإسرائيل، يعتقدون بأن عبد الناصر شخصياً لا يتحمل مسؤولية هدر دماء المناضلين وقمع المخالفين له بآرائهم.. في ردِّه مؤخراً على أحد هؤلاء وهو يتحدث عن مقتل المناضل الشيوعي المصري شهدي عطية الشافعي تحت التعذيب في السجن عام 1960 يستهجن الدكتور مصباح غيبة (براءة) عبد الناصر التي استنتجها الكاتب حسين عودات من حقيقة أمر الرئيس بـفتح تحقيق قضائي ماطلت بشأنه الأجهزة!! ويتساءل الدكتور غيبة:

- " ألم يكن عبد الناصر على علم بتعذيب المعتقلين السياسيين؟

- ألم يكن عبد الناصر يتوقع أن هذا التعذيب سيؤدي إلى مقتل بعض المعذَّبين؟

- هل كان المناضل الشهيد شهدي عطية هو الوحيد بين المناضلين الذي قُتل تحت التعذيب؟

- ألم يصله خبر مقتل المناضل الشيوعي الشهيد فرج الله الحلو تحت التعذيب وإذابة جثَّته بالأحماض؟ أوَلمْ يبلغه مقتل العديد من السجناء السياسيين تحت التعذيب؟

- ما دام عبد الناصر استاء استياءً شديداً من مقتل شهدي عطية تحت التعذيب، فلماذا لم يأمر بإيقاف تعذيب المعتقلين السياسيين بعد ذلك؟

- وأخيراً هل صحيح أن الأجهزة ماطلتْ بإنهاء التحقيق والمحاكمة رغم أوامر الرئيس عبد الناصر المشدَّدة بسرعة إنهاء هذا التحقيق وهذه المحاكمة؟ هل كانت هذه الأجهزة تجرؤ فعلاً على عدم تلبية أوامر الرئيس أو التلكؤ في تنفيذها، خاصة إذا كانت الأوامر مشددة؟"

ويضيف:

"من خلال هذه الأسئلة تبرز الحقيقة: لا يمكن تبرئة الرئيس عبد الناصر من المسؤولية عن مقتل المناضلين شهدي عطية وفرج الله الحلو والمناضلين الآخرين الذين قضَوا تحت التعذيب. فقد كان الحكم حكمه والسلطة في قبضته والأجهزة أجهزته والأوامر أوامره. إن مِن حقِّ الشعوب على مدوِّني تاريخها سردُ الحقائق كما جرتْ"

أنت محقٌ يـا دكتور مصباح وإلا

"وإذا كـان عذابُ الموتى أصبح سلعةْ

أو أحجيةً أو أيقونةْ

فعلى العصر اللَّعنةْ

والطوفانُ قريب!"

كمـا قال شاعرنا الكبير نجيب سرور!!

صوت:

مات بالأمس فرجْ

أيها العمالُ في كل مكانْ

منذ أن كانوا وكنـَّا

منذ كان العبدُ يعملُ ثم لا يـأكلُ

والسيـُّدُ يـأكلْ

منذ كان القِـنُّ يعملُ ثم لا يـأكلُ

والمالكُ يـأكلْ

منذ صارتْ قوةُ العاملِ سـِلعةْ

تضمنُ الرِّبـحَ لربِّ الرأسـِمالْ

قد أرادوها

إبــادةْ!

حسناً..

فلْيـأخذوها

لا هوادةْ

أيها العمال في كل مكانْ

أيها العمال كونوا يقظينْ

صوت:

ماتَ من قبلي وقبلـِكْ

ماتَ من أجلي وأجلـِكْ

مات من أجل الملايين التي حولي وحولـَكْ

ماتْ..

ماتَ فرْجَ الله

صوت:

 لا تقـلْ ماتَ فرَجْ

 هو في قلبي وقلبـِكْ

 هو في كل الملايين التي حولي وحولـَكْ

 في المصانعِ

والمـزارعِ

              والشـوارعْ

 في الملايين التي تزحفْ

وتزحفْ

قـُدُمـاً لا تتوقفْ

هي كالأمواجِ

صفٌ بعدَ صفْ

كلما ماتتْ على الصَّخرة موجةْ

عاجلتـْها ألفُ موجةْ

هكذا البحر عنيدْ

أينما كان غنيٌّ بالرصيدْ

 بألـوفٍ كفــرجْ

 لا تقلْ ماتَ فــرجْ

صوت:

قالها فوتْشيكُ قبلـَكْ:

"نحن حبـَّاتُ البِذارْ

نحن لا ننمو جميعاً عندما يأتي الربيعْ

بعضـُنا يهلكُ من هولِ الصَّقيعْ

وتدوسُ البعضَ مِنَّا الأحذيةْ

ويموتُ البعضُ مِنَّا في ظلام الأقْبيةْ

غير أنَّا كلَّنا لسنا نموتْ

نحن حباتُ البـِذارْ

نحن يا هِتلرَ... يا فرعونَ نعلمْ

أن أطلالَ القبورْ

ستـُغطَّى ذاتَ يومٍ بالسَّنابـلْ

وسينسى الناسُ أحزانَ القرونْ

وسينسون السَّلاسلَ والمقاصلْ

والمنافي والسجونْ

وسنكسو الأرضَ يوماً بالزُّهورْ

وستأسو الفرحةُ الكبرى جراحاً في الصُّدورْ

عندما يأتي الربيعْ

نحن إن نحيا فمِنْ أجل الربيـعْ

حِكْمةُ التاريخ أن يغتالَ هتلرْ

ألفَ حبـَّةْ

ألفَ شهـدي وفـرجْ

ألفَ فـوتشيــكْ

ألف تيلمــانَ وأكثرْ

قبل أن يسقـُطَ هتلرْ

غير أنَّ الزَّرع يوماً سيقولْ:

باسـْمِ حبـَّاتِ البذارْ

باسـْمِ كلِّ الشـُّهداءْ

يضحكُ التاريخُ من هـِتلرْ

ويضحكُ

ثم يصمتْ..

عـاشَ للشَّعـْب فـرَجْ

مـاتَ للشعـب فـرجْ

ماتَ.. فليحيـا فـرجْ

لا تقـلْ مـات فـرجْ.

ماتَ يسوع حصرايل.. فادي دمشق وبيروت وعشاق الحرية ورفاق الطريق.. مات على خشبة صليب إسبارطي حملتْ جسده الطريَّ الطَّاهر اتّحد لتشكيلها أرز لبنان بسنديان سوريا وسقتْهـا دموع مصر.. وخطَّ العمال عليها بدم الشهيد "نحن حبات البذار".. مات من أجل الملايين التي حولنا.. من أجل الربيع المنتظر.. من أجل السنابل والزهور وسعادة الأطفال وعز الأوطان.. مات، أحدَ أبطال الثورة.. ولكنَّ الثورة كالبحر العنيد إن تكسَّرت موجةٌ منه عند الصخر تزداد أمواجه التالية قوة وصلابة وعنفواناً.

بكتْ دمشق بعد سنة من الأرق جفَّفت الدمع في مُقَلها ترَقُّباً وأملاً.. ذبُلتْ زهور الغوطتين باكراً في ذاك الربيع الداكن.. لم يثمر المشمش.. أجهضتْ أشجاره تعبيراً عن الاستنكار لجريمة حكومتها القبيحة وتساقط الياسمين وزهر النارنج في البيوت الدمشقية التي بصق أهلها على زبانية النظام القمعي وأعلنوا استمرارهم بتحدِّي السـرَّاج وسجونه وصرخوا "كلنـا فرج.. مات فليحيا فرج!!".. أقام الشعب السوري احتفال انتصارٍ لا عزاءَ انكسار لأنه على يقين بأن التاريخ سيضحك من السَّراج الجبان كما ضحك العالم من هتلر..

وبكتْ بيروت لخسارتها وللخنجر المغروس في خاصرتها وهي مدينة النور وعاصمة بلد الحرية والجمال والسعادة والملاذ الآمن لكل من ضاقت به سبل الحرية وطاردته عصابات البغي.. بكى لبنان، حكومة وشعباً وقوىً وطنية، فرج الله الحلو الذي كان أحد رموزها وقدم المواطنون اللبنانيون العزاء الصادق لشيوعيي لبنان وذوي الشهيد وكلهم حقد على الديكتاتورية وأجهزتها وصلابة في التمسك ببيئة الحرية الفكرية والسياسية في وطنهم العزيز.. وأصدرت الأحزاب السياسية اللبنانية بيانات تندِّد فيها بالجريمة الصارخة ويـُذكر من بينها بيان الحزب السوري القومي الذي استنكر بشدة سياسة القمع والبطش والتنكيل بالوطنيين الشرفاء وذكـَّر الشعب السوري بدم الشهيد المسفوك قبل عشرة أعوام بأيادي متواطئين من كلا البلدين.. فالجميع يعرف أن عبد الحميد السراج وزمرته بقيادة حسني الزعيم خدعتْ، عبر وسطاء مشبوهين، أنطون سعادة الملاحق والمطلوب من قبل حكومة رياض الصلح في لبنان واستدرجته مطمئنة إياه بمنحه حق اللجوء السياسي، المشروع الذي كان مقبولاً بالنسبة إليه نظراً لما كان يتمتَّع به من شعبية واسعة ومحبة وتأييد في كافة مناطق سوريا وبدخوله الأراضي السورية اعتقل فوراً وسُلـِّم خلال ساعات لأجهزة "الصّلح" وأعدم في نفس اليوم.. يا للسّفـالة.. يـا للسّفَلَة!!

وبكى أرز لبنان الشهيد فرج دون أن ينحني.. لقد بلا هذا الأرز حقباً طويلة في التاريخ مليئة بالمتغطرسين وسيَرِهِم وبالأحداث المؤلمة والنكبات ولم ينحنِ.. وها هو يشمخ كبرياءً وعِزةً برجاله الأمميِّين.. بكى الأرز شهيد لبنان وعطَّر بشذاه ملحمة الثورة والبطولة التي لن تُنسى..

وبكت القاهرة حزناً وخجلاً.. وكتمتْ أنفاسها تحت ثقل الكابوس الناصري الذي امتهن بمهارة سياسة تغطية أساليب البطش والقمع والتنكيل وقتل الشرفاء بالشعارات المزيفة والإشاعات الكاذبة والبيانات المخادعة.

وبكى نجيب سرور، الشيوعي والمناضل الأممي العنيد وأتحف مناضلي العالم بقصيدته، "فرج الله والغستابو"، القداس الجنائزي.. مرثيةً وطِيباً وإكليلاً من فخر وكبرياء ويدَين فولاذيَّتين يمناهما قبضةٌ مرفوعة إلى أعالي المجد وفي اليسرى "كمشةٌ" من حبَّات البِذار النقية.

وحزِنَ أحرارُ العالم واستنكروا الجريمة البشعة وندَّدوا بفاعليها ووجهوا أصابع الاتهام إلى الأجهزة المتبنية لأعمال القمع في سوريا ومصر وطالبوا، شخصياتٍ مرموقة وهيئاتٍ، بإجراء التحقيق ومحاكمة المجرمين.. وناشدوا أحرار العالم للوقوف إلى جانبهم وحصل هذا بالفعل ولكن الإدانة الدولية لتلك الجريمة والمطالبة بالتوقف عن التنكيل بالشرفاء والوطنيين لم تُجْد نفعاً لأنَّ حكومتي البلدين في ذاك الوقت كانتا على درجة من الوقاحة والتخلف جعلتْهما لا تكترثان أبداً بالمجتمع الدولي أو بأصوات العالم..

أما أهل فرج وذووه فقد ذابتْ مشاعر الحزن لفقدان الأخ والابن والزوج والأب بمشاعر الشيوعيين وأصدقائهم في أية بقعة أثار موته حزناً فيها.. بينما وجدتْ زوجة البطل الراحل (فيرجيني الحلو) نفسها أمام تحديات الحياة الشخصية التي لا بد من الاستمرار بيومياتها حفاظاً على اللبَنة الاجتماعية التي أسَّستْها معه وهما يحلمان بمجتمع العدالة والاشتراكية فاستأنفت عملها موفرة لبناتها الفتيَّات الثلاثة كل مقومات الحياة السليمة ما ضمن لهنَّ التحصيل العلمي والمكانة العملية اللائقة والمنتجة والمرتبطة بحياة الناس وكفاحهن على خطى الشهيد متخطين الصعاب وانتكاسات الوطن قبل الحرب الأهلية وخلالها، وقد خضعوا لابتزاز الرجعيين والحاقدين وعملياتهم المشينة مثل احتلال منزلهم وتفجير النصب التذكاري الكبير (فرج الله والعمال) الذي قدّمه الاتحاد السوفييتي للشيوعيين اللبنانيين بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس حزبهم وكان في ساحة بلدته (حصرايل).

وأما الطغمة الحاكمة التي استعجلت الخريف الباهت فسرعان ما ازدادتْ عزلتُها ولم تكن لها في الأصل أية قاعدة جماهيرية فيما عدا حفنة من المنتفعين والحاقدين وقصيري النظر والمخدوعين بالشعارات القومية والوعود الناصرية الكاذبة.. وكان جنود ومرتزقـة أجهزة الأمن يسيِّرون أطفالَ وفتيانَ المدارس قسْراً في مُسيَّراتٍ باردةٍ ادِّعاءً أمام العالم بجماهيرية الوحدة ومحبة الشارع السوري لـ(بطل الثورة!!!) الذي أرادوا اختزال الوطنية والإخلاص بشخصه.

اغرورقتْ عيناي وعينا عبدالله بالدموع عند ذاك المشهد الجنائزي المؤثِّر.. وضاق صدرانا من الحسرة والحزن على بطل ثورة العمال والفلاحين والفقراء وتشنَّجتْ عضلاتُ وجهينا الصغيرين وازداد في قلبينا الطرَّق السريع تاركاً عند كلينا حالة من الاضطراب.. ربما مازلنا صغيريـَن لنتمكَّن من الضغط على نفسينا وتحمُّل هذا القدر الكبير من إجهاد الذات.. وافترقنا من دون تعليق.

السخط الشديد على مجرمي النظام القمعي وحملات التضـامن مع المناضلين السوريين، من شيوعيين وسوريين قوميين وأصدقائهم وحتى جيرانهم، الذين اكتظَّت بهم سجون دمشق (المزة والقلعة والكركونات وحتى المخافر) والمدن السورية الأخرى إبان الوحدة المصطنعة الفاشلة مع مصر عبَّرت عنه، إضافة إلى صفحات الجرائد السياسية العربية والعالمية، أعمـالٌ أدبية للعديد من الكتاب والشعراء في البلدان العربية وفي الخارج جـاءتْ قصيدة الشاعر والفنان الكبير نجيب سرور ملحمةً شعريةً متوِّجة لها.

القصيدة ليست عادية ولا هي كقصائد الرثاء التقليدية.. هي بيانٌ إنسانيٌّ بانوراميٌّ شاملٌ يفضح القمع والإرهاب وأجهزتهما التي مارست كافة أشكال التعذيب الجسدي في تلك الحقبة ويطابقها مع أفظع جرائم النازية والفاشية التي أدانها التاريخ.. وهي تنديدٌ صارخٌ بسياسة التنكيل بسجناء الرأي ومعارضي الحكومة الرجعية من قبل طغمة من ذوي السيرة السيئة والمواصفات اللاإنسانية اعتمدتْ على (إخلاصهم لها) قيادة (بطل الثورة) وهي أيضاً سجلٌ وثائقيٌّ داعمٌ لذمة التاريخ بأن أحد أبطال العمل الوطني والأممي المناضلين في سبيل الحرية والعدالة والتقدم صمد كما السنديانة بوجه الريح الغاضبة محطِّماً جبروتَ آلة القمع الوحشي ومسطِّراً صفحة ناصعة من الاستبسال والموت قرباناً من أجل أن يحيا الآخرون..

هي أيقونةٌ لمتاحف النضال الإنساني وترنيمةُ عبادة للوطن والشعب وأغنيةٌ للحب الصادق ولحنٌ لعهد الوفاء.. وهي قطعة من جسد نجيب سـرور الذي كان مع فرج في جوف الزنزانة وقمرات التعذيب كما كان مع شهدي في القاهرة من قبل.. رافقه باسْمِنا.. مندوباً عن ألوف ألوف العمال في المزارع والمصانع والمدارس.. حاول تلقّي الركَلات وصدماتِ التيار عنه والمنفاخ أيضاً وحادَثَه باسم أعضاء اللجنة وباسم الملايين خارج السجن وقد كانوا يهيِّئون طقوس المجد للاحتفال بعرس البطل..

القصيدة شمعةٌ لا يأفل نورها أضاءها نجيب (أبو شهدي) وحملها في دمشق وبيروت وموسكو وبودابست والقاهرة وحملها وسيحملها معه كل مناضلي الأرض وعبر الأيام ليقولوا جيلاً بعد جيل: نحن حبات البذار..

كـان نجيب سرور أيام تلك الأحداث خارج بلده مصر، معبوده الوحيد، وكان في أوج حقده على الصهيونية والاستعمـار ومخطّطاتهم للسيطرة على البلدان العربية عبر كافة منافذها، والحكومات ضمنـاً. كـان نجيب يرى مـا لا يراه سواه.. فهو الفنان والشاعر ذو العيون الكبيرة القادرة على اختراق جدران التكتُّم ودهاليز التآمر على الوطن.. وهو المناضل العنيد الذي يأبى أن يعيش لحظات سعادة وهو يرى الحيفَ والضَّيمَ والذلَّ يحيط بالمظلومين والمستغَلين من كل جانب.. وهو القــائل الجريء الذي يكره الخوف والصمت كمـا يكره أعداء الإنسانية.. ولأن تجـارب نجيب سرور مع أجهزة الأمن المصرية طويلة ومضنية ومتنوعة فقد جاءت قصيدته مكملة لملفِّه الساخن الذي دفع شاعرنا وفناننا ثمنه غالياً خلال حياته الدراسية والعملية وحتى غيابه القسري المبكر..

فمن المعروف أنه في مواجهة حملات التنديد الدولية بجريمة اغتيال فرج الله الحلـو والتشهير بأجهزة القمع السورية الموجهة لدرجة السيطرة التامة من قبل الحكومة المصرية آنذاك هبَّت صحف الأخيرة الرسمية في كلا البلدين بإيعاذ من رجال المخابرات تُكيلُ الشتائم لحملات اليساريين العرب غير الموافِقة على خطوة الوحدة بين القطرين واصفة إياهم بـ "العمالة وباختلاق شخصية مجهولة وقصة مقتلِ صاحبها التي لا أساس لها من الصحة.."!!

أسلوب الكذب وإخفاء الحقائق وترويع الناس وإرهابهم تحت ذريعة حماية الوطن من (الأعداء) تكرَّر مع نجيب سرور في مناسبات عديدة.. وهو يعود إلى ما قبل قتل فرج الله وقصيدة الغستابو. وفي حين أن هذه الجريمة قُدِّر لها الكشفُ الجزئي ضمن عملية التحقيق في جرائم فترة الوحدة فور سقوطها من قبل سلطة "الانفصال" فإن جرائم التنكيل بالفنان نجيب سرور منذ فترة دراسته في موسكو وحتى وفاته في مصر مازالت بحاجة إلى كشف النقاب.

لقد غدا اسْمُ "فرج الله" رمزا ً لمناضلي سوريا ولبنان والعالم وصمودهم ووطنيتهم الصادقة.. صفحات الجرائد الوطنية وصحف الأحزاب التقدمية واليسارية والشيوعية في البلدان العربية وبلدان دول عدم الإنحياز وكذلك في البلدان الأوروبية من كلا المعسكرين فاضت بصور فرج الله وأحاديث عنه منذ اختفائه وحتى إعلان استشهاده.. ومازالت حتى الآن محاولات أصحاب الضمائر الحية تسعى لمعرفة المزيد كي تكمل ما بدأه نجيب سـرور منذ أربعة وأربعين عاماً. وفي نفس الوقت كانت قصة فرج سِفراً للتربية والأخلاق النضالية في بيوت الشيوعيين نما مع ترنيمه الأطفال وشُحنتْ بآياته نفوس الشباب.. وكم تلوَّنتْ قصص وأناشيد وبيانات الفرق الحزبية والهيئات ووثائق المؤتمرات باسم فرج الله الحلو وحكاية صموده وتحديه..

بعد عشر سنوات من رحيل فرج يتعرف أخي الشاب مسُّوح مسُّوح، الذي أعطاني الجريدة التي قرأتُ منها قصيدة نجيب سـرور لعبدالله، وكان في الثالثة والعشرين من عمره على بشرى ابنة فرج الله الحلو وكانا يدرسان الطب في الاتحاد السوفييتي.. يسأل الفتى الطري العود بدهشة وخجل فتجيبه بفخر وتواضع:

- أيوه أنا بنت الشهيد

ولم يتطلب الأمر الكثير من الجهد حتى بدأت قصة حب رائعة تعثَّرت قليلاً وكادتْ أن تنتهي بالفشل بسبب ملابسات تتعلق بالموقف السطحي من سوريا التي فيها عُذِّب وقُتل فرج وكذلك بسبب التدخل السلبي لبعض القياديين، وكانت العلاقات بين الحزبين في حينها ليست على ما يرام. أجـل فقد كان مشروع الزواج مهدَّداً بالإلغاء لولا الروح النضالية العالية الموروثة عن الأهل والتي تكلَّل الحب بسببها بالنجاح مؤكِّداً صدق المشاعر الأممية التي ماتَ من أجلها فرج والتي أنبتت السنابل والزهور.. الحب الآن في عقده الرابع والأيقونةُ التي رسمها نجيب سرور ما زالت تملأ أيامهم طالما تذكَّروا سيرة البطل.. أما السوريون الذين آلمهم موت فرج فقد جاء زواج ابنته لأحد أبنائهم، قبل أن يخِّفف توالي الأحداث من هول الكارثة، نصراً يشفي الصدور ويثلج القلوب ويعيد للمشاعر والمواقف الوطنية والأممية اعتبارها لما يحمله من معانٍ إنسانية وكفاحية تكرست معها أخلاقية فرج ورفاقه ورؤيا نجيب سرور..

والآن..

من هو نجيب سـرور بعيداً عن غستابو دمشق ومأساتنا؟ 

اضغط على الرابط أسفله 

 عاقلٌ رغم أنوفكم.. نجيب سرور الفنان الرقيق.. المناضل العنيد

د. مفيد مسُّوح

الفصل الثاني من كرَّاس "ترنيمة ثوريَّة"

صدر في الذكرى الخامسة والأربعين لاستشهاد فرج الله الحلو

نيسان/ ابريل 2004